20・07・2026
من العدد ٣٦
الضاحية في عيون العرب: صورة الشيعة اللبنانيين بين التضامن والتنميط

تشكّل الحروب لحظات اختبار للصوَر الذهنية التي تُبنى من خلالها الجماعات في الوعي العام، إذ لا يتفاعل الناس مع الوقائع وحدها، بل مع المعاني والتمثلات التي يضفونها عليها. ولهذا لا يكون التضامن دائمًا استجابة مباشرة لمعاناة إنسانية ملموسة، بل قد يكون استجابة لصورة مسبقة عن الجماعة التي تتعرض لهذه المعاناة.

خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، تلقيت رسائل عديدة من أصدقاء عرب عبّروا فيها عن تضامنهم واهتمامهم. بيد أن هذا التضامن لم يأتِ بوصفه استجابة إنسانية مجردة، بل تكشّفتْ سريعًا حدودُه البنيوية، فكلما عبّرتُ عن رفضي للحرب وكلفتها البشرية والاجتماعية والاقتصادية، بدا أن المسافة تتسع بين التجربة التي أعيشها والصورة التي يُفترض أن أجسّدها في نظر بعض المتضامنين. فلم يكن الخلاف حول ما حدث، بل حول الكيفية التي ينبغي بها تأويل ما حدث. فبينما رأى بعضهم في الحرب فصلًا جديدًا من سردية الصمود والمقاومة، كنت أراها تجربة معيشة تتضمن الخوف والنزوح والخسارة وأسئلة المسؤولية السياسية.

عند هذه النقطة، بدا لي أن المسألة تتجاوز اختلاف المواقف السياسية، إذ لم يكن المأزق كامنًا في حيّز العلاقات الشخصية، بل في تضعضع المرتكزات الإدراكية التي قام عليها التضامن نفسه. فكلما ابتعدت تجربتي الفردية عن الدور الذي يفترضه الآخرون للشيعي اللبناني، تراجعت قابلية هذه التجربة لأن تُفهم ضمن شروطها الخاصة.

لا يناقش هذا المقال صدق مشاعر المتضامنين أو نواياهم، بل يحاول فهم البنية المعرفية التي تجعل هذا النوع من التلقّي ممكنًا. فالسؤال ليس لماذا يتضامن الناس، بل كيف تتشكل الصوَر الذهنية التي تحدّد موضوع التضامن وحدوده، وكيف يمكن أن يتحول الإنسان الفعلي إلى حاملٍ لمعانٍ ورموز تسبقه وتحدّد موقعه داخل المخيال السياسي العربي.

حين تصبح الصورة أقوى من التجربة

في كتابه «الرأي العام» الصادر في عام ١٩٢٢، قدّم المفكر والسياسي الأميركي والتر ليبمان مفهوم «الصوَر في رؤوسنا» بوصفه آلية أساسية في إدراك العالم الاجتماعي. فالأفراد لا يتعاملون مع الواقع في تعقيده المباشر، بل من خلال تمثلات ذهنية تساعدهم على تنظيمه وإضفاء المعنى عليه. ولهذا تؤثر الصوَر المسبقة في كيفية تفسير الأحداث واستقبال المعلومات الجديدة. وطوّر كينيث بولدينغ الاقتصادي والمفكر البريطاني -الأميركي هذه الفكرة في كتابه «الصورة: المعرفة في الحياة والمجتمع» في العام ١٩٥٦، حيث رأى أن الأفراد يتصرفون استنادًا إلى الصورة التي يكوّنونها عن العالم أكثر مما يتصرفون استنادًا إلى العالم كما هو. ومن هنا تكتسب الصوَر الذهنية قدَرًا من الاستقرار يجعلها قادرة على استيعاب الوقائع الجديدة وإعادة تأويلها بما ينسجم مع بنيتها الأصلية.

بيد أن هذه الصوَر لا تنبثقُ من فراغ، وإنما تتشكّل عبر ترسّباتٍ ثقافية وإعلامية وسياسية متراكمة. ومع مرور الوقت، تترسّخ هذه التمثلات لتتحول إلى أُطرٍ تفسيرية جاهزة تُسقَط على جماعات بأكملها، بحيث يتراجع تأثير الواقع الفعلي وتتفوق عليه الصورة النمَطية المستقرة في أذهان المتلقين.

الشيعة اللبنانيون بوصفهم صورة ذهنية

يمكن النظر إلى صورة الشيعة اللبنانيين في أجزاء من المخيال العربي بوصفها إحدى هذه التمثّلات المستقرة. فمنذ عقود ارتبط حضورهم في المجال العام العربي بصورة المقاومة والمواجهة مع إسرائيل. وقد اكتسبت هذه الصورة قوة رمزية كبيرة بفعل أحداث تاريخية متعاقبة، من الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني وصولًا إلى حرب تموز ٢٠٠٦ وما تلاها.

لا يعني ذلك أن هذه الصورة مختلقة بالكامل أو منفصلة عن الواقع، لكنها تصبح إشكالية عندما تتحول من وصف جزئي لتجربة تاريخية معينة إلى إطار شامل تُقرأ من خلاله جماعة بشرية كاملة. فالجماعات الاجتماعية ليست كيانات متجانسة، بل فضاءات تتداخل فيها المصالح والتجارب والمواقف السياسية المختلفة. وكلما ازدادت قوة الصورة الرمزية، تضاءلت القدرة على رؤية هذا التنوّع. هنا لا يعود الشيعي اللبناني فردًا يمتلك رؤيته الخاصة للحرب أو السياسة أو المجتمع، بل يصبح ممثلًا لدور محدّد سلفًا داخل المخيال العام، ويُنتظر منه أن يتحدث ويتصرف بطريقة تنسجم مع المعاني التي أُسندت إلى هذا الدور.

أما عن العوامل التي أفضت إلى أُحادية هذه الصورة وتكلّسها داخل المخيال السياسي العربي، فيمكن تفكيكها عبر رصد طبيعة الأُطر المرجعية والخطابات المهيمنة التي تحكم تلقّي الأزمة في البيئات العربية المختلفة؛ وهي خطابات لا تعكس مواقف شعوب بأكملها بقدَر ما تمثّل تمظهرات لبنى معرفية وسياقات سياسية متباينة:

أولًا، يبرز حضور الدوكسا (Doxa) بالمفهوم السوسيولوجي لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بوصفها حيّز البديهيات والمسلّمات الاعتقادية التي تُنتزع من سياق المساءلة، حيث يُنظر إلى مواجهة الاحتلال بوصفها فرضًا وجوديًّا مطلقًا لا ينبغي للمحكوم بشروطه أن يتأفف من كلفته الوجودية أو الإنسانية، وهو خطاب يتردّد بوضوح في الفضاء الثقافي لبلاد الشام نتيجة القرب الجغرافي والتشابك التاريخي العضوي مع القضية الفلسطينية.

ثانيًا، ينزع الخطاب السائد في بعض الأوساط الثقافية المصرية نحو رومانسية التمجيد المعياري، حيث جرى استدعاء معاناة الفرد اللبناني بوصفها التجسيد الأخير للرفض العربي الجمعي لحالة الخنوع والقبول بمسارات التطبيع، وفي هذا النمط من التلقي يتحول الفرد العيني المعاني إلى أيقونة تعويضية تُختزل فيها كبرياء أمة عاجزة عن الفعل.

ثالثًا، يتمظهر في الإقليم المغاربي نوع من التقديس السيمبولي المعوِّض، إذ يتجاوز التضامن رصد الكلفة الإنسانية للحرب ليتخذ طابعًا تكفيريًّا غير مباشر عما يمكن تسميته بـعقدة الذنب الوجودي أو الجغرافي الناتج عن الشعور بالبُعد عن مركز الصراع العسكري والتقصير في تقديم الإسناد المباشر للقضية المركزية.

وفي مقابل هذه الأُطر المؤدلجة، تميّزت مقاربات أخرى تظهر بوضوح في القراءات التحليلية المعاصرة داخل مجتمعات الخليج العربي بالعقلانية أو الواقعية السياسية (Political Realism). إذ تفككت في هذا الخطاب قوالب الميتافيزيقيا السياسية لصالح قراءة الأزمة ضمن حسابات الربح والخسارة ومفهوم الدولة، والكلفة الاجتماعية والاقتصادية، مما سمح بمقاربة المعاناة الإنسانية ضمن شروطها الواقعية الملموسة دون إسقاطات رمزية مسبقة.

من الصورة إلى التنميط

عرّف غوردون ألبورت،أحد أبرز علماء النفس الأميركيين في القرن العشرين، في كتابه «طبيعة التحيّز» (١٩٥٤) التنميط بوصفه إسناد خصائص عامة وثابتة إلى أعضاء جماعة معينة على نحو يتجاهل الفروق الفردية بينهم. ولا تكمن خطورة التنميط فقط في عدم دقّته، بل في قدرته على اختزال الواقع المعقّد إلى صورة بسيطة وسهلة التداول. فالصوَر النمطية تؤدي وظيفة معرفية واجتماعية مهمة، إذ تمنح العالم درجة من الوضوح والاتساق يصعب تحقيقها في ظلّ تعقيد الواقع. وكلما ازدادت الظواهر السياسية تعقيدًا، ازدادت الحاجة إلى تصنيفات ورموز تسمح بفهمها بسرعة. لكن الثمن الذي يُدفع مقابل هذه البساطة هو تهميش التجارب التي لا تنسجم مع التصنيف السائد.

ضمن هذا السياق لا يُختزل الشيعة اللبنانيون أحيانًا في موقف سياسي بعينه فحسب، بل في وظيفة رمزية محدّدة، جماعة مقاوِمة مستعدة لتحمّل كلفة الصراع إلى ما لا نهاية. وحين تُختزل جماعة كاملة في هذه الوظيفة، يصبح الخوف من الحرب أو الاعتراض على نتائجها أو مساءلة الخيارات التي قادت إليها مواقف تبدو غريبة أو غير متوقعة، لا لأنها نادرة بالضرورة، بل لأنها لا تنسجم مع الصورة المهيمنة.

حين يصبح التنميط شرطًا للتضامن

المفارقة أن التنميط لا يعمل دائمًا بوصفه نقيضًا للتضامن، بل قد يشكّل أحد شروطه. فجزء من التضامن العربي مع الشيعة اللبنانيين تأسّس تاريخيًّا على الصورة التي تقدّمهم بوصفهم رأس الحربة في مواجهة إسرائيل. وقد منحت هذه الصورة التجربة الشيعية حضورًا رمزيًّا واسعًا داخل الوعي العربي، لكنها فعلت ذلك عبر التركيز على جانب واحد منها.

لذلك يصبح من المفهوم أن يتراجع التعاطف أحيانًا عندما يعبّر بعض أفراد هذه الجماعة عن مواقف لا تنسجم مع الصورة المتوقعة. فالمسألة لا تتعلق بمضمون الموقف وحده، بل بكونه يهدّد الإطار الرمزي الذي جعل هذا التضامن ممكنًا منذ البداية.

عند هذه النقطة لا يعود الفرد موضوعًا للتعاطف بوصفه إنسانًا يعيش تجربة محدّدة، بل بوصفه تجسيدًا لمعنى سياسي سابق على تجربته. وكلما ابتعد عن هذا المعنى، تراجعت قابلية صوته لأن يُسمع أو يُفهم ضمن شروطه الخاصة.

خاتمة

لا تكشف الحرب حدود بعض أشكال التضامن العربي فحسب، بل تكشف أيضًا الكلفة المعرفية للتنميط. فحين تُختزل جماعة بشرية معقّدة ومتنوعة في صورة رمزية واحدة، يصبح من الصعب رؤية أفرادها خارج هذه الصورة، ويغدو الألم الفعلي أقلّ أهمية من المعنى السياسي الذي يُراد إضفاؤه عليه.

ولعل السؤال الأهم ليس: لماذا يتضامن الناس، بل أي صورة عن الآخر تجعل هذا التضامن ممكنًا أصلًا. فالتضامن الذي يحتاج إلى صورة نمَطية كي يستمر قد يكون قادرًا على إنتاج التعاطف، لكنه يبقى عاجزًا عن إنتاج الفَهم. وبين التعاطف والفَهم تكمن المسافة التي تفصل الإنسان الحقيقي عن الصورة التي يتخيّلها الآخرون عنه.

مقالات مشابهة
02・08・2026
«البيئة الحاضنة للمقاومة»: من الدعوة إلى حماية «الجماعة» إلى عزلها!
فراس حمية
ساهمت هذه المحطات المتراكمة في نشأة الوعي الجمْعي الشيعي بالبيئة الحاضنة، دون أن يجد المصطلح طريقه إلى الخطاب السياسي كمدلول ذات بنية وهدف، ثم وصولًا إلى العام ٢٠٠٦ وإعلان الحزب انتصاره من بنت جبيل في خطابه الشهير: «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت»....وفي هذا الإطار، حمل مصطلح «البيئة الحاضنة» مشكلات جوهرية، منها التعميم المفرط والتسييس المفرط...
30・07・2026
في المعضلة اللبنانية: تشريح البُنية الذهنية والسياسية لمجتمعٍ يُعيد إنتاج أزمته
جمال نعيم
المشكلة هنا لا تكمن في غياب الأفراد العقلانيين، بل في عجزهم البنيوي عن التنظيم والتأثير. فالبنية السياسية والاجتماعية السائدة تكافئ الولاء أكثر ممّا تكافئ الكفاءة، وتعزّز الانتماءات الضيّقة على حساب الفضاء العام. بذلك يصبح الانخراط في اللعبة السياسية مشروطًا بالانتماء، لا بالكفاءة أو الرؤية.
25・07・2026
العطش إلى الجنوب: ما يتجاوز الحنين إلى حقّ الوجود
علي منصور
يتقاسم اللبنانيون، على اختلاف مناطقهم وطوائفهم، عادةً تكاد تكون الوحيدة التي لم تمسّها الانقسامات: فما إن تحلّ عطلة نهاية الأسبوع، أو مناسبات الأعياد، حتى تبدأ المدن بلفظ سكانها نحو الأطراف، وتستعيد القرى، للحظات، كثافةً سكانية فقَدتها منذ عقود. ومن يراقب الطرقات باتجاه الجبل أو البقاع أو الشمال أو الجنوب، في مساء كل يوم جمعة، يدرك أن القرية اللبنانية، رغم كل ما أصابها من إهمال الدولة...