26・07・2026
من العدد ٣٦
الجنوب بين الحروب والتسويات: العبرة في التطبيق

في ٢٦ حزيران ٢٠٢٦، وقّع في واشنطن «اتفاق إطار» بين لبنان وإسرائيل عقب أربعة أيام من المفاوضات بين الطرفين في واشنطن بوساطة أميركية، وذلك بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ووقَّع الاتفاق عن الجانب اللبناني سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، وعن الجانب الإسرائيلي السفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل ليتر؛ وأكد الطرفان في الاتفاق على هدفهما المشترك المتمثل في تحقيق سلام وأمن دائمَين، وعزمهما على إنهاء النزاع بينهما بصورة نهائية، ومعالجة أسبابه الكامنة، وإنهاء أي حالة حرب قائمة بين البلدين رسميًّا. 

وإذا كان توقيع «اتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل هو باب للوصول إلى تهدئة دائمة بين الطرفين، فإن هذه الاتفاقية وهذه المفاوضات لم تكن الأولى بين الطرفين إنما أخذت أشكالًا كثيرة منذ إعلان دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ وصولًا إلى اليوم، كانت بكليتها تحت ضغط الحرب والبارود إلّا ما كان ضمن مفاوضات أوسلو عام ١٩٩١ والاتفاق البحري (كاريش) عام ٢٠٢٢. 

فإذا كان خيار التفاوض والسلام في لبنان لا يسلك إلّا لإيقاف حرب أو محاولة إنهاء تدمير وخراب وقتل وتهجير، فإن بعض هذه الاتفاقات كان ناجعًا، كاتفاق هدنة ١٩٤٩ والقرار ١٧٠١، اللذين سمحا بفترة هدوء ولكن لم يجلبا الاستمرارية لهذا الهدوء، وبقي لبنان حتى يومنا هذا عرضة للتدمير والخراب ولا سيما في جنوبه، دون القدرة على تحقيق الحد الأدنى اللازم للعيش والتطور وهو الأمان والاستقرار. وهي على سبيل العرض:

اتفاقية الهدنة في ٢٣ آذار ١٩٤٩

هي أول مفاوضات لبنانية - إسرائيلية حصلت في العام ١٩٤٩ بعد إعلان قيام دولة إسرائيل في ١٤ أيار ١٩٤٨، وأضفت إلى توقيع اتفاقية الهدنة اللبنانية - الإسرائيلية في ٢٣ آذار ١٩٤٩ في رأس الناقورة، وقّعها عن الجانب اللبناني المقدم توفيق سالم والمقدم جوزيف حرب، ووقَّعها عن الجانب الإسرائيلي المقدم موردخاي ماكليف وينوشوا بيلمان وشبطاي روزين، وبحضور الوسيط الدولي رالف بانش، واكتسبت اتفاقية الهدنة هذه أهمية في البعدين الإقليمي والدولي إذ إنها شكلت ضمانًا قانونيًّا وعمليًّا للبنان، وشكلت بالنسبة للأمم المتحدة، آلية لضمان الأمن والاستقرار والسلم الدولي، واستمرت مفاعيلها إلى أكثر من ٢٠ عامًا، بدأت تهتزّ مع توقيع «اتفاق القاهرة» عام ١٩٦٩. 

القرار الدولي رقم ٤٢٥

 في ١٩ آذار ١٩٧٨، صوّت مجلس الأمن بأكثرية ١٢ صوتًا، وامتناع الاتحاد السوفياتي وتشيكوسلوفاكيا وعدم مشاركة الصين، على مشروع قرار أميركي يربط الانسحاب الإسرائيلي الفوري من جنوبي لبنان بإرسال قوات دولية إلى المنطقة تحت مسمّى «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوبي لبنان» (UNIFIL). فأصدر المجلس القرار الدولي رقم ٤٢٥ الذي يطلب من إسرائيل التجميد الفوري لعملياتها العسكرية والانسحاب من جنوبي لبنان، وقرر إرسال قوات طوارئ دولية إلى جنوبي لبنان لتساعد الحكومة اللبنانية في تأمين عودة سلطتها الفعلية على المنطقة، حسب ما نصّ القرار رقم ٤٢٦ المتعلق بآلية تنفيذ القرار ٤٢٥. وقد قام مجلس النواب اللبناني بالموافقة على هذين القرارين الدوليين والعمل على تنفيذهما بنشر قوى الجيش على الطريق الساحلي من بيروت إلى الجنوب ومنع المظاهر المسلحة، وذلك بعد اجتياح عسكري إسرائيلي بدأ في ١٥ آذار ١٩٧٨، قوامه حوالى ٢٥ ألف جندي، لجنوبي لبنان في عملية أطلق عليها اسم «عملية الليطاني»، وكان الهدف منها، بحسب إسرائيل، حماية مناطقها الشمالية من هجمات «منظمة التحرير الفلسطينية»، وردًّا على العملية العسكرية التي نفّذتها مجموعة تابعة لـ«حركة فتح» بين حيفا وتل أبيب في ١١ آذار ١٩٧٨. ظلّ هذا القرار معلقًّا من دون تنفيذ، إما بسبب عدم قدرة الدولة اللبنانية على الالتزام بمقتضياته وإما بسبب الصراعات الإقليمية والدولية على أراضيه؛ حتى ٢٥ أيار ٢٠٠٠ عندما قامت إسرائيل بانسحاب أحادي من الأراضي اللبنانية تنفيذًا للقرار المذكور. 

اتفاق ١٧ أيار ١٩٨٣

وقّع هذا القرار بعد مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان بمشاركة الولايات المتحدة الأميركية، بعدما وافق مجلس الوزراء اللبناني على محتواه في جلسته يوم ١٤ أيار ١٩٨٣ وفوَّض إلى رئيس الوفد اللبناني المفاوض الدكتور أنطوان فتال أن يوقِّعه في الوقت المناسب، وكذلك بعد أخذ رأي المجلس النيابي حوله، والذي أجاز للحكومة إبرام الاتفاق في جلسة عقدها يوم ١٤ حزيران ١٩٨٣، وقد أيّد هذا الاتفاق ٦٥ نائبًا وعارضه نائبان (نجاح واكيم وزاهر الخطيب) وامتنع ٤ نواب، وتغيَّب ١٩ نائبًا عن الجلسة. تمّ ذلك بعد قيام إسرائيل مطلع شهر حزيران من عام ١٩٨٢، باجتياح بري حمل اسم عملية «سلامة الجليل»، بعد محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو أرغوف من قِبل «حركة فتح - المجلس الثوري» التي كان يرأسها صبري البنا (أبو نضال). اجتاحت القوات الإسرائيلية بيروت بعد حصار دام سبعين يومًا، وطُردت «منظمة التحرير الفلسطينية» من بيروت، وسقط حوالى عشرين ألف قتيل وثلاثين ألف جريح ومئات المفقودين، بالإضافة إلى دمار كامل للبنية الاقتصادية اللبنانية في مناطق الاجتياح ونزوح مئات الآلاف؛ ومن ثم تمّ انتخاب الرئيس بشير الجميّل الذي اغتيل قبل تسلُّمه الحكم، وعلى إثرها وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها آلاف المدنيين من الفلسطينيين واللبنانيين، ليتمّ  بعدها انتخاب الرئيس أمين الجميل - شقيق بشير - الذي بدأ المفاوضات مع الإسرائيليين برعاية أميركية والتي أدّت إلى توقيع الاتفاق. استطاعت سوريا والقوى المتحالفة معها من إسقاط الاتفاق والذي تمّ إلغاء الموافقة عليه في جلسة نيابية بالقانون رقم ٢٥/٨٧ تاريخ ١٥ حزيران ١٩٨٧. عدم تنفيد الاتفاق سمح للقوات الإسرائيلية بالاحتفاظ بما يُعرف بـ«الشريط الحدودي» بمساحة بلغت حوالى ٨٥٠ كلم مربع في جنوبي لبنان بالتعاون مع ميليشيا «جيش لبنان الجنوبي» بقيادة اللواء أنطوان لحد.

تفاهم تموز ١٩٩٣

اتفاق شفهي بين لبنان وإسرائيل برعاية سورية وأميركية قضى بتحييد المدنيين من الطرفين، وذلك بعد اجتياح جوي قامت به إسرائيل في ٢٥ تموز استهدف مواقع لبنانية وفلسطينية وسورية، عُرفَ لبنانيًّا بـ«حرب الأيام السبعة»، بينما أطلق عليه الإسرائيليون عملية «تصفية الحساب». وذلك بعد ارتفاع وتيرة المواجهات جنوبًا، مع دخول العاملين الفلسطيني والسوري من خلال عملية لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة» على طريق الجرمق - العيشية أدّت إلى سقوط قتيلَين إسرائيليين، وذلك بعد إصدار الكونغرس الأميركي مطلع تموز ١٩٩٣ قراره الرقم ٢٨ الداعي بقوة «الحكومة السورية إلى سحب قواتها المسلحة إلى مدخل سهل البقاع وزيادة تعاونها مع حكومة لبنان في الجهود الهادفة إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة خصوصًا "حزب الله" في جنوبي لبنان». خلال تلك الفترة، قامت إسرائيل بقصف بري وجوي لكافة القرى الجنوبية المحاذية للشريط الحدودي الذي تسيطر عليه، كذلك طال قصفها مناطق في بعلبك والبقاع الغربي والناعمة وصيدا ومناطق أخرى متعددة. كما قامت بفرض حصار بحري عبر حصار المرافئ. أما «حزب الله» فقد كان سلاحه الأنجع والأكثر تأثيرًا هو قصف المستعمرات بصواريخ «الكاتيوشا». وفي اليوم السابع، في ٣١ تموز، سُدّت أفواه الجحيم وتنفّس الجنوبيون الصعداء وأُعلِن وقف النار من قِبل إسرائيل رسميًّا ورست بورصة الموت على ١١٣ قتيلًا و٤٦٠ جريحًا وقرابة ٢٥٠ ألف نازح وأضرار بمئات ملايين الدولارات. لم يتم الالتزام بالتفاهم ولم يأخذ صيغة الإلزام، وتعرض للعديد من الخروقات وصولًا إلى سقوطه الكلّي عام ١٩٩٦ من خلال حرب نيسان.

تفاهم نيسان ١٩٩٦

 في ٢٦ نيسان ١٩٩٦ أُعلن في الوقت نفسه في بيروت والقدس عن «تفاهم نيسان»، حيث أعلنه في بيروت رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري بحضور وزير الخارجية الفرنسي إيرفيه دوشاريت، وفي القدس رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز بحضور وزير الخارجية الأميركي وارن كريستوفر. كما أعلن الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله التزام الحزب مضمون التفاهم الجديد وروحه ورأى فيه عودة إلى تفاهم تموز مع ترجمة وضمانات.

جاء هذا التفاهم بعد إطلاق إسرائيل عملية عسكرية في لبنان في ١١ نيسان ١٩٩٦ باسم «عناقيد الغضب» حيث قامت إسرائيل فيها، وللمرة الأولى منذ اجتياح عام ١٩٨٢، بالإغارة على مواقع في الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل «حزب الله»، وذلك بعد تدهور عسكري كبير في ٩ نيسان بعد مغادرة الرئيس الفرنسي جاك شيراك بيروت وقصفِ «حزب الله» مستعمرتَي كريات شمونة ونهاريا الإسرائيليتبن بحوالى ٣٠ صاروخًا، إلى جانب الخسائر المادية الفادحة، ونزوح مئات الآلاف عن منازلهم، وتشرّدهم في المدارس والطرقات. شهدت تلك الحرب خسائر بشرية كبيرة، خصوصًا على المستوى المدني اللبناني، حيث لقي حوالى ٢٥٠ مدنيًّا مصرعهم، وجُرح الألوف، وكان أشدّها في بلدة قانا الجنوبية في ١٨ نيسان في قصف لقاعدة لقوات الطوارئ الدولية «اليونيفيل»، حيث قضى أكثر من مئة مدني. رغم الموافقة الخطية على هذا التفاهم إلّا أنه تعرّض لخروقات كبيرة لم تصل لحدِّ إسقاطه، ولعل أبرزها «ليلة الحساب» في فجر ٢٤ - ٢٥ حزيران ١٩٩٩، حيث قام الطيران الإسرائيلي بحملة قصف جوية طالت أهدافًا مدنية من جسور ومحطات كهرباء قرب العاصمة وجنوبي وشرقي لبنان ردًّا على تعرّض شمالي إسرائيل لقصف صاروخي من «حزب الله». وقد أدّى القصف الإسرائيلي إلى مقتل عشرة أشخاص وتدمير محطتين كهربائيتين وخمسة جسور، في حين أسفر قصف «حزب الله» عن سقوط قتيلين في إسرائيل.

بعد الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من الجنوب في ٢٥ أيار ٢٠٠٠، لم ينتشر الجيش اللبناني جنوبًا، واكتفت السلطة اللبنانية بإرسال القوة الأمنية المشتركة التي شُكلت بعد هذا الانسحاب لحفظ الأمن والنظام في المناطق المحررة وقوامها عناصر من الجيش والأمن الداخلي، وعديدها لا يتجاوز الألف، وبقيادة ضابط من قوى الأمن الداخلي. إلّا أن هذه القوة لم تكن سيدة الميدان جنوبًا، حيث كانت الكلمة الفصل لـ«حزب الله»، وهذا ما حصل أيضًا في تموز ٢٠٠٦ وأدّى إلى إقرار القرار ١٧٠١.

القرار ١٧٠١

في ١١ آب ٢٠٠٦ صوّت مجلس الأمن على القرار ١٧٠١ القاضي بوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل و«الاحترام الكامل للخط الأزرق من قبل الطرفين والقيام بتدابير أمنية للحؤول دون معاودة الأعمال الحربية بما في ذلك إنشاء منطقة خالية من أي عناصر مسلّحة وعتاد وأسلحة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني إلّا من تلك التابعة للحكومة اللبنانية و"اليونيفيل"، والتطبيق الكامل لبنود «اتفاق الطائف» ذات الصلة والقرارين (١٥٥٩) و(١٦٨٠) التي تنّص على نزع سلاح كلّ المجموعات المسلّحة في لبنان بحيث إنه، وتبعًا لقرار الحكومة اللبنانية، في ٢٧ تموز ٢٠٠٦ أنه لن تكون هناك أسلحة أو سلطة في لبنان غير أسلحة الدولة اللبنانية وسلطتها». أتى هذا القرار بعد حرب استمرت لـ ٣٤ يومًا، إذ استيقظ اللبنانيون في ١٢ تموز ٢٠٠٦ على خبر قيام «حزب الله» بعملية خطف جنديين إسرائيليين وقتل ثمانية آخرين من ضمن ما عُرف بعملية «الوعد الصادق»، وقامت على إثره القوات الإسرائيلية بقصف واسع واجتياح جوي، بحري، بري للبنان استهدفت فيه المناطق الجنوبية والضاحية الجنوبية والبنية التحتية من طرقات وجسور ومطار وخلّفت أضرارًا كبيرة. وفيما أعلن حسن نصرالله في مؤتمر صحافي إثر العملية «إن الأسيرين أصبحا في مكان آمن وبعيد بعيد وأنهما لن يعودا إلى الديار إلّا بوسيلة واحدة هي التفاوض غير المباشر، وإذا أراد الإسرائيلي التفكير بأي عمل عسكري لاستعادة الأسيرين فهو واهم». أصدر مجلس الوزراء اللبناني بيانًا أعلن فيه أنه لم يكن على علم بما حصل على الحدود الجنوبية ولا يتحمل مسؤوليته ولا يتبنّاه، فيما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي عاميير بيريتس عزم الجيش الإسرائيلي على كسر «حزب الله» ومنع عودته إلى مواقع في المنطقة الحدودية المتاخمة للخط الأزرق، قائلًا: «إن الجيش سيضرب أي مكان فيه عناصر "حزب الله" حتى إذا كان بين المدنيين». حصدت هذه الحرب حوالى ١١٤٥ قتيلًا في لبنان وحوالى ستة آلاف جريح كحصيلة أوليّة و١٥٦ قتيلًا في إسرائيل بحسب وكالة «رويترز»، وأدّى النزاع إلى نزوح أكثر من ٩٧٣٣٣٤ شخصًا بينهم ٢٢٠ ألفًا غادروا لبنان، وقدّرت الخسائر المادية في لبنان بـ٦ مليارات دولار وتعرّضت المدن التي اعتُبرت معاقِل لـ«حزب الله» للتدمير، مثل الضاحية الجنوبية وصور وبنت جبيل والخيام والنبطية للتدمير والخراب.

في ١٢ آب ٢٠٠٦ وافق مجلس الوزراء، بالإجماع على القرار ١٧٠١، مؤكِّدًا أنْ لا سلاحَ في جنوب الليطاني لغير القوى الشرعيَّة وتلك الدوليَّة. وفي ١٧ آب وتنفيذًا للقرار الدولي، تدفّق الجنود اللبنانيين في قوافل من الشاحنات العسكرية إلى مناطق الجنوب بدءًا من مرجعيون وامتدادًا على طول الخط الأزرق وصولًا إلى تخوم مزارع شبعا. وقال الجيش الاسرائيلي في بيان إنه بدأت عملية نقل المسؤولية عن المناطق التي احتلها في الجنوب اللبناني إلى الجيش اللبناني و«اليونيفيل»، مشيرا إلى اتفاق مع قوة الأمم المتحدة لحفظ السلام (اليونيفيل) والجيش اللبناني. واضاف أن العملية ستنفذ على مراحل ومشروطة بتعزيز «اليونيفيل» وقدرة الجيش اللبناني على أن تكون له سيطرة فعالة على المنطقة. كما جال رئيسا مجلس النواب والحكومة نبيه بري وفؤاد السنيورة على عدد من أحياء ضاحية بيروت الجنوبية، لا سيما حارة حريك وبئر العبد، وبحضور نواب «حزب الله» والمسؤول فيه وفيق صفا. وفي ٢٧ آب قال أمين عام «حزب الله» آنذاك، حسن نصرالله في مقابلته مع قناة «الجديد»: «لو علمت بحجم ردّ إسرائيل، لما أسرنا الجنديين قطعًا»، واستبعد جولة ثانية من الحرب مع إسرائيل وأكّد تقديم كل التسهيل والدعم للجيش و«اليونيفل»، حيث قام «حزب الله» بإزالة كل مواقعه، ١٤ موقعًا في منطقة العرقوب المواجهة لمنطقة مزارع شبعا، وسحب أسلحته إلى خارج المنطقة التي شملها انتشار الجيش وأقفل فتحات المغاور والسراديب بواسطة جرافات. وفي ٣١ آب دعم رئيس مجلس النواب نبيه بري في الذكرى الـ٢٨ لتغييب موسى الصدر ورفيقيه، في مهرجان صور، «حكومة المقاومة»، وأعلن أن «المقاومة السياسية التي أبدتها الحكومة وأسلوب التشاور الذي اتبعناه من أجل رسم خريطة طريق للحركة الدبلوماسية للدولة والتي حققت إجماعًا عربيًّا وتفهّمًا أوروبيًّا تؤكد أن الوحدة الوطنية بألف خير»، وشدّد باسم «حركة أمل» و«حزب الله» على رفضهم «اتهام الشيعة بالخروج عن الدولة أو التمرّد على مفهوم الدولة أو على اللبننة»، وأكدّ «التزام الشيعة لبنان وطنًا نهائيًّا وعروبة لبنان ووحدته». وفي ٢ أيلول وصلت إلى مدينة صور في الجنوب اللبناني طلائع القوات الإيطالية التي ستشارك في قوات الأمم المتحدة المعززة في الجنوب اللبناني. ثم ما لبث «حزب الله» أن انقلب على القرار الأممي والاتفاق مع الحكومة. ففي ٢٢ أيلول ٢٠٠٦، هاجم الأمين العام لـ«حزب الله» في مهرجان حاشد في ملعب الراية في الضاحية الجنوبية، والذي أُطلق عليه «مهرجان النصر»، حكومة الرئيس فؤاد السنيورة المشارك فيها، وحذّر القوات الدولية من التجسّس على «حزب الله». وعن موضوع سلاح المقاومة قال: «إن هذا السلاح لن يبقى إلى الأبد، إن الحلّ يكون بقيام الدولة القوية القادرة على حماية المواطنين، وحينها لن نحتاج حتى إلى طاولة حوار لحلّ هذه المسألة». وأعلن امتلاك حزبه أكثر من ٢٠ ألف صاروخ. ورغم حصول هدوء كبيرعلى طرفي الحدود استمر لحوالى ١٧ سنة إلّا أن قرار الحرب والسلم وإمكانية إعادة إشعال المنطقة ظّل في يد «حزب الله»، وهذا ما فعله في ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣ مع إطلاق «حرب إسناد غزة» من جنوبي لبنان. 

اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني ٢٠٢٤

في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤ بدأ سرَيان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل عند الساعة الرابعة فجرًا، بعدما أقرّت الحكومة اللبنانية اتفاق إعلان وقف الأعمال العدائية والالتزامات ذات الصلة بشأن تعزيز الترتيبات الأمنية وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم ١٧٠١ في جلسة لها في السراي الحكومي بعد أن كانت الحكومة الإسرائيلية أعلنت رسميًّا المصادقة على وقف إطلاق النار في لبنان. وذلك بعد حوالى ١١ اشهرًا على إطلاق «حزب الله» حرب الإسناد ومن ثم إطلاق إسرائيل معركة «سهام الشمال» في أيلول ٢٠٢٤ و«حزب الله» معركة «أولي البأس». ففي ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٣، قرّر «حزب الله» دون استئذان أحد دخول معركة دعم لـ«طوفان الأقصى» تحت شعار وحدة الساحات إلى جانب «حركة حماس» واستهدف ثلاثة مواقع عسكرية في منطقة مزارع شبعا، ثم أعلن السيد هاشم صفي الدين، رئيس المجلس التنفيذي لـ«حزب الله» آنذاك: إن المقاومة الإسلامية قد أرسلت رسالة تحية وشكر وتقدير على طريقة المقاومين بالنار في منطقة مزارع شبعا واستمرت محدودة بين الجيش الإسرائيلي من جهة و«حزب الله» و«حركة حماس» و«قوات الفجر» التابعة للجماعة الإسلامية وتنظيمات أخرى من جهة ثانية، على امتداد عدة شهور، أخذت تسمية «جبهة الإسناد» وفق ما عبّرت عنه بيانات «حزب الله» بعد كل عملية: «دعمًا لشعبنا الفلسطيني الصامد في قطاع غزة وإسنادًا لمقاومته الباسلة ‌‏‌‏‌والشريفة»، وانحصرت في بقعة جغرافية محدّدة في بداية الأمر مع تكثيف إسرائيلي للغارات في منطقة الشريط الحدودي سابقًا، وأدّى ذلك إلى تدمير كبير في قرى المنطقة الحدودية، ما لبثت أن بدأت تتحول منذ تموز ٢٠٢٤ إلى حرب أقرب ما تكون إلى الحرب الشاملة. ففي ٣٠ تموز استهدفت طائرة إسرائيلية بثلاثة صواريخ منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبيّة، وتحديدًا خلف مستشفى بهْمَن ومجلس شورى «حزب الله»، وتسبّبت هذه الغارة بمقتل القيادي البارز في «حزب الله» فؤاد شكر الذي وصفه وزير الدفاع الإسرائيلي بأنه رئيس أركان «حزب الله». وفي ٢٥ آب استفاق اللبنانيون على غارات غير مسبوقة استهدفت مناطق في عمق الجنوب لم يتمّ استهدافها قبلًا، وأعلن الجيش الإسرائيلي بأن نحو «١٠٠ طائرة حربية تابعة لسلاح الجو أغارت ودمّرت آلاف منصّات إطلاق قذائف صاروخية لـ"حزب الله" ومعظمها كانت موجّهة نحو شمال البلاد وبعضها أيضًا إلى وسط البلاد»، كانت محضَّرة لشن هجوم وشيك انتقامًا لمقتل القيادي البارز في «حزب الله» فؤاد شكر في ضاحية بيروت الجنوبية قبل حوالى الشهر، وفي ١٧ و١٨ أيلول ٢٠٢٤ حصلت تفجيرات غامضة لأجهزة الاتصال التي يحملها أفراد في «حزب الله» والتي تُعرف بأجهزة «البايجرز» واللاسلكي، وقد أدّت هذه الهجمات وفق حصيلة أعلنت عنها وزارة الصحة إلى مقتل ٣٧ شخصًا و٢٩٣١ جريحًا، وقد نعى الحزب عددًا من مسلّحيه في هذه الهجمات. وفي ٢٠ أيلول استهدفت الطائرات الإسرائيلية مبنًى في ضاحية بيروت الجنوبية، كان يعقد فيه اجتماع لـ«وحدة الرضوان»، وقتلت ١٥٦ من عناصرها، نعاهم الحزب وهم: إبراهيم عقيل، عضو المجلس الجهادي، و١٥ من قادة «وحدة الرضوان». وفي ٢٣ أيلول ٢٠٢٤، بدأت إسرائيل غارات جوية مكثّفة على أهداف بمناطق متفرقة في لبنان. وقد استُهلت الحملة الجوية تلك في الجنوب ثم ما لبثت ان انتقلت إلى البقاع. وقد أعلن الجيش الإسرائيلي أن الأهداف التي قصفها طوال ذلك اليوم بلغت حوالى ١٦٠٠ هدف تابعة لـ«حزب الله» «في جنوبي لبنان ومنطقة البقاع في عمق لبنان ضمن عدة موجات هجومية نفذت خلالها آخر ٢٤ ساعة حوالي ٦٥٠ طلعة هجومية، وأدّت هذه الموجات إلى نزوح مئات الآلاف. وأعلن وزير الصحة اللبناني فراس الأبيض أن حصيلة اليوم الأول من الغارات بلغت ٥٥٨ قتيلًا وأكثر من ١٨٠٠ جريح؛ وفي ٢٧ أيلول ٢٠٢٤ عند الساعة السادسة والربع ألقت الطائرات الإسرائيلية عشرات القنابل الموجهة الخارقة للتحصينات على ما أسماه الجيش الإسرائيلي مقر قيادة «حزب الله» المركزي في ضاحية بيروت الجنوبية وكان هدفها اغتيال الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصرالله وعددًا كبيرًا من قادة وكوادر الحزب. أدّت الغارات إلى انهيار مبنيان كل مبنى مؤلف من ٤ طبقات وحصيلة بشرية بلغت، كما أعلن عنه وزير الصحة ١١ قتيلًا و١٠٨ جرحى. لاحقًا قام «حزب الله» بنعي أمينه العام، وقائد منطقة الجنوب علي كركي.

وفي ١ تشرين الأول أعلن الجيش الإسرائيلي عن بدء عملية برية جنوبي لبنان، مشيرًا إلى أنّه «تمت الموافقة على مراحلها ويتم تنفيذها وفقًا لقرار المستوى السياسي». ووجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي انذارًا عاجلًا إلى سكان جنوبي لبنان بعدم التنقل بمركبات بدءًا من الحدود اللبنانية إلى منطقة جنوب نهر الليطاني. وفي ٤ تشرين الأوَّل شنت الطائرات الإسرائيلية سلسلة غارات عنيفة على الضاحية الجنوبية لبيروت، بالإضافة إلى حزام ناري على مجموعة من الأبنية ومخبأً تحت الأرض في منطقة المريجة، حيث قالت التقارير إن هدفها كان رئيس المجلس التنفيذي السيّد هاشم صفي الدين ومجموعة من قيادات «حزب الله». وأعلن الجيش الإسرائيلي في ٢٢ من نفس الشهر أي بعد ثلاثة أسابيع اغتيال صفي الدين وأكثر من ٢٥ عنصرًا من أركان الاستخبارات في «حزب الله» ومن بينهم حسين علي هزيمة، قائد ركن الاستخبارات؛ وصائب عياش، مسؤول التجميع الجويّ فيه؛ ومحمود محمد شاهين، مسؤول ركن الاستخبارات لـ«حزب الله» في سوريا. استمرت العمليات العسكرية حتى فجر ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤ بعد نشاط ملحوظ لمبعوث الولايات المتحدة الأميركية إلى لبنان آموس هوكشتاين واهتمام أميركي بالوصول إلى وقف لإطلاق النار. وبحسب وزارة الصحة اللبنانية بلغ عدد الضحايا ٣٨٢٣ شهيدًا و١٥٨٥٩ جريحًا.

اتفاق الإطار في حزيران ٢٠٢٦

كما ذكرنا سابقًا، وقّع في العاصمة الأميركية واشنطن في ٢٦ حزيران ٢٠٢٦ على «اتفاق الإطار» بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. تم التوقيع في الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة التي انطلقت جولتها الأولى في ١٤ نيسان ٢٠٢٦ على مستوى السفراء برعاية وزير الخارجية الأميركي، وتركزت على تثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة مسار سياسي لإنهاء الحرب. وفي ١٦ نيسان، أعلن الرئيس ترمب هدنة مدتها ١٠ أيام، تلتها الجولة الثانية في ٢٣ نيسان والتي خُصصت لبحث إمكانية تمديد التهدئة لضمان استمرارية المسار التفاوضي، وتلتها جولة ثالثة في ١٤ و١٥ أيار، ووُصفت بأنها إيجابية وبنّاءة، ومهّدت لجولة رابعة في ٢ حزيران سعت إلى التوصل إلى وقف إطلاق نار مشروط، تضمّن وقف هجمات «حزب الله» وانسحاب عناصره من جنوب نهر الليطاني؛ وفي ٢٣ حزيران، انطلقت الجولة الخامسة، وركّزت على التفاصيل التنفيذية الميدانية، خصوصًا ما عُرف بـ«المناطق التجريبية» أو النموذجية التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية لصالح انتشار الجيش اللبناني، كخطوة اختبارية لتعزيز السيادة ونزع السلاح، وسط جهود أميركية كثيفة أفضت إلى توقيع الاتفاق. 

انطلقت هذه المفاوضات بعد مبادرة أطلقها رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون في ٩ آذار ٢٠٢٦، خلال الاجتماع الافتراضي الذي نظمه رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية السيدة أورسولا فون دير لاين للبحث في الأوضاع التي تمرّ بها منطقة الشرق الأوسط نتيجة التطوّرات العسكرية الأخيرة وتداعياتها على لبنان، بهدف وضع حدّ للتصعيد الإسرائيلي المتجدّد ضد لبنان وتركزت على أربع نقاط:

أ‌ - إرساء هدنة كاملة مع وقفٍ لكلّ الاعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية على لبنان؛

ب ‌- المسارعة إلى تقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلّحة اللبنانية؛

ج- تقوم هذه القوى فورًا بالسيطرة على مناطق التوتر الأخير، ومصادرة كلّ سلاح منها، ومصادرة سلاح «حزب اللّه» ومخازنه ومستودعاته، وفق المعلومات والمعطيات الممكن توافرها لها؛

د ‌- وبشكل متزامن، يبدأ لبنان وإسرائيل مفاوضات مباشرة برعاية دولية، للتوصّل إلى تنفيذ تفاصيل كلّ ما سبق.

وهدفت هذه المبادرة إلى النأي بلبنان عن الصراع الإقليمي - الدولي في الحرب الإسرائيلية الأميركية الإيرانية، وتجنيب لبنان تبِعات هذا الصراع وحمايته من التدمير والقتل ومن تشريد أبنائه، وذلك بعد أن أدخلت جماعة «حزب الله» لبنان مجدّدًا في أتون الحروب والجبهات بعد أن أعلن في ٢ آذار ٢٠٢٦ عن إطلاقه صواريخ ومسيّرات على إسرائيل، ردًّا على اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي، الذي كان قد قُتل في ٢٨ شباط في هجوم أميركي - اسرائيلي منسّق ضرب عشرات الأهداف في قلب العاصمة طهران وعدة مدن إيرانية، واستهدف أيضًا مسؤولين وشخصيات حكومية وعسكرية رفيعة.

بذلك تكون جماعة «حزب الله» قد أنهت مفاعيل وقف إطلاق النار الذي كان ساريًا منذ تشرين الثاني ٢٠٢٤ والذي سقط خلاله ٣٩٧ ضحية بفعل الاستهدافات العسكرية الإسرائيلية المباشرة لـ«حزب الله» و ١١٠٢ جريحين بحسب إحصاءات وزارة الصحة اللبنانية. 

لم تنتظر إسرائيل كثيرًا، فشنت المقاتلات الإسرائيلية غارات جوية مكثفة ومفاجئة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، البقاع، وبلدات الجنوب اللبناني، مما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا والمدنيين؛ وفي ٣ آذار بدأت القوات الإسرائيلية توغلًا بريًّا عبر الحدود اللبنانية، وقابلته الحكومة اللبنانية بعقد جلسة طارئة أصدرت فيها قرارًا رسميًّا بحظر الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله» وحصر السلاح بيد الدولة، مما فجر أزمة سياسية داخلية. وفي ٤ آذار أعلن «حزب الله» رفضه القاطع لقرار الحكومة واعتبره طعنة للمقاومة، مؤكدًا استمرار العمليات الميدانية ضد التوغّل الإسرائيلي، فيما استمرت إسرائيل بأعمالها العسكرية وتوغّلاتها وسط نزوح مئات الآلاف من الجنوبيين نحو صيدا وبيروت، كما أطلق «حزب الله» في ١١ آذار معركة «العصف المأكول»، ونفذ أوسع هجوم صاروخي متزامن (٣٨ عملية في آن واحد) أطلق خلاله أكثر من ١٠٠ صاروخ استهدفت ١٨ قاعدة وموقعًا عسكريًّا إسرائيليًّا أبرزها في: حيفا، صفد، وطبريا. في المقابل أغار الجيش الإسرائيلي على ١٠ مبانٍ في الضاحية الجنوبية لبيروت، تُستخدم كمقرات حزبية ومن بينها مقرات استخبارات ومقر تابع لـ«وحدة الرضوان»، وطالت الغارات منطقة الرملة البيضاء، وصولًا إلى عرمون. كما أضاف الجيش الاسرائيلي بحسب الإعلام العبري ١٨ موقعًا جديدًا تموضع فيها في جنوبي لبنان. وفي ٢٦ آذار بدأ «حزب الله» بنشر مقاطع فيديو تُظهر ضربات استهدفت جنودًا إسرائيليين ومركبات مدرعة وأنظمة دفاع جوي في جنوبي لبنان وشمالي إسرائيل باستخدامه لمسيّرات صغيرة من طراز «FPV» عبر تقنية الألياف الضوئية. وفي ٨ نيسان ٢٠٢٦: شنّت إسرائيل غارات عنيفة على العاصمة اللبنانية بيروت وضاحيتها الجنوبية ومناطق أخرى، فقتلت أكثر من ٣٥٠ وأصابت ١٢٠٠ آخرين، في ما وصفه اللبنانيون بـ«الأربعاء الأسود»، كما استدعت وزارة الخارجية والمغتربين في ٢٤ نيسان القائم بالأعمال الإيراني في لبنان توفيق صمدي خوشخو، وقابله الأمين العام للوزارة السفير عبد الستار عيسى، وأبلغه قرارَ الدولة اللبنانية سحبَ الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيَّن محمد رضا شيباني، واعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، مع مطالبته بمغادرة الأراضي اللبنانية في موعد أقصاه التاسع والعشرين من نيسان ٢٠٢٦، ولكن السفير لم يغادر وبقي في لبنان بطريقة غير شرعية. وفي ١٨ حزيران نشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي خريطة المنطقة التي تعمل فيها القوات الإسرائيلية في جنوبي لبنان الواقعة بعمق حوالى ١٠ كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وفي نفس يوم توقيع «اتفاق الإطار» أعلن الجيش الإسرائيل سيطرته على تلة علي الطاهر بعد أن كان أعلن سيطرته على قلعة الشقيف في ٢٦ أيار وبنت جبيل في ١٣ نيسان، و بلدات القطاع الشرقي والخيام في ١٧ آذار. 

ساهم «اتفاق الاطار» في وقف الأعمال العسكرية إلى حد كبير، مع بدء الحديث عن مناطق تجريبية قد تساعد في الوصول إلى إطار للانسحاب الإسرائيلي من أراضٍ في الجنوب اللبناني والتي باتت تقارب أكثر من ٦٠٠ كلم مربع، مع تدمير كامل وممنهج للبنى التحتية والمنازل في تلك المناطق، فيما ارتفع عدد المهجَّرين من تلك المناطق إلى حوالى الـ٣٠٠ ألف مواطن ومواطنة، وسقط حوالى ٤٣٠٠ ضحية منذ ٢ آذار ٢٠٢٦ وبلغ عدد الجرحى حوالى ١٢٥٠٠. 

لا شك أن مفاوضات «اتفاق الإطار» الجارية حاليًّا هي المفاوضات المباشرة الأكثر جدّية منذ مفاوضات اتفاق ١٧ أيار ١٩٨٣، على اعتبار أن مفاوضات مدريد عام ١٩٩١ كانت تحت مظلة استتباع السلطة اللبنانية للسياسة السورية بقيادة حافظ الأسد، آنذاك. وإذا كانت السلطة اللبنانية التي تأثرت بالمدّ الناصري نهاية الستينات ووقّعت «اتفاق القاهرة» عام ١٩٦٩، وسمحت ليد الكفاح المسلح الفلسطيني العبث بالاستقرار اللبناني وحوّلت المناطق الجنوبية إلى مسرح لعمليات عسكرية يدفع أهل الجنوب ثمنها، وأعطت سوريا وكالة حصرية بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية لمشروع تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية في لبنان المتمثل بجماعة «حزب الله» في مجال العمل العسكري المسلح ضد إسرائيل، ولم تسترجعها بعد التحرير عام ٢٠٠٠، بل أضحت تلك الجماعة شريكًا مضاربًا للدولة اللبنانية في مجال السلم الأهلي وملتزم عنها المناطق الشيعية وحائز على كل الامتيازات فيها ويسخّر إداراتها ومؤسساتها خدمة لمصالحه، ها هي اليوم تدخل مرحلة المفاضات والسلام متخاصمة في الشكل معه في موضوع الاتفاق الإطاري ولكنها مستمرة في مسألة التلزيم والشراكة داخليًّا.

ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن الحصول على السلام والاستقرار في ظلّ كل هذه المعضلات والتشعّبات؟

وتبقى العبرة في التنفيذ. 

المصادر:
  • موقع ديوان الذاكرة اللبنانية. 
  • موقع الفان رقم ٤. 
  • أرشيف أمم للتوثيق والأبحاث. 
  • تاريخ شيعة لبنان: من الماضي الغامض إلى المستقبل المجهول (الجزء الثاني)، أمم للتوثيق والأبحاث، ٢٠٢٣. 
مقالات مشابهة
13・03・2026
وذكِّر، إن نفعت الذكرى: تقدّم «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بإخبار في ٢٧ آذار ٢٠٢٥ «ضدّ مطلقي الصواريخ».
المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي صرّح اليوم، على لسان نائب رئيسه، راميًا على «الدولة» مهمة الاهتمام بالنازحين، نفضًا عنه أي مسؤولية، وهو الذي لم يُعوّدنا أساسًا على التصدّي لهذه المهمة أو على الاهتمام بأبناء الطائفة الشيعية. كان قد تقدّم، عندما دعت الحاجة، بإخبارٍ ضدّ «مطلقي الصواريخ» بقصد خرق الاتفاق ١٧٠١.
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
14・11・2025
التحوُّلات السياسية في الجنوب بعد الحرب: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية
علي مراد
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها ...
أيضاً للكاتب/ة
03・03・2025
الخيار الوطني لشيعة لبنان
عباس هدلا

وجود الكيان اللبناني دولة ووطنًا مصلحة أساسية لـ«الطائفة القلقة» التي أضحت جزءًا أساسيًّا في هذا الوطن، فمن مصلحة أبنائها الحفاظ على هذا الكيان الذي أرسى الطمأنينة والأمان لهم وأخرجهم من قرون الاضطهاد والقمع إلى رحاب الحرية والتطوّر والتقدّم، وحافظ على خصوصيتهم ووجودهم

03・07・2024
اللبنانيون الشيعة الواقع والرؤيا (٢)
عباس هدلا
لم يكن العام ٢٠٠٥ عامًا عاديًّا في التاريخ اللبناني. ففي الرابع عشر من شباط وفي عيد الحب، تعرّض موكب رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري لتفجير ضخم قبالة «السان جورج» أودى بحياته مع عدد من مرافقيه والمواطنين اللبنانيين الذين صدَف تواجدهم في المكان ومحيطه.
03・06・2024
اللبنانيون الشيعة الواقع والرؤيا (١)
عباس هدلا
مع تأسيس لبنان الكبير عام ١٩٢٠، وإقرار الدستور عام ١٩٢٦، صدر في ٣٠ كانون الثاني ١٩٢٦ القرار رقم ٣٥٠٣ الصادر عن المفوض السامي دو جوفينيل، وفيه اعتراف بالطائفة الشيعية كطائفة مستقلّة