21・07・2026
من العدد ٣٦
أوهام الانتصار الرمزي: كيف يهرب الخطاب الخشبي من كلفة الواقع؟

في السياسة كما في الحروب، يكمن الخطر الأكبر في إنكار الواقع وإعادة تعريف الهزائم على أنها «إنجازات إلهية» أو «انتصارات صمود».

في أحد خطابات للشيخ نعيم قاسم اعتبر فيه أن «منع إسرائيل من الاستقرار في الأرض وقتلنا ليس بالشيء الهيِّن»، يمثل ذروة هذا النهج الهروبي. إنه منطق يعتمد بالدرجة الأولى على تزوير الحقائق القريبة، وقلب الأدوار، وصناعة ذرائع وهمية لتبرير كارثة استراتيجية دفع ثمنها، لبنان وجنوبه، من دمائه ومستقبله.

 

كسر الردع بقرار ذاتي

العَورة الأساسية في هذا الخطاب يبدأ من تجاهل حقيقة دامغة: الجنوب اللبناني عاش ثمانية عشر عامًا من الاستقرار والهدوء النسبي والتنمية منذ صدور القرار ١٧٠١، في أعقاب حرب تموز ٢٠٠٦. طوال تلك السنوات، لم تكن إسرائيل تخطط لاجتياح برّي، ولم تكن قادرة على تخطّي معادلة الردع التي فرضتها التوازنات القائمة.

هذا الاستقرار الطويل لم ينكسر بقرار عدواني إسرائيلي مفاجئ، بل بقرار ذاتي اتخذه الحزب منفردًا، تحت مسمى «جبهة الإسناد» في الثامن من تشرين الأول ٢٠٢٣. فتح الجبهة تحت شعار «وحدة الساحات»، هو الذي استدرج الآلة العسكرية الإسرائيلية، ومنحها الذريعة والغطاء الدوليين لشنِّ حربٍ تدميرية غير مسبوقة، لم تنجح في إسناد غزة، بل نقلت محرقة الدمار إلى البيت اللبناني.

 

تزوير الأهداف وقلب الوقائع

يحاول الخطاب الحالي تصوير المعركة وكأنها بدأت لصدّ أطماع إسرائيلية توسعية في الأرض، متغاضيًا عن أن هدف الحرب الإسرائيلية المعلن والفعلي كان تفكيك البنية العسكرية للحزب وأمن سكان شمالي إسرائيل، وليس استيطان الجنوب.

عندما يتباكى الخطاب على «منع العدو من السيطرة»، فإنه يمارس عملية قلب للأدوار؛ فإسرائيل لم تأتِ غازية لتبني مستوطنات في بنت جبيل أو الخيام، بل دخلت لتدمير الحجر والبشر وتأمين حدودها. وبالتالي، فإن الحديث عن «إفشال مشروع السيطرة» هو اختراع لعدو وهمي بأهداف وهمية، ثم الاحتفال بالانتصار عليه بعد أن استحال الجنوب ركامًا.

 

إعادة تعريف النصر: البقاء كمقياس وحيد

المنطق الأخطر في هذه السردية هو اختزال مفهوم النصر في «مجرد البقاء على قيد الحياة». عندما يغدو الإنجاز الأوحد لـ«جماعة صغيرة» هو أنها لم تُمكِّن العدو من إبادتها بالكامل، فهذا إقرار ضمني بالعجز وفشل الاستراتيجية.

النصر في الحروب يُقاس بالقدرة على حماية المقدِّرات، صون دماء المدنيين، الحفاظ على البنية التحتية، وتحقيق الأهداف السياسية المعلنة. أما عندما تُباد قرى كاملة، ويُهجّر مئات الآلاف، وتُغتال القيادات التاريخية من الصف الأول والثاني والثالث، وتنكشف الساحة الأمنية بالكامل، فإن تسمية النتيجة «نصرًا» هي إهانة لعقول الناس وتضحياتهم.

 

الهروب من المحاسبة

إن هذا الإصرار على تزوير الواقع ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو آلية دفاعية ومحاولة بائسة للهروب من المراجعة والمحاسبة الداخلية. فالاعتراف بأن «جبهة الإسناد» كانت خطأً استراتيجيًّا كارثيًّا، لم يقدم شيئًا لغزة بل جرّ الويلات على لبنان، يعني ببساطة سقوط الجدوى الاستراتيجية للمنظومة العسكرية للحزب وسقوط فائض القوة الذي لطالما استقوى به على الداخل اللبناني.

قادم الأيام سيكشف لنا أن الشعوب لا تعيش على الشعارات، وأن الأرض التي دُمّرت والأنفس التي زُهقت لا يمكن تعويضها ببيانات الخطابة السياسية. سيذكر التاريخ أن جبهة الجنوب بقيت هادئة لمدة ١٨ عامًا، ولم تشتعل إلّا عندما قُرِّر ربط أمن لبنان بحسابات إقليمية، وعندها فقط، دفع اللبنانيون ثمن أوهام «النفوذ» من لحمهم الحي.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...
أيضاً للكاتب/ة
20・10・2026
العنوان الوحيد… حكاية من زوطر الغربية
أكرم محمود
لا يُقاس الزمن في جنوبي لبنان بالشهور أو بالسنوات، ولا يُحسب بتعاقب الفصول التقويمية المدوّنة على الورق؛ بل يُقاس بفصول الشجر والزيتون، وبمواعيد الفلاحين مع الأرض عند انبلاج الفجر، وبأصوات الضحكات التي تتردد في باحات البيوت العتيقة. لكن الحرب حين تعصف بالقسوة والحديد، تجرف معها التقويم بأكمله، وتقتلع سكينة الأيام من جذورها...
08・10・2026
بين حيوية الأمس وتغيُّرات اليوم: كيف تبدَّلت ملامح الحياة الاجتماعية في قرى الجنوب؟
أكرم محمود
عند العودة بالذاكرة إلى عقد الثمانينات وما قبله، وتحديدًا خلال عقدَي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كان الفضاء العام في قرى الجنوب يضجّ بحيوية فلكلورية وعفوية أصلية تعبّر عن روح المجتمع الريفي الأصيل. كانت ساحات القرى والمناسبات الاجتماعية، من أعراس ومواسم أعياد، تشهد حلقات الدبكة الشعبية المشتركة التي تجمع الشباب والشابات...
22・09・2026
جسر العبور: صك العودة والمطر من يوميات نازح
أكرم محمود
وتابع يهمس بكبرياءٍ مبلَّل بالوجع: «جدي لم يمت يا ابني، صار جزءًا من تراب عيناتا، هو هناك في بنت جبيل وفي الخيام، عين ماء تمشي في وادي الحجير، وتسمع صوته في ضحكات الصغار الذين يتفركشون بدمعة الفراق قبل أن يقوى عودهم ويشتد حنينهم. وإليك وصيّتي الكبرى: إذا كُتبت لك العودة وقُدر لي الغياب قبلها، ومررت بالليطاني، فاصمت قليلًا، اخلع نعلَيك واحنِ رأسك، ودع النهر يخبرك عن عطشنا للأرض...