.jpg)
في السياسة كما في الحروب، يكمن الخطر الأكبر في إنكار الواقع وإعادة تعريف الهزائم على أنها «إنجازات إلهية» أو «انتصارات صمود».
في أحد خطابات للشيخ نعيم قاسم اعتبر فيه أن «منع إسرائيل من الاستقرار في الأرض وقتلنا ليس بالشيء الهيِّن»، يمثل ذروة هذا النهج الهروبي. إنه منطق يعتمد بالدرجة الأولى على تزوير الحقائق القريبة، وقلب الأدوار، وصناعة ذرائع وهمية لتبرير كارثة استراتيجية دفع ثمنها، لبنان وجنوبه، من دمائه ومستقبله.
كسر الردع بقرار ذاتي
العَورة الأساسية في هذا الخطاب يبدأ من تجاهل حقيقة دامغة: الجنوب اللبناني عاش ثمانية عشر عامًا من الاستقرار والهدوء النسبي والتنمية منذ صدور القرار ١٧٠١، في أعقاب حرب تموز ٢٠٠٦. طوال تلك السنوات، لم تكن إسرائيل تخطط لاجتياح برّي، ولم تكن قادرة على تخطّي معادلة الردع التي فرضتها التوازنات القائمة.
هذا الاستقرار الطويل لم ينكسر بقرار عدواني إسرائيلي مفاجئ، بل بقرار ذاتي اتخذه الحزب منفردًا، تحت مسمى «جبهة الإسناد» في الثامن من تشرين الأول ٢٠٢٣. فتح الجبهة تحت شعار «وحدة الساحات»، هو الذي استدرج الآلة العسكرية الإسرائيلية، ومنحها الذريعة والغطاء الدوليين لشنِّ حربٍ تدميرية غير مسبوقة، لم تنجح في إسناد غزة، بل نقلت محرقة الدمار إلى البيت اللبناني.
تزوير الأهداف وقلب الوقائع
يحاول الخطاب الحالي تصوير المعركة وكأنها بدأت لصدّ أطماع إسرائيلية توسعية في الأرض، متغاضيًا عن أن هدف الحرب الإسرائيلية المعلن والفعلي كان تفكيك البنية العسكرية للحزب وأمن سكان شمالي إسرائيل، وليس استيطان الجنوب.
عندما يتباكى الخطاب على «منع العدو من السيطرة»، فإنه يمارس عملية قلب للأدوار؛ فإسرائيل لم تأتِ غازية لتبني مستوطنات في بنت جبيل أو الخيام، بل دخلت لتدمير الحجر والبشر وتأمين حدودها. وبالتالي، فإن الحديث عن «إفشال مشروع السيطرة» هو اختراع لعدو وهمي بأهداف وهمية، ثم الاحتفال بالانتصار عليه بعد أن استحال الجنوب ركامًا.
إعادة تعريف النصر: البقاء كمقياس وحيد
المنطق الأخطر في هذه السردية هو اختزال مفهوم النصر في «مجرد البقاء على قيد الحياة». عندما يغدو الإنجاز الأوحد لـ«جماعة صغيرة» هو أنها لم تُمكِّن العدو من إبادتها بالكامل، فهذا إقرار ضمني بالعجز وفشل الاستراتيجية.
النصر في الحروب يُقاس بالقدرة على حماية المقدِّرات، صون دماء المدنيين، الحفاظ على البنية التحتية، وتحقيق الأهداف السياسية المعلنة. أما عندما تُباد قرى كاملة، ويُهجّر مئات الآلاف، وتُغتال القيادات التاريخية من الصف الأول والثاني والثالث، وتنكشف الساحة الأمنية بالكامل، فإن تسمية النتيجة «نصرًا» هي إهانة لعقول الناس وتضحياتهم.
الهروب من المحاسبة
إن هذا الإصرار على تزوير الواقع ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو آلية دفاعية ومحاولة بائسة للهروب من المراجعة والمحاسبة الداخلية. فالاعتراف بأن «جبهة الإسناد» كانت خطأً استراتيجيًّا كارثيًّا، لم يقدم شيئًا لغزة بل جرّ الويلات على لبنان، يعني ببساطة سقوط الجدوى الاستراتيجية للمنظومة العسكرية للحزب وسقوط فائض القوة الذي لطالما استقوى به على الداخل اللبناني.
قادم الأيام سيكشف لنا أن الشعوب لا تعيش على الشعارات، وأن الأرض التي دُمّرت والأنفس التي زُهقت لا يمكن تعويضها ببيانات الخطابة السياسية. سيذكر التاريخ أن جبهة الجنوب بقيت هادئة لمدة ١٨ عامًا، ولم تشتعل إلّا عندما قُرِّر ربط أمن لبنان بحسابات إقليمية، وعندها فقط، دفع اللبنانيون ثمن أوهام «النفوذ» من لحمهم الحي.





