على الرغم من استمرار الحديث عن هدنة وتمديد وقف الأعمال العدائية، لم يشهد أيار ٢٠٢٦ وقفًا فعليًا للنار؛ إذ تواصلت الغارات الإسرائيلية وعمليات القصف والنسف والتجريف والتوغل البري، فيما واصل «حزب الله» إصدار بيانات قال فيها إنه استهدف قوات وآليات ومواقع إسرائيلية.
واتسم الشهر بتزامن مسارين متناقضين: مسار تفاوضي تقوده مؤسسات الدولة اللبنانية برعاية أميركية، ومسار ميداني اتجه نحو مزيد من الاتساع والخطورة؛ وبينما كان لبنان يطالب بوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، امتدت العمليات البرية الإسرائيلية إلى محاور حداثا وزوطر الشرقية ودبين ومرتفعات الشقيف.
وانتهى الشهر من دون تثبيت وقف شامل لإطلاق النار، ومن دون انسحاب إسرائيلي، مع ارتفاع الكلفة البشرية واتساع الخلاف السياسي حول وسائل إنهاء الحرب ومستقبل السلاح.
بدأ أيار فيما كانت الولايات المتحدة والجهات الراعية تتحدث عن استمرار وقف الأعمال العدائية، إلا أن الوقائع الميدانية أظهرت أن الهدنة بقيت إطارًا سياسيًا هشًا لم يمنع استمرار العمليات العسكرية.
تواصلت الغارات على قرى الجنوب والبقاع، وتكررت عمليات نسف المنازل والبنى التحتية والتجريف والتوغل داخل البلدات. كما تعرضت مدن وبلدات بعيدة نسبيًا عن الحافة الحدودية، مثل صور والنبطية وحبوش وميفدون ودير الزهراني، لموجات متتابعة من الاستهداف.
واستُهدفت سيارات ودراجات نارية ومبانٍ ومرافق مدنية وصحية، بالتوازي مع توجيه إنذارات بالإخلاء إلى بلدات جنوبية، وتهديد الضاحية الجنوبية لبيروت.
في المقابل، أعلن «حزب الله»، بصورة شبه يومية، تنفيذ عمليات ضد قوات ومواقع إسرائيلية في البياضة والقنطرة ودير سريان ورشاف والطيبة والناقورة والخيام وبنت جبيل ومناطق أخرى.
وبرزت خلال هذه المرحلة مفارقة أساسية: كلما اتسع الحديث عن التهدئة والمفاوضات، ازدادت كثافة العمليات الميدانية؛ ما جعل الهدنة أقرب إلى عنوان دبلوماسي لا ينعكس فعليًا على الأرض.
شهد أيار توسعًا في محاولات التقدم والتوغل الإسرائيلي داخل عدد من البلدات والمحاور الجنوبية، ترافق مع عمليات قصف ونسف وتجريف واستهداف للمباني والطرق.
وقدمت بيانات «حزب الله» عددًا من هذه التحركات بوصفها مواجهات برية أو محاولات تقدم جرى التصدي لها. إلا أن توصيفها باعتبارها «معارك» استند، في جانب مهم منه، إلى الرواية العملياتية التي نشرها الحزب، في ظل محدودية المعلومات المستقلة عن حجم القوات المشاركة وتفاصيل الاشتباكات ونتائجها.
محور حداثا
شهد محور حداثا، ليلة ١٩–٢٠ أيار، تحركًا بريًا إسرائيليًا من جهة رشاف باتجاه البلدة.
وبحسب بيانات «حزب الله»، استُهدفت القوة الإسرائيلية عند المدخل الجنوبي لحداثا؛ كما أعلن الحزب استهداف أربع دبابات «ميركافا» في محيط البركة والملعب وطريق عيتا الجبل، قبل تراجع القوة باتجاه رشاف.
وعكست هذه الواقعة اتساع محاولات التقدم البري الإسرائيلي وانتقالها إلى بلدات جنوبية إضافية، بالتوازي مع صدور سلسلة من البيانات العملياتية عن الحزب.
دبين وزوطر الشرقية ويحمر الشقيف
شهدت هذه المحاور، خلال الأيام الأخيرة من الشهر، محاولات تقدم إسرائيلية وعمليات تفجير ونسف، بالتزامن مع غارات كثيفة على صور والنبطية والزهراني وبلدات قضاء صيدا.
وفي المقابل، أصدر «حزب الله» بيانات قال فيها إنه استهدف قوات وآليات إسرائيلية في دبين والغندورية ويحمر الشقيف وزوطر الشرقية، مستخدمًا الصواريخ والقذائف المدفعية والمسيّرات الانقضاضية والعبوات الناسفة.
وقدمت وسائل إعلام الحزب هذه الوقائع باعتبارها كمائن ومواجهات حالت دون تثبيت القوات الإسرائيلية في بعض المواقع.
قلعة الشقيف
أعلنت إسرائيل توسيع عملياتها شمال نهر الليطاني والسيطرة على قلعة الشقيف، مع إعلان نيتها عدم الانسحاب منها في المرحلة القريبة، والتهديد باحتلال مزيد من الأراضي.
وحملت السيطرة الإسرائيلية المعلنة على القلعة دلالتين:
- دلالة عسكرية مرتبطة بموقعها المشرف على مساحات واسعة من الجنوب.
- دلالة رمزية مرتبطة بتاريخها في الصراع اللبناني–الإسرائيلي.
في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف القوات الإسرائيلية في محيط القلعة، وقدمت وسائل إعلامه التقدم الإسرائيلي بوصفه جزءًا من مواجهة استنزاف واسعة.
وبذلك، انتهى الشهر مع توسع واضح في التقدم البري الإسرائيلي، تزامن مع عمليات أعلن «حزب الله» تنفيذها ضد القوات المتقدمة، من دون إمكان اعتماد رواية أي من الطرفين وحدها لتحديد النتائج النهائية لهذه العمليات.
شهد أيار كثافة ملحوظة في البيانات العسكرية الصادرة عن «حزب الله»، التي تضمنت إعلانات عن استهداف قوات وآليات ومواقع إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية وفي شمال إسرائيل.
وشملت الأهداف، وفق بيانات الحزب، منصة لـ«القبة الحديدية»، وناقلات جند، ودبابة «ميركافا»، ومراكز قيادة وتجمعات عسكرية.
المسيّرات الانقضاضية
كان الإعلان المتكرر عن استخدام «المحلّقات الانقضاضية» و«محلّقات أبابيل» و«أسراب المسيّرات» من أبرز سمات الخطاب العملياتي للحزب خلال الشهر.
وقدمت وسائل إعلام «حزب الله» هذا الاستخدام بوصفه تحولًا في معادلة القوة، وركزت على تقارير إسرائيلية تتحدث عن صعوبة التصدي الكامل للمسيّرات الصغيرة والمنخفضة الكلفة.
لكن حجم الأثر العسكري الفعلي لهذه الوسائل بقي، في جانب مهم منه، مستندًا إلى بيانات الحزب وروايات منتقاة من الإعلام الإسرائيلي.
جاءت ذكرى ٢٥ أيار في ظروف كانت فيها القوات الإسرائيلية موجودة داخل أراضٍ لبنانية، وامتد وجودها على رقعة تعادل تقريبًا تلك التي كانت تحتلها قبل انسحابها عام ٢٠٠٠، فيما كانت الغارات والتوغلات مستمرة.
ركز خطاب «حزب الله» وحلفائه على أن معركة التحرير لم تنتهِ، وأن عملياته تمثل استمرارًا لمسار المقاومة الذي أدى إلى الانسحاب الإسرائيلي عام ٢٠٠٠.
في المقابل، قدم رئيس الجمهورية جوزاف عون التفاوض بوصفه وسيلة لاستعادة الأراضي المحتلة، مؤكدًا أن التفاوض لا يمثل تنازلًا أو استسلامًا، وأن بناء دولة قوية وبسط سلطة الجيش يشكلان استكمالًا لمعنى التحرير.
وبذلك، تحولت المناسبة إلى مواجهة بين مفهومين:
- مفهوم يرى أن استعادة الأراضي تتطلب استمرار المقاومة المسلحة.
- مفهوم يرى أن استكمال التحرير يمر عبر مؤسسات الدولة والجيش والمفاوضات.
دخلت الجبهة اللبنانية بصورة مباشرة في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
وتحدثت مواد إعلامية عن مسودة مذكرة تفاهم تنص على إنهاء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان، مع احتفاظ إسرائيل بإمكان التحرك إذا اعتبرت أن الحزب يعيد تسليح نفسه.
وبقيت هذه البنود ضمن إطار المسودات والتسريبات، ولم تتحول إلى اتفاق نهائي خلال أيار.
وأكدت إيران، بحسب مواقف رسمية وتقارير نقلتها وسائل إعلام قريبة من «حزب الله»، أنها لن توافق على اتفاق لا يشمل وقف الحرب على لبنان.
وأظهر هذا المسار أن مستقبل الجبهة اللبنانية لم يعد يُناقش بين لبنان وإسرائيل فقط، بل أصبح جزءًا من تفاوض إقليمي أوسع يشمل الولايات المتحدة وإيران وحلفاءهما.
اجتماع البنتاغون
مثّل اجتماع ٢٩ أيار في مبنى البنتاغون ذروة المسار التفاوضي خلال الشهر. وشارك فيه وفدان عسكريان، لبناني وإسرائيلي، إلى جانب الجانب الأميركي، واستمر أكثر من تسع ساعات.
دخل الوفد اللبناني الاجتماع بأولويات شملت:
- تثبيت وقف إطلاق النار.
- وقف الغارات والاعتداءات.
- الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
- تعزيز انتشار الجيش جنوب الليطاني.
- الحصول على دعم وتجهيزات للمؤسسة العسكرية.
في المقابل، قدم الوفد الإسرائيلي خرائط وصورًا ومعلومات قال إنها تتعلق بأنفاق ومواقع ومنصات صواريخ تابعة لـ«حزب الله» جنوب نهر الليطاني.
لكن الاجتماع لم يحقق المطلب اللبناني الأساسي المتعلق بوقف النار، وبقيت المحادثات مفتوحة لجولات لاحقة.
موقف «حزب الله»
تركز موقف الحزب خلال أيار على النقاط الآتية:
١. اعتبار أن وقف إطلاق النار لم يُطبّق فعليًا.
٢. تقديم عملياته باعتبارها دفاعًا عن لبنان وردًا على الاعتداءات.
٣. رفض التفاوض المباشر مع إسرائيل.
٤. فصل ملف السلاح عن المفاوضات مع إسرائيل.
٥. المطالبة بالانسحاب وإطلاق الأسرى وعودة السكان وإعادة الإعمار قبل أي نقاش داخلي بشأن السلاح.
٦. التحذير من تحول المسار الأمني إلى مدخل لفرض ترتيبات تمس سلاح الحزب وبيئته ودوره السياسي.
موقف حركة أمل
ركز رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل نبيه بري على رفض التفاوض تحت النار، معتبرًا أن الوفد اللبناني يحتاج إلى أوراق قوة تتيح له تحقيق توازن على طاولة المفاوضات.
ودعا بري إلى اعتماد التفاوض غير المباشر، مستحضرًا تجربة ترسيم الحدود البحرية والوساطة الأميركية في اتفاق عام ٢٠٢٤.
وفي الوقت نفسه، حاولت حركة أمل المحافظة على موقع وسط بين دعم الدولة ومؤسساتها، ورفض أي مسار يفرض نزع السلاح أو التطبيع المباشر مع إسرائيل.
الدولة والقوى المعارضة
قدمت رئاسة الجمهورية والحكومة التفاوض باعتباره وسيلة لتقليل كلفة الحرب واستعادة الأراضي ونشر الجيش.
أما القوى المعارضة لـ«حزب الله»، فركزت على أن استمرار السلاح خارج الدولة يضعف الموقف اللبناني ويمنح إسرائيل ذريعة لمواصلة العمليات.
لكن عدم نجاح المفاوضات في تثبيت وقف إطلاق النار أضعف قدرة الخطاب الدبلوماسي على إقناع الرأي العام بأنه كافٍ، بمفرده، لإنهاء العمليات الإسرائيلية.
وفي المقابل، لا يشكل ذلك دليلًا تلقائيًا على صحة سردية «حزب الله» بشأن فاعلية عملياته أو قدرتها على وقف التقدم الإسرائيلي.
وأعاد هذا الواقع طرح السؤال حول طبيعة أوراق القوة التي يمتلكها لبنان، وحدود كل من المسارين العسكري والتفاوضي.
ارتفعت الحصيلة التراكمية الواردة في الملف من ٢٦٥٩ قتيلًا و٨١٨٣ جريحًا في ٢ أيار إلى ٣٣٧١ قتيلًا و١٠١٢٩ جريحًا في ٣٠ أيار.
وهذا يعني تسجيل زيادة لا تقل عن:
- ٧١٢ قتيلًا.
- ١٩٤٦ جريحًا.
وبلغ عدد النازحين داخل مراكز الإيواء، وفق إحصاء صادر في ١٨ أيار، ١٣٠٤٢٥ نازحًا.
وتعرض القطاع الصحي لضغط متزايد، ولا سيما مع استهداف محيط مستشفى حيرام في صور، وإصابة أفراد من طاقمه، وتهديد مراكز الدفاع المدني، واستهداف مسعفين وسيارات إسعاف.


