28・07・2026
من العدد ٣٦
المرأة الجنوبية أو عندما تصبح الحرب أسلوبًا للحياة؟


ليست النساء في جنوب لبنان ضحايا جانبية للحرب، ولا مجرّد شاهدات صامتات على ما يحدث. فهنّ يعشن الحرب من مواقع وتجارب مختلفة: بين من تُهجَّر، ومن تواصل عملها، ومن تُعيل أسرتها، ومن تنخرط في العمل العام أو الإغاثي، ومن تحاول، ببساطة، الحفاظ على إيقاع الحياة اليومية، وبين من تكون في صلب البنية التي أنتجت الأزمات المتتالية. لكنّ القاسم المشترك بين كثيرات منهن أنّ الحروب لا تعبر حياتهن ثم تمضي، بل تستقرّ في تفاصيلها، وتُعيد تشكيل علاقتهن بالبيت والعمل والتعليم والعائلة والمستقبل.

في كلّ مرّة ينشغل فيها الخطاب السياسي بالمواجهات والردع والتوازنات والمحاور الإقليمية، تكون هناك نساء في الجنوب يواجهن الأسئلة اليومية الأكثر إلحاحًا، حيث كانت هناك امرأة تحاول إقناع طفلها بأنّ المنزل الذي تركه سيبقى موجودًا عندما يعود. وفي كلّ مرّة كانت تُرفع فيها شعارات النصر، كانت هناك أمّ تبحث عن دواء أو مأوى أو وسيلة لإعادة ترتيب حياة انهارت خلال ساعات.

في معظم المجتمعات، يمثّل البيت ملاذًا للاستقرار. أمّا في الجنوب اللبناني، فقد أصبح الاستقرار نفسه احتمالًا معلّقًا. فالبيت قد يُهدم، أو يُترك على عجل، أو يتحوّل إلى صورة محفوظة في الهاتف، أو إلى ذكرى تُستعاد في أحاديث العائلة.

بالنسبة إلى كثير من النساء، كما كثير من الرجال أيضًا، يصبح التعلّق بالمكان محفوفًا باحتمال الفقد. قد يختفي المنزل الذي استغرق بناؤه سنوات خلال ساعات، وقد تضيع الأشياء التي شكّلت تفاصيل الحياة اليومية إلى الأبد.

لهذا، لا يمكن فهم النزوح في الجنوب بوصفه انتقالًا جغرافيًّا فحسب، بل باعتباره اقتلاعًا نفسيًّا واجتماعيًّا متكرّرًا. فكلّ نزوح يخلّف خسائر جديدة، وكلّ عودة هي محاولة لترميم ما لا يمكن أن يعود كما كان تمامًا.

ولا يمكن قراءة تجارب النساء في الجنوب من زاوية الحرب وحدها، بل من زاوية العلاقة بين الحرب والإيديولوجيا، وبين السلاح والمجتمع، وبين الخطاب السياسي والحياة اليومية. فالكثير من الأعباء التي تتحمّلها النساء اليوم لا ترتبط بالقصف وحده، بل أيضًا ببنية سياسية واجتماعية جعلت الجنوب يعيش لعقود في حالة استثنائية متواصلة، تُلقي بأعباء التكيّف وإعادة بناء الحياة على الأفراد والأُسر.

تأنيث الحرب: عندما تصبح النساء خزّان الصمود

في الأدبيّات النسويّة الحديثة، يُستخدم مصطلح «تأنيث الحرب» لوصف الكيفيّة التي تتحمّل بها النساء القسم الأكبر من كلفة النزاعات المسلّحة، رغم أنّهنّ غالبًا خارج دوائر القرار العسكري والسياسي. وينطبق هذا الوصف إلى حدّ كبير على تجربة النساء في الجنوب.

فالمرأة ليست من يقرّر الحرب، ولا من يحدّد طبيعة الصراعات الإقليميّة، ولا من يرسم استراتيجيّات المواجهة، لكنّها كثيرًا ما تكون أوّل من يدفع الثمن وآخر من يغادر ساحة الخسارة.

وهي، في كثير من الحالات، من تستوعب الصدمات النفسيّة التي تصيب العائلة بأكملها. ومع الوقت، تحوّلت أدوارها المتعدّدة إلى جزء من صورةٍ مثاليّة جرى ترسيخها اجتماعيًّا، فصارت تُقدَّم بوصفها الأمّ الصابرة، والزوجة المضحّية، والأخت المقاومة.

وكأنّ قيمة المرأة تُقاس بقدرتها على الاحتمال، أكثر مما تُقاس بحقّها في حياةٍ طبيعيّة.

الإيديولوجيا التي أعادت تشكيل حياة النساء

لم تكن الحرب وحدها العامل المؤثّر في حياة المرأة الجنوبيّة. فخلال العقود الماضية، نشأت في الجنوب منظومة إيديولوجيّة متكاملة ارتبطت بصعود «حزب الله» وسيطرته السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة على البيئة الشيعيّة.

هذه المنظومة لم تقتصر على السياسة، بل امتدّت إلى المدرسة والجامعة والجمعيّات الدينية والأنشطة الثقافيّة والخطاب الإعلامي.

ومع الوقت، لم يعد الحديث يدور فقط حول المقاومة كمشروع عسكري، بل حول نموذج اجتماعي كامل يحدّد شكل العلاقات والأدوار والقيَم المقبولة داخل المجتمع عمومًا، وداخل البيئة الشيعيّة خصوصًا.

أصبحت المرأة تُقدَّم بوصفها حامية الهويّة الجماعيّة وحافظة القيَم، أم الشهداء وزوجة المقاوم.

ورغم أنّ هذه الصور تحمل أحيانًا بُعدًا تكريميًّا، إلّا أنها في الوقت نفسه تختزل المرأة داخل أدوارٍ جماعيّة، وتضع طموحاتها الفرديّة في المرتبة الثانية.

فلا يعود السؤال: ماذا تريد هذه المرأة؟ بل: ماذا يُنتظر منها أن تقدّم؟

من المواطنة إلى الرمز

من أخطر نتائج الإيديولوجيّات المغلقة أنها تحوّل الأفراد إلى رموز. وهذا ما حدث مع كثير من النساء الجنوبيّات، أصبحت المرأة رمزًا للصمود، رمزًا للتضحية ورمزًا للاحتضان الشعبي.

إلّا أنّ الرموز لا تتكلم، لا تعترض، لا تطالب بحقوقها، ولا تقول إنّها تعبت. وهكذا جرى الاحتفاء بالمرأة الجنوبيّة أكثر مما جرى الاستماع إليها.

«شكرًا إيران»: أي معنى يحمله الشعار أمام الخسائر الهائلة

منذ أيّام قليلة، امتلأت الشوارع والساحات بلافتات ضخمة تحمل عبارة «شكرًا إيران». بالنسبة إلى مؤيّديها، بدت هذه اللافتات تعبيرًا عن الامتنان لدعمٍ سياسي وعسكري واقتصادي. لكن بالنسبة إلى كثير من النساء اللواتي خرجن للتوّ من مراكز النزوح أو عدن إلى منازل مدمّرة، حمل المشهد دلالات مختلفة تمامًا.

فقد كانت كثيرات يحاولن إحصاء خسائرهن. كانت أمّهات يبحثن عن مدارس بديلة لأطفالهن، فيما البيوت تُمحى من الخرائط وتُستبدل بصوَر وشعارات على الجدران. وهنا لا يتعلّق النقاش بالموقف من إيران بحدّ ذاته، بل بالسؤال عن ترتيب الأولويّات: أيّ معنى يمكن أن تحمله لغة الانتصار أمام حياة مدنيّة مُثقلة بالفَقد؟

هل يمكن لشعار سياسي أن يواسي امرأة فقدت منزلها؟ وهل تكفي لغة الانتصار لتفسير حجم الخسائر التي يعيشها المدنيّون؟

النزوح بوصفه أسلوبًا للحياة

المشكلة الأكبر ليست في النزوح نفسه، بل في تحوّله إلى أمر اعتيادي. فالطفل الجنوبي بات يعرف معنى النزوح قبل أن يعرف معنى الاستقرار. والمرأة الجنوبية باتت تجهّز حقيبة الطوارئ أسرع ممّا تخطط لإجازة عائلية. عندما يصبح النزوح تجربة متكرّرة، فإنه يتحول من حدث استثنائي إلى جزء من الهويّة الجماعية. 

وهنا تكمن الكارثة الحقيقيّة. لأنّ المجتمعات التي تعتاد الخسارة تتوقف تدريجيًّا عن المطالبة بالحياة الطبيعية.

في أيّ دولة طبيعية، يُفترض أن تكون حماية المواطنين مسؤولية المؤسسات العامة. لكن الجنوب عاش لعقود داخل معادلة مختلفة، دولة ضعيفة أو غائبة، وحزب قوي حاضر في كلّ التفاصيل.

ومع الوقت، انتقلت شرائح واسعة من المجتمع من الاعتماد على الدولة إلى الاعتماد على الحزب في الخدمات والتعليم، وفي الصحة والإغاثة والأمن الاجتماعي.

لكن هذه المعادلة خلقت تبعيّة عميقة جعلت النقد أكثر صعوبة، والمحاسبة أكثر تعقيدًا. فالجهة التي تقدم المساعدة هي نفسها الجهة التي يُفترض أن تُسأل عن نتائج الخيارات السياسية والعسكرية.

وهنا وجدت المرأة الجنوبية نفسها داخل دائرة مغلقة: تعتمد على المنظومة نفسها التي تعجز أحيانًا عن مساءلتها.

المرأة اللبنانية والمرأة الجنوبية: مواطنتان في دولتين مختلفتين

دائمًا ما يُحكى عن فجوة بين المرأة والرجل، لكن الفجوة في لبنان اليوم بين امرأتين تعيشان داخل الدولة نفسها، لكن في واقعين سياسيين مختلفين. فالمرأة اللبنانيّة في معظم المناطق، رغم كل ما تعانيه من أزمات اقتصاديّة وضعف في الخدمات العامة، لا تزال تتعامل مع الحرب بوصفها احتمالًا استثنائيًّا. أما المرأة الجنوبية، فقد أصبحت تتعامل معها بوصفها جزءًا من الحياة اليومية. هناك تخطط النساء لمستقبلهن، وهنا تخطط النساء لمسار النزوح المقبل. هناك يُقاس الاستقرار بفرص العمل والتعليم، وهنا يُقاس بعدد الأيام التي يمرّ فيها المنزل من دون تهديد.

هذا التفاوت لا تصنعه الجغرافيا وحدها، بل تصنعه الخيارات السياسية التي أبقت الجنوب داخل منطق الجبهة المفتوحة. فعندما تتحوّل منطقة كاملة إلى ساحة اشتباك دائمة، يصبح سكّانها، وخصوصًا النساء، أكثر الفئات دفعًا لكلفة قرارات لا يشاركن في صناعتها. ومع مرور الوقت، لم تعد المرأة الجنوبية تواجه فقط عدوًّا على الحدود، بل أصبحت تواجه أيضًا منظومة سياسية تطالبها باستمرار بتحمّل الأعباء نفسها باسم الصمود والمقاومة، فيما تتراجع الأسئلة المتعلّقة بحقها في الأمن والاستقرار والحياة الطبيعية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: ففي الوقت الذي تناضل فيه نساء كثيرات في لبنان من أجل توسيع حقوقهنّ السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا تزال المرأة الجنوبية تُطالَب أولًا بإثبات قدرتها على الاحتمال. وكأنّ حقها في أن تكون مواطنة كاملة لا يزال مؤجّلًا إلى ما بعد الحرب المقبلة، أو إلى ما بعد المعركة التي لا تنتهي. إن أخطر ما أنتجته هذه المعادلة ليس فقط استنزاف النساء، بل تحويل هذا الاستنزاف إلى واجب أخلاقي، بحيث يصبح الاعتراض موضع شبهة، ويغدو طلب الحياة العادية أقلّ شرعية من تمجيد التضحية.

ما بعد تمجيد التضحية

لقد حان الوقت للخروج من الخطابات التي تمجّد المعاناة بوصفها فضيلة بحدّ ذاتها.

فالمجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود، بل بقدرتها على حماية أفرادها من الحاجة الدائمة إلى الصمود. والمرأة الجنوبية ليست بحاجة إلى المزيد من الأوسمة الرمزيّ،. وليست بحاجة إلى المزيد من قصائد المديح، وليست بحاجة إلى المزيد من الشعارات المعلّقة على الجدران.

إنها في حاجة إلى بيت لتستقرّ فيه، وإلى دولة لا تُترك وحيدة في غيابها، وإلى مستقبل لا يُبنى على احتمال الحرب القادمة.

فربما تكون العدالة الحقيقية للمرأة الجنوبية أن تتوقّف أخيرًا عن لعب دور البطلة القسريّة، وأن يُسمح لها بأن تكون مجرّد إنسانة تعيش حياة عادية.

وهذا، في بلد اعتاد تحويل المأساة إلى قدَر، قد يكون أكثر المطالب ثوريّة.

مقالات مشابهة
13・06・2026
بين حربين: نساء الجنوب يحملن ما تبقّى من الحياة
آلاء نجم
مع استمرار الحرب وتكرار النزوح، أصبحت النساء يخشين المستقبل نفسه. فكل حرب جديدة تعني احتمال خسارة البيت والعمل والاستقرار مرة أخرى، وتعني أيضًا البدء من الصفر مهما كان العمر أو حجم التعب المتراكم. في الجنوب اللبناني، تشكل الحرب
25・05・2026
أنا أنثى... جنوبية
علي خليل ترحيني
نشأتُ في رحاب الضيعة، حيث مزيجٌ من النار والخوف والذكاء والتمرد والحياء. عشت تفاصيل الطبيعة؛ أسبح في أشعّة الصباح مع الفراشات والسنونو، وأتسابق مع الحساسين وشحرور الوادي على ظهر حمار جدّي. كنت أستمع إلى أصوات الحياة والمقاومة، من تراتيل القرآن الكريم إلى «صوت الشرق» و...
03・12・2025
النساء الشيعيات في السياسة اللبنانية: قراءة تفكيكية قبيل الانتخابات البرلمانية
آلاء نجم
مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في لبنان، يتجدّد النقاش حول موقع النساء الشيعيات في الحياة السياسية، في ظلِّ بنية حزبية - طائفية تُحكم السيطرة على المجال العام، وتضع النساء ضمن أدوار مراقَبة ومحدودة.
أيضاً للكاتب/ة
21・04・2026
عن ذكرى ١٣ نيسان في ظلِّ حروب المحاور... لبنان وأخطار العنف المفتوح
رنا شمص
ما يجعل لحظة اليوم أكثر خطورة من أي وقت مضى، هو انتقال لبنان من كونه ساحة صراع داخلي إلى كونه جزءًا من صراع إقليمي مفتوح. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل لم تعد بعيدة عن لبنان، بل باتت تجري على أرضه، من خلال دور متقدم يلعبه «حزب الله» ضمن استراتيجيّة اقليميّة أوسع.
04・03・2026
حين تتحوّل «المقاومة» إلى عبء: تشيّع مخطوف وجنوب مُدمَّر
رنا شمص
لم تعُد «المقاومة» في لبنان عنوان حماية ولا أفق خلاص، بل تحوّلت، بفعل مشروع الولاية، إلى عبء ثقيل على الطائفة الشيعيّة وعلى الجنوب تحديدًا. ما قُدِّم لسنوات كخيار وجودي وقدَر لا يُناقَش، انكشف اليوم كمسار صادرَ التشيّع، دمّر الدولة وحوّل الجنوب إلى ساحة مفتوحة للخراب.
03・01・2026
كيف حاول «حزب الله» مصادرة الزيارة البابوية وتحويل القداسة إلى استعراض قوة؟
رنا شمص
لنقُل الأمور كما هي، بلا مواربة لغوية ولا تجميل سياسي: ما جرى على طريق مطار بيروت في بداية الشهر الماضي لم يكن «استقبالًا شعبيًّا» لرأس الكنيسة الكاثوليكية، بل محاولة مصادرة سياسية متعمّدة لحدَث ديني عالمي.