دخل لبنان شهر حزيران ٢٠٢٦ وهو يحمل إرث وقف إطلاق النار غير المطبّق، ومفاوضات عسكرية وأمنية لم تُنتج انسحابًا إسرائيليًا، ومعارك برية امتدت نحو دبين والشقيف وشمال نهر الليطاني، وانقسامًا داخليًا متصاعدًا حول التفاوض والسلاح.
أولًا: استمرار التقدم البري الإسرائيلي
استمرت، خلال الأيام الأولى من حزيران، العمليات البرية التي كانت قد بدأت في أواخر أيار حول دبين وقلعة الشقيف ووادي السلوقي، واتسعت محاولات التقدم والتوغل لتشمل محاور حداثا ويحمر الشقيف والخيام وكفرتبنيت وعلي الطاهر ومجدل زون.
وترافقت هذه التحركات مع محاولات لتثبيت مواقع عسكرية، وشق طرق ميدانية، وتجريف الأراضي، ونسف المنازل والمباني. وفي المقابل، أصدر «حزب الله» سلسلة من البيانات قال فيها إنه استخدم الكمائن والعبوات الناسفة والمسيّرات والصواريخ الموجّهة لاستهداف القوات والآليات الإسرائيلية ومنع تثبيتها في المواقع التي تقدمت إليها.
مجدل زون
تحولت مجدل زون، خلال حزيران، إلى أحد أبرز محاور التقدم البري الإسرائيلي، وإحدى أبرز ساحات المواجهات المعلنة.
وشهدت البلدة ومحيطها عمليات توغل إسرائيلية، واشتباكات وكمائن، واستهدافًا لآليات ودبابات، بالتوازي مع غارات جوية وقصف مدفعي مكثف. كما نُفذت عمليات نسف للمنازل وشق للطرق داخل البلدة، مع تكرار محاولات التقدم والانسحاب وإعادة التموضع.
وبحسب بيانات «حزب الله»، استُهدفت القوات والآليات الإسرائيلية في أكثر من نقطة داخل البلدة ومحيطها، فيما قدّمت وسائل إعلام الحزب المواجهات على أنها محاولة لمنع القوات الإسرائيلية من تحويل التوغل المؤقت إلى سيطرة ثابتة.
المحاور الأخرى
استمرت المواجهات أيضًا في حداثا ودبين ويحمر الشقيف والخيام وكفرتبنيت وعلي الطاهر، بالتزامن مع تحركات إسرائيلية في شمع والناقورة ومحيط وادي السلوقي.
وعكست هذه العمليات اتساع رقعة التحرك البري الإسرائيلي، وعدم اقتصاره على الحافة الحدودية، إلى جانب انتقال المواجهة إلى مناطق تقع شمال الخطوط التي كانت تُعدّ، في مراحل سابقة، نطاقًا أساسيًا للعمليات البرية.
ثانيًا: الغارات على الضاحية الجنوبية
شهدت الضاحية الجنوبية لبيروت ضربات إسرائيلية خلال حزيران، كانت من أبرزها غارة في ٧ حزيران، ثم ضربة أوسع في ١٤ حزيران.
واكتسبت ضربة ١٤ حزيران أهمية سياسية إضافية؛ لأنها جاءت بالتزامن مع مرحلة حساسة من المفاوضات الأميركية–الإيرانية. وأظهرت أن إسرائيل أرادت الاحتفاظ بقدرتها على التصعيد في لبنان، حتى في الوقت الذي كانت فيه واشنطن وطهران تقتربان من تفاهم يتضمن وقف الحرب على الجبهة اللبنانية.
كما أعادت الضربة ربط الضاحية، باعتبارها مركزًا سياسيًا واجتماعيًا أساسيًا لـ«حزب الله»، بمسار التفاوض الإقليمي، وأظهرت أن لبنان بقي جزءًا مباشرًا من أدوات الضغط المتبادل خلال المفاوضات.
ثالثًا: التفاهم الأميركي–الإيراني ووقف إطلاق النار
مثّل الإعلان عن التوصل إلى تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران نقطة التحول الأساسية خلال حزيران.
وقد أصر الجانب الإيراني على أن يشمل وقف إطلاق النار الجبهة اللبنانية، قبل أن يُعلن أن التفاهم يتضمن وقف العمليات في لبنان. ونقل هذا التطور الملف اللبناني من نطاق المفاوضات العسكرية والأمنية المحدودة إلى إطار إقليمي أوسع، يرتبط بالتفاهمات بين واشنطن وطهران.
وقدّم «حزب الله» وحلفاؤه إدراج لبنان في التفاهم على أنه نتيجة لرفض إيران فصل الجبهة اللبنانية عن المسار الإقليمي، وانعكاس أيضًا لاستمرار الضغط العسكري على الأرض.
لكن الإعلان أثار جملة من الأسئلة المتعلقة بطبيعة وقف إطلاق النار وحدوده، من بينها:
١. هل يتضمن وقف النار انسحابًا إسرائيليًا كاملًا من الأراضي اللبنانية؟
٢. هل يوقف الغارات والاستهدافات في جميع المناطق اللبنانية؟
٣. هل يمنع إسرائيل من التحرك عسكريًا بذريعة إحباط محاولات إعادة تسليح «حزب الله»؟
٤. ما العلاقة بين التفاهم الإقليمي والمفاوضات التي تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل؟
٥. ما الضمانات المتاحة لمنع استئناف العمليات العسكرية؟
هدنة من دون انسحاب كامل
بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، ظهرت خلافات حول تفسير الالتزامات الإسرائيلية وحدودها.
فقد أعلنت إسرائيل أنها ستبقى في مناطق تصفها بأنها «أمنية»، ورفضت الانسحاب الفوري والكامل، في حين تحدثت تقارير عن انسحابات جزئية وتقليص أعداد القوات في بعض المواقع.
رابعًا: الإعلان عن «اتفاق الإطار»
في ٢٦ حزيران، دخل المشهد مرحلة جديدة مع الإعلان عن «اتفاق إطار» بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، برعاية أميركية.
ووفق ما ورد في المواد الإعلامية، تناول الاتفاق ترتيبات أمنية في الجنوب، وانتشار الجيش اللبناني، واعتماد مناطق أو مراحل تجريبية للتنفيذ، وربط بعض الانسحابات الإسرائيلية بمراحل التنفيذ، إلى جانب معالجة المواقع العسكرية والسلاح، ووضع آليات للمراقبة وضمانات أميركية.
ومثّل الإعلان تحولًا كبيرًا؛ لأن المفاوضات التي كانت موضع خلاف في أيار انتقلت، خلال حزيران، من مستوى الاجتماعات والتسريبات إلى وثيقة سياسية وأمنية معلنة.
لكن الاتفاق لم ينهِ الخلاف، بل أعاد صياغته؛ فبدل الانقسام حول مبدأ التفاوض، بدأ الانقسام حول مضمون الاتفاق، وصلاحية الجهة التي تفاوضت بشأنه، وطبيعة الالتزامات الأمنية الواردة فيه، ومدى قدرته على ضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
كما أثار الاتفاق أسئلة بشأن التدرج في التنفيذ، وربط الانسحاب بإجراءات لبنانية داخلية، وحدود الدور الأميركي في المراقبة، وإمكان احتفاظ إسرائيل بحق التحرك العسكري إذا اعتبرت أن الترتيبات لم تُنفذ.
خامسًا: مواقف القوى اللبنانية
موقف «حزب الله»
انتقل موقف «حزب الله»، خلال حزيران، من رفض التفاوض المباشر إلى رفض نتائج التفاوض والاتفاق المعلن نفسه.
وتركز خطاب الحزب على النقاط الآتية:
١. اعتبار أن الاتفاق يتجاوز التوافق الوطني، ولا يستند إلى تفويض داخلي كافٍ.
٢. التأكيد على أن ملف السلاح شأن لبناني داخلي، ولا يجوز أن يكون جزءًا من تفاوض مع إسرائيل.
٣. رفض ربط الانسحاب الإسرائيلي بمعالجة سلاح الحزب أو مواقعه العسكرية.
٤. اعتبار أن السلطة فاوضت من دون الحصول على ضمانات كافية بشأن الانسحاب ووقف الغارات.
٥. التحذير من أن الاتفاق قد يمهّد لوصاية أمنية أميركية أو إسرائيلية على لبنان.
٦. التحذير من أن محاولة تنفيذ البنود المتعلقة بالسلاح بالقوة قد تهدد السلم الداخلي.
وبرزت مواقف الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم بوصفها المرجعية الأساسية في رفض التفاوض المباشر، ورفض نزع السلاح، والتأكيد على أن الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات يجب أن يسبقا أي نقاش داخلي.
موقف «حركة أمل»
في أيار، حاول رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل نبيه بري المحافظة على موقف يجمع بين دعم الدولة ورفض التفاوض تحت النار، مع التشديد على المفاوضات غير المباشرة.
أما في حزيران، وبعد الإعلان عن «اتفاق الإطار»، فانتقل بري وحركة أمل إلى موقع المعارضة الواضحة للاتفاق.
ووصف بري الاتفاق بأنه أسوأ من اتفاق ١٧ أيار، معتبرًا أنه يمس التوازنات الداخلية، ويمنح إسرائيل مكاسب أمنية وسياسية من دون ضمان انسحاب كامل وواضح.
وتكمن أهمية هذا التحول في أنه أظهر أن الخلاف لم يعد قائمًا بين «حزب الله» والقوى المعارضة له فقط، بل أصبح خلافًا بين السلطة التنفيذية والثنائي الشيعي حول شرعية الاتفاق، وآلية اتخاذ القرار، وحدود الالتزامات التي يمكن للدولة تقديمها.
موقف «الدولة» والقوى المعارضة لـ«حزب الله»
قدّمت رئاسة الجمهورية والحكومة الاتفاق باعتباره مسارًا لاستعادة السيادة، وإنهاء الاحتلال، ونشر الجيش، ومنع تجدد الحرب.
وركز الخطاب الرسمي على حصرية قرار الحرب والسلم، وبسط سلطة الدولة، وانتشار الجيش في الجنوب، وإعادة السكان إلى قراهم، وبدء إعادة الإعمار، والحصول على ضمانات دولية ودعم دولي.
وبذلك، انتقلت الدولة من موقع المفاوض، خلال أيار، إلى موقع المدافع عن اتفاق وافقت على إطاره خلال حزيران، واعتبرته فرصة لإنهاء الحرب واستعادة الأراضي بأدوات الدولة.
المعارضون الشيعة
ركز الخطاب الشيعي المعارض لـ«حزب الله» على أن نتائج الحرب أثبتت ضرورة إعادة القرار العسكري والأمني إلى الدولة.
وأيّد جزء من هذا الخطاب مبدأ المفاوضات وحصرية السلاح، لكنه أبدى، في الوقت نفسه، تحفظات على غموض بعض بنود الاتفاق، وعلى احتمال تكريس وجود إسرائيلي طويل الأمد، أو إقامة منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية.
وبذلك، لم يكن الموقف الشيعي المعارض موحدًا بالكامل؛ إذ جمع بين تأييد تقوية الدولة والخشية من الشروط الإسرائيلية، ومن عدم وجود ضمانات كافية للانسحاب.
سادسًا: السلاح والانقسام الداخلي
استمر ملف سلاح «حزب الله»، خلال حزيران، محورًا مركزيًا في النقاش السياسي والأمني.
وظهرت رؤيتان أساسيتان:
الأولى ترى أن إنهاء الاحتلال ووقف الاعتداءات يجب أن يسبقا أي بحث داخلي في السلاح، وأن ربط الانسحاب بنزع السلاح يمنح إسرائيل حق التدخل في الشؤون اللبنانية.
والثانية تعتبر أن الانسحاب والاستقرار الدائمين مرتبطان بتطبيق حصرية السلاح، وانتشار الجيش، وإنهاء قدرة أي طرف غير الدولة على اتخاذ قرار الحرب.
وأعاد هذا الانقسام طرح أسئلة تتعلق بشرعية القرار، وحدود صلاحيات الحكومة، وموقع «حزب الله» داخل النظام السياسي، وقدرة مؤسسات الدولة على تنفيذ التزامات أمنية محل خلاف داخلي.
سابعًا: عودة النازحين والواقع المحلي
سمح تراجع العمليات العسكرية بعد منتصف حزيران ببدء حركة عودة جزئية إلى بعض المناطق الجنوبية.
لكن هذه العودة بقيت محدودة وغير متساوية بين البلدات، وارتبطت بالوضع الأمني، وباستمرار الوجود الإسرائيلي في عدد من المواقع، وبخطر القذائف والذخائر غير المنفجرة، وبحجم الدمار الذي لحق بالمنازل والبنى التحتية.
كما بقيت العودة خاضعة لتحذيرات الجيش والبلديات، ولم تتحول الهدنة إلى عودة طبيعية وشاملة، بل إلى عودة اختبارية وهشة، تفاوتت بحسب موقع كل بلدة وحجم الأضرار فيها.
وتركز اهتمام البيئة الشيعية المحلية، خلال هذه المرحلة، على النزوح والعودة، ودفن الضحايا وتشييعهم، وإعادة فتح الطرق، وتقدير حجم الدمار، وتجهيز ملفات الأضرار، وبدء الأنشطة العاشورائية، وإدارة الاحتقان الناتج من الانقسام السياسي.
وبرز دور المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى والبلديات والجهات الاجتماعية في تنظيم الشؤون المحلية، والدعوة إلى ضبط التجمعات ومكبرات الصوت، والتريث في العودة إلى المناطق التي بقيت خطرة أو غير مؤهلة للسكن.
ثامنًا: السرديات الإعلامية
سردية «حزب الله» وحلفائه
ركزت هذه السردية على الصمود، ومنع القوات الإسرائيلية من تحقيق أهدافها كاملة، واعتبار العمليات العسكرية عامل ضغط أدى إلى شمول لبنان بالتفاهم الإقليمي.
كما رفضت فصل لبنان عن إيران، وقدّمت «اتفاق الإطار» بوصفه «اتفاق إذعان»، وحذرت من أن محاولة نزع السلاح بالقوة قد تؤدي إلى فتنة داخلية.
وشددت هذه السردية على أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ووقف الغارات، وإعادة السكان، يجب أن تسبق أي نقاش بشأن السلاح.
سردية القوى المعارضة
ركزت سردية القوى المعارضة لـ«حزب الله» على الخسائر البشرية والاقتصادية للحرب، وعلى مسؤولية السلاح خارج الدولة عن إضعاف الموقف اللبناني ومنح إسرائيل ذرائع لمواصلة العمليات.
كما دعت إلى إنهاء ارتباط لبنان بالمحاور الإقليمية، واعتبرت الاتفاق فرصة لاستعادة سلطة الدولة، وتطبيق حصرية السلاح، ومنع اتخاذ قرار الحرب خارج المؤسسات الدستورية.
السردية المتحفظة
ظهرت أيضًا سردية ثالثة أيّدت وقف الحرب ومبدأ المفاوضات، لكنها لم تمنح الاتفاق تأييدًا كاملًا.
وتركزت أسئلتها على طبيعة الضمانات الأميركية، وتوقيت الانسحاب الإسرائيلي، ومصير المناطق التي تصفها إسرائيل بأنها «أمنية»، وقدرة الجيش اللبناني على تنفيذ الترتيبات، ومستقبل القرى الحدودية، واحتمال استئناف إسرائيل عملياتها مستقبلًا.
وعكست هذه السردية موقفًا يرى أن إنهاء الحرب ضرورة، لكنه لا يعدّ أي اتفاق، بمجرد توقيعه، ضمانة كافية للسيادة والاستقرار.
تاسعًا: الكلفة الإنسانية
استمرت الحصيلة الإنسانية في الارتفاع خلال حزيران، على الرغم من الحديث المتزايد عن المفاوضات ووقف إطلاق النار.
ووفق الأرقام الواردة في ملفات الرصد، ارتفعت الحصيلة التراكمية من ٣٤٣٣ قتيلًا و١٠٣٩٥ جريحًا في مطلع الشهر إلى ٤٢٥٧ قتيلًا و١٢١٩٦ جريحًا في ٢٩ حزيران.
وهذا يعني تسجيل زيادة لا تقل عن:
• ٨٢٤ قتيلًا.
• ١٨٠١ جريحًا.
وتعكس هذه الأرقام أن النصف الأول من حزيران، خصوصًا، كان من أكثر مراحل الحرب كثافة من حيث الضحايا والاستهدافات، قبل أن يؤدي وقف إطلاق النار إلى تراجع نسبي في مستوى العمليات.
ولم تقتصر الكلفة الإنسانية على القتلى والجرحى، بل شملت استمرار النزوح، وتدمير المنازل والبنى التحتية، وتعذر العودة إلى عدد من البلدات، وانتشار الذخائر غير المنفجرة، وتضرر القطاعات الصحية والخدماتية والاقتصادية.


