25・07・2026
من العدد ٣٦
العطش إلى الجنوب: ما يتجاوز الحنين إلى حقّ الوجود

يتقاسم اللبنانيون، على اختلاف مناطقهم وطوائفهم، عادةً تكاد تكون الوحيدة التي لم تمسّها الانقسامات: فما إن تحلّ عطلة نهاية الأسبوع، أو مناسبات الأعياد، حتى تبدأ المدن بلفظ سكانها نحو الأطراف، وتستعيد القرى، للحظات، كثافةً سكانية فقَدتها منذ عقود. ومن يراقب الطرقات باتجاه الجبل أو البقاع أو الشمال أو الجنوب، في مساء كل يوم جمعة، يدرك أن القرية اللبنانية، رغم كل ما أصابها من إهمال الدولة وهجرة الأبناء، ما زالت تحتلّ في الوجدان موقعًا لا تنافسها عليه المدينة؛ فهي مكان العائلة قبل أن تكون مكان السكن، ومستودع الذاكرة قبل أن تكون عنوانًا على الخريطة. المدينة اللبنانية، في هذا المعنى، لم تنجح يومًا في أن تصبح موطنًا نهائيًّا لسكانها؛ ظلّت محطةً للعمل أو الدراسة أو الاستشفاء ومراكز الإدارات الرسمية؛ لذلك، مهما طالت الإقامة فيها احتفظت القرية بصفة الأصل الذي تُقاس عليه المسافات.

غير أن ابن الجنوب يعيش هذه العلاقة على نحوٍ يصعب اختزاله في الحنين المشترك بين اللبنانيين جميعًا. الفارق هنا ليس فارق درجة بل فارق طبيعة: قرية الجبل موضوع اشتياق، أما قرية الجنوب فموضوع نزاع لم يُحسم بعد. الزيارة هناك استجمام، وهنا فعل استرداد؛ استرداد لشيء ظلّ، طوال نصف قرن، مهدَّدًا بأن يُنتزع أو أن يُمنع الوصول إليه أو أن يُمحى من الوجود أصلًا. ولهذا لا يكاد حديث جنوبي يخلو من ذكر الضيعة: الساحة، عين الماء، النهر، حقول التبغ، الزيتون والليمون، المدرسة والحسينية، الطريق الترابية، وأسماء الذين رحلوا وبقيت الأماكن وحدها تحفظ حضورهم؛ لا لأن الجنوبي أكثر عاطفةً من سواه، بل لأن كل واحد من هذه التفاصيل كان في لحظةٍ ما عُرضةً للفقدان الفعلي، لا المجازي. ومن جرّب فقْد شيء، أو عاش حالة تهديد فقدانه، لا يعود قادرًا على أن يحبّه كما الذين لم يخافوا عليه يومًا.

أكتب هذا مع أني لا أنتمي إلى الجنوب؛ لكن والدتي تحدّرت منه، وأنا أنظر إليه من تلك المسافة التي تتيح الرؤية ولا تعفي من الانحياز؛ وانحيازي، إن كان لا بد من تسميته، ليس لطرفٍ في نزاع، بل لأُناسٍ ما انفكّوا يدفعون أثمان أحداثٍ لم يختاروها؛ فتُرسم الحروب من دون مشورتهم، وتُعقد التسويات بعيدًا منهم، ثم يُطلب إليهم، في كل مرة، أن يبدأوا من جديد. وقد فهمت مع الوقت أن عطشهم إلى قراهم هو، في جوهره، عطشٌ إلى شيء أبسط وأبعد منالًا: الاستقرار. أن تزرع فتحصد، وأن تبني فتسكُن، وأن تدفن موتاك حيث تعلم أنك ستُدفن. هذا الحد الأدنى الذي بالنسبة إلى سائر الناس مسلَّمةً، ظلّ، في الجنوب، مطلبًا معلَّقًا منذ قرن.

هذه العلاقة ليست وليدة رومانسية ريفية، بل نتاج تاريخ محدَّد يمكن تأريخه بدقة. منذ الاجتياح  الإسرائيلي في آذار ١٩٧٨ الذي هجّر مئات آلاف الجنوبيين نحو بيروت وضاحيتها في أيام معدودة، ثم قيام «الشريط الحدودي» المحتل الذي فصل عشرات القرى عن محيطها طوال اثنين وعشرين عامًا، عاش فيه الجنوبيون التهجير بوصفه حالةً شبه دائمة لا حادثًا عابرًا. أجيال كاملة وُلدت في الضاحية وهي تسمع عن قرًى لم ترَها، وتحفظ أسماء حاراتها وعيون مائها عن ظهر قلب. ثم جاءت حرب تموز ٢٠٠٦ لتُعيد إنتاج التجربة نفسها في نسخة مكثفة؛ ثم الحرب التي اندلعت عام ٢٠٢٣ ولمّا تُطوَ فصولها بعد؛ فالجنوب، إلى اليوم، ما زالت أجزاء منه محتلّة، والاعتداءات والاشتباكات شبه يومية، وقرًى حدودية بأكملها ما زال أهلها ممنوعون من العودة إليها أو عاجزين عنها. وفي كل مرة، كان الابتعاد عن القرية مؤقتًا في الوعي حتى لو طال سنوات في الواقع؛ لم يتعامل الجنوبي مع نزوحه يومًا بوصفه هجرةً، بل بوصفه غيابًا اضطراريًّا له نهاية، حتى حين لم تكن النهاية في الأفق. من هنا تحديدًا يبدأ الفارق: عند سائر اللبنانيين، القرية مكانٌ يُزار؛ عند الجنوبي، القرية مكانٌ يُستعاد.

بل إن هذا الحضور المهدَّد أقدم من دولة لبنان نفسها. فقرى جبل عامل مسجَّلة في دفاتر الضرائب العثمانية منذ القرن السادس عشر، ومذكورة في رحلات الجغرافيين الأوروبيين في القرن التاسع عشر، وأسماؤها نفسها، بجذورها السريانية والآرامية، من دير سريان إلى مركبا إلى تولين، شواهد على استيطان متصل يمتدّ قرونًا طويلة. حين دُمّرت في هذه الحرب بيوت دير سريان وأُحرقت بساتينها، لم تكن الخسارة قريةً عمرها بضعة أجيال، بل حلقةً من سلسلة سكنٍ موثّقة منذ خمسة قرون على الأقل في السجلّات وحدها. والجنوبي، حتى حين لا يقرأ هذه السجلات، يحملها في سليقته؛ ويعرف أن وجوده في هذه الأرض ليس طارئًا، وأن من يطلب منه أن يتخلّى عنها إنما يطلب منه أن يكذّب اسمها ذاته.

على أن اختزال العلاقة بالحروب وحدها يظلم تاريخًا أقدَم منها. فالأرض في الجنوب لم تكن يومًا ذاكرةً فحسب، بل كانت عيشًا ونزاعًا؛ وحقول التبغ التي تُذكر اليوم في سياق الحنين كانت، قبل أن تصبح صورةً في المخيّلة، ساحةَ صراع اجتماعي طويل بين المزارعين واحتكار شركة «الريجي» الذي بلغ ذروته في انتفاضة التبغ؛ ففي ٢٢ كانون الثاني ١٩٧٣، وبعد تظاهرة واعتصام المزارعين في مبنى «الريجي» في النبطية، انفجرت اشتباكات دامية سقط فيها قتيلين وعشرات الجرحى، كما يوثّق كتاب «تواريخ متقاطعة: حصّة الشيعة منها في لبنان» الصادر عن «أمم للأبحاث والتوثيق». دمٌ سال دفاعًا عن حق الفلّاح في محصوله، قبل خمس سنوات من أول اجتياح. شتلة التبغ، التي تُقطف قبل الفجر وتُشكّ بالإبرة في سهرات العائلة، علّمت أجيالًا من الجنوبيين أن الأرض لا تُملَك بالسند العقاري بل بالتعب المبذول فيها؛ وهذا النوع من الملكية لا تُسقطه حواجز الجيوش ولا قرارات الإخلاء. ويستعيد مكرم صادر، ابن عين إبل، في شهادته ضمن سلسلة «شظايا الذاكرة» التي تنتجها «أمم للأبحاث والتوثيق» و«ديوان الذاكرة اللبنانية»، مواسم قطاف الزيتون حين كانت نساء حانين والطيري يعبرن إلى كروم عين إبل للمساعدة في «الحواش"، على وقْع الغناء الذي يتصاعد من بين الأشجار. في هذه الصورة الصغيرة ما يستحق التوقف: العلاقة بالأرض في جبل عامل لم تكن يومًا شأنًا طائفيًّا؛ فعين إبل المسيحية وجاراتها الشيعية كانتا تتقاسمان المواسم واليد العاملة والأهازيج نفسها، وكان الزيتون، لا المذهب، هو رزنامة الجميع.

لقد كتب إدوارد سعيد، في مقالته «تأملات في المنفى»، أن المنفيّ لا يشتاق إلى المكان بوصفه جغرافيا، بل إلى شبكة العلاقات والإيقاعات التي كانت تمنح ذلك المكان معناه؛ وهي ملاحظة تنطبق على سكان قرى الجنوب انطباقًا يكاد يكون حرفيًّا، لأن القرية هناك ليست مجموعة بيوت بل منظومة علاقات ورموز يومية لا يقوم أحد عناصرها من دون سائرها. ويمضي موريس هالبفاكس، في عمله المؤسِّس حول الذاكرة الجماعية، خطوةً أبعد حين يبيّن أن الذاكرة لا تسكن رؤوس الأفراد وحدها بل تحتاج إلى أماكن تتجسّد فيها، وأن الجماعة التي تفقد أمكنتها تفقد معها القدرة على تذكّر نفسها. على أن أهل المكان لم ينتظروا علماء الاجتماع ليصلوا إلى الخلاصة ذاتها؛ فالمؤرخ والموثّق علي مزرعاني، وهو يشهد على ما أصاب النبطية، يقولها بلغة أهلها: «البيت مش بس حجر وقرميد... البيت، بس يتدمّر، بكون راح جزء من الذاكرة الاجتماعية والثقافية». هذه الجملة، بمحكيّتها العاملية، هي نظرية هالبفاكس كاملةً، قالها ابن النبطية وهو يعدّ خسائر مدينته التي كانت، مطلع القرن العشرين، حاضرة جبل عامل العلمية إلى جانب صيدا وصور.

في ضوء ذلك تُفهم مشاهد العودة التي تكررت بعد كل حرب، وحيّرت من نظَر إليها بمنطق المصلحة وحده. ففي أيار ٢٠٠٠، وما إن انسحب الجيش الإسرائيلي حتى تدفق عشرات آلاف الجنوبيين إلى القرى المحررة في اليوم نفسه، غير عابئين بالألغام ولا بغياب أي خدمات، يتلمّسون جدران بيوتٍ بعضهم يراها للمرة الأولى في حياته. وفي آب ٢٠٠٦، وثّقت تقارير الأمم المتحدة ووسائل الإعلام الدولية عودة مئات آلاف النازحين خلال أيام من سرَيان وقف إطلاق النار، فوق ركام لم ينطفئ بعد. وفي الحرب الحالية تكرّر المشهد كلما سنحت هدنة: عودة ولو ليوم واحد، لتفقّد بيت أو قطف زيتون أو الوقوف على أطلال حائط، قبل إزالة الأنقاض وقبل الماء أو الكهرباء. لا مصلحة اقتصادية في العودة إلى منزل مهدوم؛ لكن الحاجة هنا أعمق من المصلحة: استعادة العلاقة مع المكان قبل استعادة المكان نفسه. البيت يمكن إعادة بنائه لاحقًا؛ أما العلاقة فلا تحتمل التأجيل، لأن تأجيلها اعتراف ضمني بأن الغياب قد يصبح دائمًا.

وثمة وجه آخر لهذا الاندفاع نفسه، رصدته الباحثة هناء جابر، ابنة بنت جبيل، في شهادتها ضمن السلسلة ذاتها، حين وصفت ما يجري بأنه «تهافت على الذاكرة، نوع من حُمّى، وحاجة عند الكل إنّه يحكوا عن ضيعهم... وكأنّه حالة هلع». ملاحظتها دقيقة وقاسية معًا: فكما يركض الناس إلى قراهم فوق الركام، يركضون إلى ذكرياتهم يدوّنونها وينشرونها، وكأن تدمير قرى بأكملها أصاب الجماعة باختلال عميق جعلها تخشى أن تفقد الذاكرة كما فقدت الحجر. حمّى الذاكرة هذه ليست نقيض العطش إلى القرية بل ذروته؛ إنها اللحظة التي يدرك فيها الجنوبي أن المكان قد لا يعود، فيهرع إلى إنقاذ صورته قبل أن تنطفئ.

وللاغتراب الجنوبي فصلٌ في هذه الحكاية أيضًا. فالجنوب، الذي طالما بخُلت عليه الدولة بأسباب البقاء، مثل باقي الأطراف، هاجر أبناءه إلى أفريقيا الغربية وضواحي ديترويت ودول الخليج  العربي منذ عقود طويلة؛ فمن عين إبل وحدها، كما يروي صادر، بدأت الهجرة إلى الكويت منذ مطلع الخمسينات. لكن المفارقة أن هذه الهجرة، التي كان يفترض أن تُضعف الرابطة بالقرية، جاءت لتغذّيها: فالمغترب يبني في الضيعة بيتًا قد لا يسكنه غير أسابيع الصيف، ويموّل ترميم الحسينية أو الكنيسة وتعبيد الطريق، ويحرص على أن يقضي أولاده المولودون في المهاجر شيئًا من كل صيف هناك كي يعرفوا من أين هم. بل إن أبلغ دليل على أن هذه العلاقة تتجاوز الحياة نفسها هو ما يفعله الجنوبيون بموتاهم: فابن القرية الذي عاش عمره كله في بيروت أو المهاجِر البعيدة يعود، في نعشه، ليُدفن في مقبرة الضيعة إلى جانب أهله. المدافن، لا البيوت، هي السجل الأصدق لهذا الانتماء.

ويُحسن، هنا، الانتباه إلى أن هذا التعلق العفوي لم يسلَم من التوظيف؛ فمشاهد العودة الجماعية وُظّفت غير مرة في الخطاب السياسي بوصفها استفتاءً أو إعلان انتصار، وتحوّل حب الناس لأرضهم، في لحظات كثيرة، إلى مادة تعبئة تُصادَر لصالح معنى لم يختاروه بالضرورة وغير متفق عليه. غير أن التوظيف، على انتشاره، لا يلغي أصالة الشعور الذي يستند إليه؛ فالخطاب السياسي يستثمر في العواطف الحقيقية لا في المصطنعة، والعودة إلى القرية حدثت وستحدث بخطاب أو من دونه، لأنها أرسخ من الأحزاب جميعًا وأبقى منها. والتمييز بين الشعور وتوظيفه ليس ترفًا تحليليًّا، بل شرطًا لفهم الجنوب من دون مصادرته مرةً ثانية: مرة بالسلاح ومرة بالمعنى.

غير أن الأمانة للواقع تقتضي الاعتراف بأن هذا المقال يُكتب في لحظة مختلفة عن كل ما سبق. ففي عام ٢٠٠٠ كانت عودة أهل القرى مُتاحة فعادوا، وفي ٢٠٠٦ كانت ممكنة أيضًا فعادوا؛ أما اليوم فثمة قرى كاملة دُمِّرت وسُوِّيت بيوتها بالأرض، وقرى أخرى ما زال أهلها على أبوابها لا يستطيعون الدخول: أرضٌ محتلة، واعتداءات لا تتوقف، وبيوت لم تُهدم أثناء الحرب بل هُدمت بعدها، وأنقاض يُمنع أصحابها حتى من الوقوف على أطلالها. والعطش الذي تحدثنا عنه طوال هذا المقال ليس اليوم استعارةً أدبية؛ إنه حالة قائمة لعشرات آلاف العائلات الموزّعة بين مراكز إيواء وبيوت مستأجرة وقرى محتلة ومقفرة وغير قابلة للسكن.

وانتظار الجنوبي، هذه المرة، معلّق بين أطراف ثلاثة لا يملك قرار أيٍّ منها: احتلالٍ لا يُبدي نية الرحيل، وحربٍ خيضت باسمه من دون أن يُستشار في بدئها ولا في سُبل الخروج منها، ودولةٍ لم تعامله يومًا بوصفه مواطنًا يستحق الاستقرار، بل ورقةً يجري التفاوض عليها في ميزان المصالح المحلية والإقليمية. الكل يتحدث باسم أهل القرى؛ ولا أحد يأخذ برأيهم. وهكذا يجد الجنوبيون أنفسهم، مرةً أخرى، نقاطًا وفواصل داخل نصوصٍ أكبر تُكتب بمعزل عنهم، وهم الذين لم يطلبوا، في حقيقة الأمر، غير الحد الأدنى الذي يحصل عليه سائر الناس كمسلَّمة. وأنا، من موقعي؛ موقع من ينتسب إلى الجنوب لجهة الأم، ولجهة إيمانه بحقوق أبنائه وحقوق اللبنانيين جميعًا، لا أرى في هذا العطش المتمادي بطولةً تُحتفى ولا فولكلورًا يُستعاد، بل شهادةً مزدوجة: على وفاء ناسٍ لأرضهم لم ينكسر، وعلى خذلانٍ متراكم من كل من ادّعى تمثيلهم أو حمايتهم أو تحريرهم. حين يقول الجنوبي «اشتقت للضيعة» فهو لا يستعيد ذكرى؛ إنه يطالب بحقّ ما زال معلّقًا بأيدي من لم يسألوه رأيه يومًا.

ولهذا لا بدّ، في ختام هذا المقال، من قولٍ صريح لا تنفع بعده المواربة: لن ينقذ أهلَ الجنوب أحدٌ غير أهل الجنوب أنفسهم. لا يكفي أن يقاوم ابن الجنوب احتلالًا يجثم على أرضه فيما يتجاهل قبضةً أخرى أُطبقت، باسم حمايته، على حقوقه وأمنه ومستقبله؛ فالمقاومة التي تتوقف عند خط الحدود وتفاوض داخله ليست مقاومةً بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة.

ليس على الجنوبي أن يبتكر نموذجًا لما هو مطلوب، فهو موجود في تاريخه: انتفاضة المزارعين عام ١٩٧٣ لم تكن ضد عدوٍّ خارجي بل ضد بنيةٍ داخلية صادرت رزقهم، وقد انتفضوا يومها ودفعوا الدم ولم يستأذنوا أحدًا. والمطلوب اليوم انتفاضة من الطينة نفسها، لكن لحقوقٍ كاملة لا انتقائية: حق الأرض وحق القرار وحق الأمن وحق المستقبل معًا، لا حق الأرض وحده فيما تُصادَر البقية. وعلى الجنوبيين، قبل ذلك ومعه، إعادة ترتيب بيتهم من الداخل، وتحرير أنفسهم من مصالح الآخرين مهما تلوّنت بألوان قبلَية أو دينية أو عقائدية؛ فمن اعتاد أن يُدافَع عنه من دون أن يُسأل، انتهى به الأمر أن يُقرَّر عنه من دون أن يُبلَّغ. حبُّ الأرض وحده لا يحميها؛ يحميها أصحابها حين يستردّون قرارهم قبل أن يستردّوا قراهم.

مقالات مشابهة
02・08・2026
«البيئة الحاضنة للمقاومة»: من الدعوة إلى حماية «الجماعة» إلى عزلها!
فراس حمية
ساهمت هذه المحطات المتراكمة في نشأة الوعي الجمْعي الشيعي بالبيئة الحاضنة، دون أن يجد المصطلح طريقه إلى الخطاب السياسي كمدلول ذات بنية وهدف، ثم وصولًا إلى العام ٢٠٠٦ وإعلان الحزب انتصاره من بنت جبيل في خطابه الشهير: «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت»....وفي هذا الإطار، حمل مصطلح «البيئة الحاضنة» مشكلات جوهرية، منها التعميم المفرط والتسييس المفرط...
30・07・2026
في المعضلة اللبنانية: تشريح البُنية الذهنية والسياسية لمجتمعٍ يُعيد إنتاج أزمته
جمال نعيم
المشكلة هنا لا تكمن في غياب الأفراد العقلانيين، بل في عجزهم البنيوي عن التنظيم والتأثير. فالبنية السياسية والاجتماعية السائدة تكافئ الولاء أكثر ممّا تكافئ الكفاءة، وتعزّز الانتماءات الضيّقة على حساب الفضاء العام. بذلك يصبح الانخراط في اللعبة السياسية مشروطًا بالانتماء، لا بالكفاءة أو الرؤية.
20・07・2026
الضاحية في عيون العرب: صورة الشيعة اللبنانيين بين التضامن والتنميط
أماني فارس
لا يُختزل الشيعة اللبنانيون أحيانًا في موقف سياسي بعينه فحسب، بل في وظيفة رمزية محدّدة، جماعة مقاوِمة مستعدة لتحمّل كلفة الصراع إلى ما لا نهاية. وحين تُختزل جماعة كاملة في هذه الوظيفة، يصبح الخوف من الحرب أو الاعتراض على نتائجها أو مساءلة الخيارات التي قادت إليها مواقف تبدو غريبة أو غير متوقعة، لا لأنها نادرة بالضرورة، بل لأنها لا تنسجم مع الصورة المهيمنة.