31・07・2026
من العدد ٣٦
بنت جبيل ترنو إلى حاضرها بذاكرة أبنائها...

نبشت هذه الحربُ ذاكرةَ أبناء بنت جبيل وما خزنوه فيها من معاناة التهجير والنفي القسريَّيْن فكانت السنوات تمضي بهم قهرًا مستمرًّا، تزداد المعاناة وتتراكم في دواخلهم بين حرب وحرب، ليبقى سؤالُهم معلّقًا: هل سننجو ونعود إليها؟ 

قبل تحريرها عام ٢٠٠٠، تهجّر غالبيتهم من المدينة لاثنتين وعشرين سنةً، سنوات طوال لم تخمد فيها نيرانُ حسرتهم عليها ولا أصابت يقينَهم في عودتهم عاجلًا أو أجلًا، فانتظروا تحريرها كما ينتظر الفجرُ الشمسَ ليصيرَ نهارًا.  

 اذ تعود الأحداث بالذاكرة كلما أيقظها ما يشابهها. أعادت هذه الحرب المواجعُ والحسراتِ على ما أصاب ويصيب المدينة الآن من تهجير وتفجير، فتراكمت صوَرُ الأسى والقتل مشهدًا فوق مشهد في ذاكرة الناس، كما تراكمت بيوتها وأشجارها وطرقاتها فوق بعضها البعض. ومع ذلك، ما زال الكثيرون من أبنائها يأملون بالعودة والإعمار وبثّ الحياة فيها من جديد. كأنهم «محكومون بالأمل» كما قال سعدالله ونّوس، يربطونه بالعيش المستطاع ولو في خيمة.

لم يكن المستطاع قديمًا هو نفسه الحاضر. فما عاشوه من تهجير الاحتلال السابق والذي انتهى بعودتهم إلى بلدهم، ليس بالضرورة، أمام هول هذه الحرب، أن ينتهي بعودة مماثلة. فالأمل المتأتي من صوَر الذاكرة ما هو الّا تمنيات رغبوا في تصديقها لصدق عاطفتهم وشوقهم إلى منبِت وجودهم.  لكن حيثيات احتلال المدينة اختلفت عما يحدث الآن دون أن تفارقه. فالنظر بمنطق واقعي يُزيل وهمَ الأمل بالعودة، فاذا لم يعودوا بذاكرتهم إلى التاريخ ومراقبة التغيرات السياسية مراقبة دقيقة تجعلهم يدركون ماذا ينتظرهم من أخطار يمكن أن تصل إلى قضم إسرائيلي للمناطق الحدودية بأسرها. فالأمل يتأتّى من دوافع جديدة تبحث عن فسحتها في الرأي والمشاركة وتشكّل وعيٍ يواكب تعقيدات كثيرة، وللمهجّر فيها ناقةٌ وجمل.

الذاكرة/ الراوي

 يتذكّر أحد أبناء بنت جبيل حين عاد إليها في ٢٣ أيار من عام ٢٠٠٠، وكانت ذاكرته ما زالت تحتفظ بلون دهان بيته الأخضر الفاتح الذي دمره الاحتلال عام ١٩٧٨، وأول ما فعله أنه ذهب إلى بيته ليجد على ضفاف بركة البلدة، بعضًا من حجارة صغيرة بلون أخضر.

المُحزِن في هذه القصة أن ذاكرة التهجير في الحروب تقوم بدور الكاميرا الانتقائية، تُبقي أصحابها بحالة صدمة الأسى والتعلّق العاطفي بالأمكنة ولا تقوم باستخلاص العبر منها فهمًا وموقفًا، فبقيت الذاكرة الجمعية في منزلة الحسرة والانتظار كمسيلٍ أخذ مجراه القديم، فلم تدفع بأصحابها إلى نقد الحروب الماضية بدافع يَعي خطورة الاحتلال الجديد للمدينة ليشاركوا سبل البحث عن مخارج عديدة للعودة قبل أن تغدو هذه الأخيرة مستحيلة.

وبالعودة إلى تاريخ تهجير أبناء بنت جبيل في أواخر الستينات وبعد اتفاق القاهرة، تعرضت المدينة لقصف إسرائيلي واعتداءات متقطعة، تحت حجة «المخربين» من فدائيي "منظمة التحرير الفلسطينية» وعديد من الأحزاب المتواجدة وبغياب شبه كلّي للدولة. كانت أبرز محطات هذه الاعتداءات، قصف سوق الخميس عام ١٩٧٦ ذهب ضحيته عدد كبير شهداءً وجرحى، دون أن تتسبب المجزرة بتهجير سكانها إلّا قلة قليلة سكنت على مقربة من المدينة  لتبقى ترنو إليها حين يفيض الشوق في قلوبهم، لكن ما يلبث ان يهدأ بتعويذة «الله بدبِّر»، لسان حال الكثيرين من سكانها حتى اجتياح إسرائيل للجنوب عام ١٩٧٨ الذي هجّر غالبيهم بعد أن انشأ العدو ما يسمى بالشريط الحدودي، الذي ضمّ بلدات وقرى على امتداد الحدود الفلسطينية المحتلة، عازلًا المنطقة عن أقرانها من القرى والبلدات المحررة ومنها مدينة بنت جبيل، عبر بوابات ومعابر عسكرية (معبر بيت ياحون النافذ على بنت جبيل) لا يسمح بخروج من من بقي فيها من أبنائها ولا يدخلها من المهجرين ولا حتى الأموات الذين قضوا خارجها، إلّا بتصاريح تُقبل أو تُرفض من قِبل الإدارة الأمنية للاحتلال ومن يدور في فلكها. وباسترجاع ذلك الوضع الآن، يعيش أبناء بنت جبيل خوفًا من استحداث الاحتلال بوابات مشابهة للسابقة تُقفل بوجه أمل الناس بالعودة إلى أجلٍ هو في علم الغيب .

الذاكرة وتحفيز الأمل

تشكّلت الذاكرة البنت جبيلية، خارج المدينة، عاطفيًّا على المروِيّ والمشافهة بتذكُّر سنوات عزّها التاريخي مرتبطًا بمعاناة أبنائها من المهجرين داخل الوطن أو خارجه، فما حملوه من ذكريات فيها؛ أحزانهم وأفراحهم، أكَلاتهم ومونة أرضهم، تجارتهم وحِرفهم الصغيرة، لهجتهم... كل ذلك، رغم سعادتهم به، لم يكن بديلًا عن مدينة ولادتهم. لذا كان الانتظار قدرًا علقوا عليه آمالهم وأحلامهم. ولا يعني ذلك أن المدينة كانت منسيّة، فقد وثّق بعضٌ من أبنائها تاريخَها وحياةَ ناسها عبر كتب بقيت كمرجعية للتاريخ، لكنها، أي الكتب، بقيت في حيّز القراءة دون تفعيل متحرك أمام العامة لمراجعة التجربة بعين العقل والواقع بهدف صون إنجاز التحرير كفعلٍ توازي أهميتُه أهميةً فعلٍ التحرير نفسِه بل وأكثر. وللتوضيح؛ كم من المواثيق التي شهدت على اعتداءات إسرائيل السابقة على البيوت والممتلكات، قُدِّمت كمستند وشاهد لتحصيل حقوق أصحابها جرّاء خساراتهم المادية والبشرية؟ سؤال لا يخرج من معنى الإنكار، تشهد عليه مستندات أبناء بلدات هونين والمالكية وصلحة وغيرها من القرى، التي ضمّتها إسرائيل (بطرق متعددة) والتي تمّ عرضها حينذاك في المنتديات والمؤتمرات الصحافية، وصارت بخبر كان دون متابعة ولو لتوثيقها دوليًّا. وهذا ما يؤكد أن مرويات الذاكرة - التي قد تخون بالنسيان - إذا لم تُثمر سجلاتٍ تُعيد الحقوق لأصحابها، فعلى الأقل أن توثقها للتاريخ، على أمل قد ينجزه أبناء الأبناء يومًا ما، كما يذكر أحد أبناء بنت جبيل كيف نما الأمل بعودتهم إلى مدينتهم عبر التعلق النفسي بما تركوه في ديارهم من حياة وتعلّق وجداني، تعلُّق أبقى على ما يشبه تلك الحياة كما لو كانت نفسها في مكان هجرتهم، وقد ركز الراوي على وجهة نظر فردية بأنه لم يشتر بيتًا في العاصمة بيروت لأمله بإعادة إعمار بيته الذي دمره العدو الاسرائيلي في عام ١٩٧٨. أسأله إن كان صِدْقُه كافيًا للعودة؟ لا، لأن حرب ٢٠٠٦ أظهرت أن الأمل لا ينمو بالتمنيات ولا بالغيبيات، يكفينا هذه الحرب الغيبية. يُجيب بحسرة على بيته الذي أعاد بناءه أحد أبنائه في العام ٢٠٠٠ لتعود إسرائيل وتدمّره مرة ثانية في العام ٢٠٠٦. غصّته الصادقة تشير إلى فئة ليست قليلة من الناس الذين يعبّرون عن خساراتهم ليس وفاءً لذاكرتهم فقط بل لرفع صوتهم المكتوم كحق وجودي لهم، ولماضيهم ومستقبلهم، كأفراد وجماعات أُخذوا إلى الحرب غمن دون إرادتهم، فما هو أخطر في استفراد هذه الجهات، بخوضها أشرس حرب مرّت على ذاكرة الجنوبيين بلا دراسة لما ستؤول إليه من خسارات بشرية ومادية ووجودية. والأخطر أنها تنصّلت من مسؤوليتها عن احتلال جديد للمناطق الحدودية بعد أن كانت محرّرة.

 فهل ستبقى ذاكرتنا ترنو إلى بنت جبيل «كعاشق خطّ سطرًا في الهوا ومَحا»؟ 

النص هو جزء من ثلاثة أجزء تُنشر تباعًا…

مقالات مشابهة
30・06・2026
الشياح: سيرة الأرض والدم والمرايا المكسورة
أكرم محمود
لم تكن الشياح مجرد بقعة جغرافية على أطراف العاصمة، بل كانت رئة بيروت الخضراء الحانية. وقبل أن يجتاحها الإسمنت وتلتهمها ألسنة النار، كانت الأرض هنا طيبة ومعطاءة، ممتدة كبساط من الحواكير والبساتين الصغيرة التي لا تشبه مزارع الليمون واللوز الشاسعة في أقاصي البلاد، بل كانت بساتين حميمة تنبت فيها «مكوّنات صحن الفتوش»؛ من عروق النعناع المتشابكة، وأوراق البقدونس المخملية، إلى رؤوس الفجل الضاحكة...
26・06・2026
في حبّ صُور وبحرها وحاراتها
زينب شور
لم تكن صُور لتغيب عن بالي وأن طال غيابي عن بحرها وبرّها. لقد أكَلَت زواريبُها وأزقتُها من أقدامنا، زملاء وأصدقاء، مشيًا على بلاط أرضها المسنّنةِ حوافيها، ولم نكن لنتعب. ولم نكن لنعرف ونحن «نكزدر» على شاطئها الصخري لجهة الغرب أن الحارة «المسيحية» هي فقط للمسيحيين!!!  كنا نستمتع بالتجوال في أزقتها الضيقة المسيّجة حوائطُها بالقرنفل والياسمين، وبألوان دهان أبوابها المفتوحة على زرّيعة الحبَق...
08・06・2026
الشياح: سيرة الأرض التي غادرت فَيئَها... من عبَق «الفتوش» إلى غابات الإسمنت
أكرم محمود
تستيقظ الذاكرة اللبنانية أحيانًا على شكل حنين جارف لضواحي العاصمة التي كانت يومًا ما رئة بيروت الخضراء، ومستودع سرّها الوديع. من بين هذه الحواضر، تبرز بلدة «الشياح» كشاهد ملَك على تحوّلات دراماتيكية صاغت وجه الوطن، وعكست في مرآتها الضيقة صراعات السياسة، وأحلام الطامحين، وقسوة المدافع.