29・07・2026
من العدد ٣٦
تقديرات أوَّلية: فاتورة الدمار ٢٥ مليار دولار وخسارة غير مسبوقة في القدرة الإنتاجية

في الوقت الذي تنشغل فيه الأنظار بحجم الدمار الذي خلّفته الحرب الأخيرة في لبنان، تبدو الخسائر الاقتصادية أكثر تعقيدًا من إعادة بناء ما تهدَّم. فالتجارب الدولية تؤكّد أن الاقتصادات الخارجة من النزاعات لا تواجه أزمة أبنية وبُنى تحتية فحسب، بل تصطدم بانكماش طويل في القدرة الإنتاجية، وتراجُع الاستثمار، وهروب الرساميل، وانخفاض الإنتاجية، وهي عوامل قد تستغرق سنوات لمعالجتها حتى بعد توقف العمليات العسكرية. وفي الحالة اللبنانية، تأتي هذه الحرب بينما يعيش الاقتصاد أساسًا واحدة من أسوأ الأزمات المالية في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، وفق توصيف البنك الدولي، ما يجعل آثارها التراكمية أكثر قسوة من أي مواجهة سابقة.

وتشير تقديرات أولية وتقارير اقتصادية دولية يجري إعدادها إلى أن نحو ٣٠ في المئة من القدرة الإنتاجية للبنان أصبحت عمليًّا خارج دائرة العمل نتيجة الواقع العسكري في الجنوب، حيث أدّت السيطرة الإسرائيلية المباشرة أو بالنيران على مساحات واسعة منه إلى تعطيل النشاط الاقتصادي في منطقة تمثّل أحد أهم محركات الاقتصاد الحقيقي. ولا يتعلق الأمر فقط بتوقف المؤسسات عن العمل، بل بخروج قطاعات إنتاجية كاملة من الدورة الاقتصادية، وهو ما ينعكس مباشرة على الناتج المحلي وفُرص العمل والإيرادات الضريبية وقدرة الدولة على استعادة النمو.

وتزداد خطورة هذه المؤشرات عند النظر إلى التركيبة الاقتصادية للجنوب، إذ تشير البيانات الزراعية إلى أن نحو ربع الأراضي الزراعية اللبنانية يقع في المناطق الجنوبية، ما يشي بأن الحرب قد أصابت أحد أهم مصادر الإنتاج الغذائي في البلاد. وتعني خسارة هذه المساحات، سواء بسبب الدمار أو صعوبة الوصول إليها أو استمرار المخاطر الأمنية، تراجعًا في الإنتاج الزراعي المحلي، وزيادة الاعتماد على الاستيراد، واتساع الضغوط على الميزان التجاري الذي يعاني أصلًا من عجز مزمن. وإلى جانب ذلك، تعرضت الطرق الرئيسية وشبكات الكهرباء والاتصالات والمياه ومئات المنازل والمنشآت الصناعية والتجارية لأضرار واسعة، ما يرفع كلفة إعادة الإعمار ويؤخر عودة النشاط الاقتصادي حتى بعد انتهاء الأعمال العسكرية.

ولا تقلّ الخسائر في العاصمة بيروت أهمية عن تلك المسجلة في الجنوب. فالضاحية الجنوبية، التي تضمّ كثافة سكانية وتجارية وصناعية مرتفعة، تعرضت لدمار واسع طال الأبنية السكنية والمؤسسات الاقتصادية ومراكز الأعمال، ما أدّى إلى تعطيل جزء مهم من النشاط الاقتصادي في واحدة من أكثر المناطق حيوية في البلاد. وفي الوقت نفسه، دفعت الحرب أكثر من مليون لبناني إلى النزوح من منازلهم، وفق تقديرات أولية، في موجة نزوح داخلية غير مسبوقة منذ سنوات. ورغم عودة أعداد كبيرة منهم بعد توقف العمليات العسكرية، فإن العودة السكانية لم تترافق مع استعادة دورة الإنتاج، إذ لا تزال مؤسسات كثيرة خارج الخدمة، فيما فقَدت سوق العمل جزءًا مهمًّا من طاقتها نتيجة إقفال الشركات، وتراجع الطلب، وانقطاع سلاسل التوريد، وهجرة عدد من أصحاب الكفاءات والعمال المهَرة.

وتشير الأدبيات الاقتصادية المتعلقة بإعادة الإعمار بعد النزاعات إلى أن تدمير رأس المال المادي لا يمثل سوى جزء من الخسائر، بينما تكمن الكلفة الأكبر في تآكل رأس المال البشري وتعطل الإنتاج والاستثمار. وهذا ما يبدو واضحًا في الحالة اللبنانية، حيث تزامنت الحرب مع اقتصاد يعاني أصلًا من انهيار القطاع المصرفي، وشحّ التمويل، وانخفاض الاستثمار الخاص، وارتفاع معدلات الفَقر، الأمر الذي يجعل استعادة النشاط الاقتصادي أكثر صعوبة مقارنة بالحروب السابقة.

وفي هذا السياق، تبدو المقارنة مع حرب عام ٢٠٢٤ مؤشّرًا مهمًّا على حجم التدهور. فقد قدَّر البنك الدولي آنذاك الكلفة الاقتصادية للحرب بنحو ١١ مليار دولار، موزّعة بين الأضرار المباشرة والخسائر الاقتصادية غير المباشرة. أما اليوم، فتشير التقديرات الأولية التي تتداولها أوساط مالية ودولية إلى أن فاتورة الحرب الأخيرة قد تقترب من ٢٥ مليار دولار، وهو رقم يعكس ليس فقط اتساع رقعة الدمار، بل أيضًا طول فترة تعطيل الإنتاج، واتساع نطاق الخسائر في القطاعات الزراعية والصناعية والخدَمية، وارتفاع الكلفة المتوقعة لإعادة تأهيل البنية التحتية.

غير أن التحدّي الأكبر قد لا يكون في إعادة الإعمار وحدها، بل في قدرة الاقتصاد اللبناني على تعويض مصادر دخله التقليدية. فمنذ سنوات، أصبحت تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج تمثل أحد أهم أعمدة الاستقرار النقدي، إذ تقدِّر المؤسسات الدولية قيمتها السنوية بنحو ستة مليارات دولار، بينما يأتي ما يقارب ٦٠ في المئة منها من اللبنانيين العاملين في دول الخليج العربي. إلّا أن هذه التحويلات لم تعد بمنأى عن المتغيّرات الاقتصادية الإقليمية، إذ تشير التقديرات إلى أن العاملين اللبنانيين في الخليج بدأوا يتأثرون بالتباطؤ الذي تشهده بعض القطاعات الاقتصادية هناك، وبسياسات إعادة هيكلة أسواق العمل، إضافة إلى انعكاسات التوترات الإقليمية على النشاط الاقتصادي.

وتبعًا لذلك، تتوقع تقديرات أولية تراجع التحويلات المالية إلى لبنان بنحو ٢٠ في المئة خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يعني خسارة مئات ملايين الدولارات سنويًّا من العملات الأجنبية التي يعتمد عليها الاقتصاد اللبناني في تمويل الاستهلاك المحلي، ودعم ميزان المدفوعات، وتوفير السيولة بالدولار للأُسر والمؤسسات. وتمثّل هذه المؤشرات مصدر قلق إضافيًّا، لأن التحويلات لم تعد مورد مالي للأُسر فقط، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد البدائل غير المباشرة لغياب الدولة عن أداء وظائفها الاقتصادية والاجتماعية، وأسهمت في الحدِّ من الانهيار المعيشي بعد الأزمة المصرفية.

وعند جمع هذه العناصر في صورة واحدة، يتضح أن لبنان لا يواجه فاتورة إعادة إعمار تقليدية، بل أزمة اقتصادية شاملة تمسّ أسس الاقتصاد الحقيقي. فتعطُّل ما يقارب ثلث القِدرة الإنتاجية، وخروج ربع الأراضي الزراعية من دائرة الإنتاج الفعلي، والدمار الواسع في البنية التحتية، والخسائر الكبيرة في الضاحية الجنوبية، والنزوح الواسع للسكان، واحتمال انكماش التحويلات الخارجية، تشكّل مجتمعة عوامل تضغط على النمو والاستثمار وسوق العمل والمالية العامة في آن واحد.

وبناءً على هذه المؤشرات، ترى تقديرات دولية أولية أن الكلفة الاقتصادية للحرب الأخيرة لن تقتصر على نحو ٢٥ مليار دولار من الأضرار والخسائر المباشرة وغير المباشرة، بل قد تمتد آثارها لسنوات طويلة من خلال تراجع النمو، وارتفاع معدّلات الفقر، واتساع البطالة، وتأخّر التعافي الاقتصادي، بما يجعل هذه الحرب، من منظور اقتصادي بحت، الأكثر كلفة على لبنان منذ عقود، وبفاتورة مرشحة لأن تتجاوز بأكثر من الضعف كلفة حرب عام ٢٠٢٤ التي قدَّرها البنك الدولي بنحو ١١ مليار دولار.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...
أيضاً للكاتب/ة
21・10・2026
أعلام الخلاف تكشف خطورة الاحتقان في الجنوب
داود رمّال
قد تبدو حادثة حومين الفوقا، في ظاهرها، خلافًا عاديًّا حول أعلام، لكنها في مضمونها تكشف مشكلة أكثر عمقًا تتصل بطبيعة العلاقة بين جمهورَي «حركة أمل» و«حزب الله» في الجنوب وفي كل المناطق، وبمدى قدرة الطرفين على ضبط التنافس بينهما ومنع تحوّله إلى احتكاك ميداني، خصوصًا في ظلّ حروب المقتَلة التي ساق «حزب الله» إليها لبنان وبالأخصّ الجنوب،
29・09・2026
بشير الجميل: الرئيس الذي ذهبت الدولة معه إلى قبره
داود رمّال
الأهم من ذلك أن اهتمام بشير بالمنطقة الغربية لم يكن فقط اهتمام عسكري بما يفعله الخصم. كان يريد معرفة أوضاع الناس هناك بصورة مستمرة. وكان على تواصل دائم مع أصدقاء له من سياسيين وصحافيين في المنطقة الغربية، ويسأل عن توافر المواد الأساسية، وعن الغذاء والدواء والمحروقات، وعن الأسعار وكيفية مساعدة السكان. وكان يعمل على تسهيل تمرير الطحين والأدوية بالتنسيق مع شخصيات في المنطقة الغربية...
11・09・2026
حين تصبح العمامة حزبية؛ قراءة في ملاحظات الشيخ محمد مهدي شمس الدين
داود رمّال
تتجاوز ملاحظة الشيخ محمد مهدي شمس الدين بشأن عدم مشروعية انتماء رجل الدين إلى حزب سياسي حدود الموقف من العمل الحزبي بالمعنى التنظيمي الضيق، لتلامس إشكالية أعمق تتصل بطبيعة الوظيفة الدينية وموقعها في المجال العام. فالمسألة، في جوهرها، ليست ما إذا كان رجل الدين يستطيع أن يكون سياسيًّا أو أن يتخذ موقفًا من قضايا الدولة والمجتمع...