.png)
ليس ما يعيشه لبنان أزمةً عابرة يمكن ردّها إلى خللٍ في إدارة سياسية أو إلى اختلالٍ اقتصادي ظرفي، كما درَج الخطاب العام على توصيفه. فالأزمة، في معناها التقليدي، تفترض وجود نظامٍ سليم في جوهره تعتريه اختلالات قابلة للمعالجة ضمن الأُطر نفسها، عبر إصلاحات جزئية أو تسويات مرحلية. أمّا ما نحن بإزائه في الحالة اللبنانية، فيتجاوز هذا الإطار بكثير، ليقترب ممّا يمكن تسميته، بدقّة، «معضلة» بنيوية مركّبة.
فالتمييز هنا ليس لغويًّا فحسب، بل تحليلي أيضًا: فـ«المشكلة» تُحلّ ضمن شروطها، و«المسألة» تُناقش وتُبحث، أمّا «المعضلة» فهي حالة استعصاء تتشابك فيها المستويات المختلفة - السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والنفسي - إلى حدّ يصبح فيه الخلل مستقرًّا في البُنية العميقة، لا طارئًا على السطح. من هنا، فإنّ اختزال ما يجري في فساد السلطة أو عجزها، على الرغم من صحّته الجزئية، يظلّ قاصرًا، لأنّه يُبقي المجتمع خارج دائرة المساءلة، وكأنّ السلطة كيانٌ منفصل عنه.
السؤال الحقيقي، إذًا، لا يقتصر على: من يحكم؟ بل يتعدّاه إلى: كيف يُنتَج هذا الحاكم؟ وما الشروط الاجتماعية والثقافية التي تسمح بإعادة إنتاجه مرّة بعد أخرى، رغم فشله الظاهر؟
ليس الانقسام في لبنان مجرّد اختلاف في الآراء أو تباين في المصالح، بل هو أقرب إلى بُنية ذهنية راسخة تُعيد بناء إدراك الأفراد للعالم. إنّه استقطاب يتجاوز السياسة بمعناها الضيّق، ليغدو إطارًا شبه وجودي، ترى من خلاله كل جماعة نفسها في حالة تهديد دائم، لا في مصالحها فقط بل في هويّتها وكيانها.
ضمن هذا السياق، يمكن تمييز نمطين ذهنيين متداخلين:
الأوّل، نمط مؤدلَج، يُخضع الواقع لمنظومة اعتقادية مغلقة، بحيث لا يعود الحدث معطى يُفسَّر، بل مادّة تُعاد صياغتها لتأكيد ما هو مُسلَّم به سلفًا. هنا، لا تُنتِج الوقائع قناعاتٍ جديدة، بل تُستَخدم لتعزيز قناعات قائمة.
والثاني، نمط براغماتي نفعي، يفتقر إلى مرجعية مبدئية واضحة، فيتعامل مع السياسة كحقل مصالح صِرف، بحيث تُبرَّر الوسائل بالنتائج، مهما كانت كلفتها على المستوى العام.
خطورة هذا الاستقطاب لا تكمن فقط في حدّته، بل في قدرته على إقصاء أي مساحة وسطى. فكل محاولة للتموضع خارج ثنائية الاصطفاف تُواجَه إمّا بالتخوين بوصفها خروجًا عن «الجماعة»؛ أو بالتهميش بوصفها بلا جدوى. هكذا لا يعود الاعتدال خيارًا عقلانيًّا، بل يصبح موقعًا هشًّا، بلا حماية رمزية أو سياسية.
في المجتمعات التي تتمتّع بحدّ أدنى من الاستقرار، يشكّل التيار العقلاني، ولو كان غير مهيمن، عنصر توازن بين التطرّفات. أمّا في لبنان، فإنّ هذا التيار يبدو إمّا ضعيفًا أو غير قادر على التحوّل إلى قوّة فاعلة.
المشكلة هنا لا تكمن في غياب الأفراد العقلانيين، بل في عجزهم البنيوي عن التنظيم والتأثير. فالبنية السياسية والاجتماعية السائدة تكافئ الولاء أكثر ممّا تكافئ الكفاءة، وتعزّز الانتماءات الضيّقة على حساب الفضاء العام. بذلك يصبح الانخراط في اللعبة السياسية مشروطًا بالانتماء، لا بالكفاءة أو الرؤية.
نتيجةً لذلك، يتحوّل الفضاء العام إلى ساحة صراع بين خطابين: خطاب تعبوي يستثير العواطف ويُبسّط القضايا المعقّدة إلى ثنائيات حادّة، وخطاب نفعي يبرّر الخيارات انطلاقًا من حسابات آنية. وبين هذين الخطابين، يغيب السؤال الجوهري: ما المصلحة العامة؟ وما الأفق الذي ينبغي أن يُبنى عليه الفعل السياسي؟
لا يمكن فهم الواقع اللبناني من دون إدراك موقع العامل الخارجي في بُنيته. غير أنّ هذا العامل لا يعمل بوصفه قوة مفروضة من الخارج فحسب، بل بوصفه امتدادًا لوظائف داخلية.
في ظلّ هشاشة الدولة، وضعف مؤسساتها، والطابع الطائفي للنظام، يتحوّل الخارج إلى مرجعية بديلة أو مكمّلة. فكل فريق داخلي يسعى إلى تعزيز موقعه عبر علاقاتٍ خارجية تمنحه عناصر قوّة لا يملكها داخليًّا. ومع تكرار هذا النمط، يتحوّل الاستقواء بالخارج من استثناءٍ ظرفي إلى قاعدة ضمنيّة لإدارة الصراع.
وعليه، لا تكمن المشكلة فقط في الارتهان بحدّ ذاته، بل في تطبيعه وتحويله إلى سلوك «مفهوم» أو حتى «مبرّر» و«مسوّغ». هكذا لا يعود السؤال: هل ينبغي رفض هذا الارتهان؟ بل: كيف يمكن استخدامه بفعالية أكبر؟
في لحظة أكثر تقدّمًا من هذا المسار، لا يعود الارتهان مجرّد ممارسة واقعية، بل يُعاد تعريفه رمزيًّا بوصفه شكلًا من أشكال الوطنية. فتُصاغ سرديّات تبرّر العلاقة مع الخارج تحت عناوين «الحماية» أو «التوازن» أو «الضرورة» أو حتى «وحدة الساحات».
هنا يُحدث انزياحٌ خطير في المعايير: لا يعود تقييم الفعل السياسي قائمًا على مدى خدمته للسيادة أو المصلحة العامة، بل على مدى خدمته لـ«الفريق» أو «المحور» أو «الخط». هكذا يتحوّل الوطن نفسُه إلى أفهوم قابل لإعادة التعريف باستمرار وِفق الاصطفاف.
في هذا السياق، لا يعود الصراع بين مشروع سيادي وآخر تابع، بل بين صيَغ مختلفة من التبعية، يتنافس كلٌّ منها على شرعنة نفسه.
يميل الخطاب العام إلى تحميل السلطة مسؤولية ما يجري، وهو أمر مفهوم، لكنّه يظلّ ناقصًا إن لم يُستكمل بمساءلة المجتمع نفسه. فالسلطة، في نهاية المطاف، ليست كيانًا منفصلًا، بل تعبير مكثّف عن أنماط سلوك وقيَم منتشرة اجتماعيًّا.
فالمواطن الذي يقايض صوته بمصلحة آنيّة، أو الذي ينخرط في شبكات الزبائنيّة، أو الذي يبرّر الفساد انطلاقًا من انتمائه، يساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إعادة إنتاج النظام الذي ينتقده. وكذلك الفاعلون الاقتصاديون والإداريون الذين يجدون في هذا النظام مصدرًا لمصالحهم.
بهذا المعنى، تتحوّل الأزمة إلى دائرة مغلقة: مجتمع يُنتج سلطة على صورته، وسلطة تُعيد إنتاج هذا المجتمع عبر سياساتها وممارساتها.
في قلب هذه البُنية، يبرز غياب «الفاعل السياسي» بالمعنى العميق للكلمة: ذاك الذي يجمع بين الكفاءة والرؤية، وبين القدرة على الفعل والاستعداد لتحمّل كلفته.
هذا الغياب ليس مجرّد نقص في الأفراد، بل نتيجة بنية تُقصي هذا النوع من الفاعلين أو تُعيق صعوده. فالشخص الذي يسعى إلى العمل السياسي انطلاقًا من مشروع عام، يجد نفسه أمام أنظومة لا تكافئ هذا السلوك، بل تدفعه إمّا إلى التكيّف معها أو إلى الخروج منها.
وعندما يغيب هذا الفاعل، لا يبقى الفراغ فراغًا، بل يُملأ بقوى أخرى، داخلية أو خارجية، تملك القدرة على الفعل، وإن افتقرت إلى الشرعية أو الرؤية.
تبلغ الأزمة مستوى أكثر عمقًا عندما يتراجع دور المثقّف بوصفه فاعلًا نقديًّا. فالمثقّف، تاريخيًّا، ليس مجرّد منتِج للأفكار، بل أيضًا ضميرٌ يسائل ويُزعج ويكشف التناقضات.
غير أنّ هذا الدور يتآكل عندما ينخرط المثقّف في الاصطفافات، أو عندما يفضّل الصمت، أو حين يتحوّل إلى مجرد مسوّغٍ للواقع بدل أن يكون ناقدًا له. في هذه الحالة، لا يغيب النقد فحسب، بل يُستبدل بخطاب يمنح الواقع شرعية إضافية، ويقدّمه كأنّه قدَر لا مفرّ منه. وهنا، يتحوّل الفكر من أداة تحرّر إلى أداة تثبيتٍ لواقعٍ نشكو منه.
في موازاة تراجع دور المثقّف، يبرز صعود «المؤثّرين» بوصفهم فاعلين جُددًا في تكوين الرأي العام. غير أنّ هذا الصعود يرتبط بتحوّل أعمق في طبيعة الخطاب نفسه.
فاللغة التي تسود هذا الفضاء تقوم على التبسيط المفرط، والاختزال، والسعي إلى الجذب السريع. ومع الوقت، لا تعود هذه اللغة مجرّد أسلوب تواصلي، بل تتحوّل إلى طريقة في التفكير، تُعيد تكوين إدراك الأفراد للقضايا العامة.
هكذا تتحوّل السياسة إلى عرض، والفكرة إلى محتوى سريع الاستهلاك، والقضية إلى «ترند» عابر. وفي هذا التحوّل، يُفرَّغ الفعل السياسي من عمقه، ويُستبدل بالتفاعل اللحظي.
في ضوء ما سبق، يتبيّن أنّ ما يواجهه لبنان ليس فقط أزمة في إدارة السلطة، بل أزمة أعمق في إنتاج المعنى نفسه. فعندما تختلّ اللغة، ويضيع التمييز بين الأفاهيم، يصبح التفكير مشوّشًا، ويغدو الفعل عاجزًا.
فاللغة ليست أداة محايدة، بل الإطار الذي نفهم من خلاله الواقع. وحين تُستخدم الأفاهيم بشكل اعتباطي، كالسيادة، والوطنية، والإصلاح، تفقد قدرتها على التوجيه، وتتحوّل إلى مجرد شعارات فارغة. وحين يعجز المجتمع عن تسمية الأشياء بدقّة، يفقد قدرته على تغييرها.
وعليه، فالخروج من هذه المعضلة لا يمكن أن يتمّ عبر حلول تقنية سريعة أو تغييرات صوَريّة. إنّه يتطلّب مسارًا طويلًا من إعادة بناء العقل السياسي، على مستوى الأفراد والمؤسسات معًا.
هذا المسار يبدأ من التربية، عبر ترسيخ التفكير النقدي بدل التلقين؛ ومن الإعلام، عبر إعادة الاعتبار للنقاش الجاد بدل الإثارة؛ ومن الثقافة، عبر استعادة دور المثقّف كفاعل مستقل. لكنّه لا يكتمل من دون الممارسة اليومية: في رفض الزبائنية، في مساءلة الخطاب السائد، وفي الانخراط في الشأن العام بوصفه مسؤولية، لا مجرّد موقف.
رأس الكلام أنّ المعضلة اللبنانية لا تُختزل في نظام سياسي فحسب، بل تعبّر عن أزمة أعمق في الذات الجماعية. ذات تتنازعها انتماءات متعدّدة، وتُدير تناقضاتها عبر إعادة إنتاجها بدل حلّها.
ومع ذلك، فإنّ هذا التعدّد ذاته يحمل إمكانًا مختلفًا: فحين يُعاد التفكير فيه خارج منطق الصراع، يمكن أن يتحوّل إلى مصدر غنى بدلًا من مصدر انقسام. غير أنّ هذا التحوّل مشروط بالتخلّي عن مجموعة من الأوهام: وهم الحلول السريعة، وهم القائد المخلّص، وهم الخارج المنقذ. فالتغيير، في جوهره، ليس حدثًا يُنتظَر، بل مسارٌ يُبنى.
إذًا، ليس المطلوب مزيدًا من الشعارات، بل مزيد من التفكير؛ ولا مزيدًا من الانفعال، بل مزيد من النقد. فالتغيير لا يأتي من خارج هذه الذات، بل من قدرتها على إعادة النظر في نفسها. وربما، في هذا التحوّل البطيء والصعب، يكمن الأمل الوحيد الممكن.


