14・07・2026
من العدد ٣٦
رسالة قاسم إلى قاليباف: نقد سردية العطاء الإيراني للبنان

تكتسب الرسائل السياسية التي تُكتب في لحظات التحولات الإقليمية أهمية تتجاوز بُعدها الرمزي، لأنها غالبًا ما تكشف التصورات العميقة التي تحكم العلاقات بين القوى والدول. ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة التي وجّهها الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم إلى رئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران محمد رضا قاليباف لا يمكن التعامل معها باعتبارها رسالة شكر سياسية حصرًا، بل باعتبارها نصًّا سياسيًّا يؤسس لرواية كاملة حول طبيعة العلاقة بين إيران ولبنان، وحول معنى الدعم، وحدود السيادة، ومفهوم الكلفة والعائد في العلاقات الإقليمية.

الإشكالية المركزية التي تفرض نفسها في هذه الرسالة لا تكمن في حق أي طرف سياسي في التعبير عن امتنانه لحليف خارجي، بل في تقديم العلاقة الإيرانية مع لبنان بوصفها علاقة أحادية الاتجاه، أعطت فيها إيران كل شيء ولم تأخذ شيئًا. هذه المقاربة، عند إخضاعها للمعايير العلمية والسياسية التي تحكم العلاقات الدولية، تبدو أقرب إلى السردية السياسية منها إلى الوصف الموضوعي. فالدول لا تعمل خارج حسابات المصالح، ولا تبني نفوذها من دون أهداف استراتيجية، ولا تستثمر مواردها خارج إطار تعظيم حضورها وأمنها ودورها الإقليمي.

وعند مراجعة مسار العلاقة الإيرانية مع لبنان خلال العقود الماضية، يصعب الدفاع عن فكرة أن إيران لم تحقق مكاسب سياسية أو استراتيجية أو تفاوضية. فالوجود الإيراني في لبنان لم يقتصر على تقديم دعم مالي أو عسكري أو اجتماعي، بل تحول إلى أحد أهم عناصر النفوذ الإيراني في المشرق العربي، وإلى ورقة تأثير إقليمية في ملفات تتجاوز لبنان نفسه، من المواجهة مع إسرائيل إلى إدارة التوازنات الإقليمية والدولية.

لكن النقطة الأكثر حساسية في هذا النقاش تظهر عندما يُختبر خطاب العطاء على أرض الواقع اللبناني لا على مستوى الشعارات. فلو كان معيار التقييم هو ما جرى على الأرض، يصبح السؤال مختلفًا؛ ماذا أخذ لبنان فعليًّا من هذه العلاقة، وماذا دفع في المقابل؟

هنا تبرز تجربة جنوبي لبنان وجبل عامل بوصفها المثال الأكثر قسوة. فجبل عامل لم يكن جغرافيا حدودية أو منطقة تماس عسكرية، بل مساحة تاريخية وثقافية وحضارية عمرها سبعة آلاف سنة أسهمت في تكوين الهوية اللبنانية، واحتضنت إرثًا عمرانيًّا واجتماعيًّا وإنسانيًّا امتد عبر قرون طويلة. غير أن العقود الأخيرة، ومع إدراج الجنوب تدريجيًّا ضمن منطق المواجهة الإقليمية المفتوحة وتحويله إلى خط دفاع متقدّم في سياقات تتجاوز القرار اللبناني الداخلي، جعلت هذه المنطقة تدفع أكلافًا متراكمة تفوق قدرة أي مجتمع على التحمُّل.

لقد دفع أبناء جبل عامل ومعه كل الشعب اللبناني أثمانًا بشرية باهظة في الأرواح، وتعرضت بلدات وقرى واسعة لدورات متكررة من الدمار والنزوح وإعادة الإعمار ثم العودة إلى الدمار. وتراجعت الحياة الاقتصادية، وتغيرت البنية الاجتماعية، وفُقدت معالم عمرانية وتاريخية وتراثية شكّلت جزءًا من ذاكرة المكان وخصوصيته الحضارية. وليس المقصود هنا تجاهل أن التدمير المادي نجم مباشرة عن الحروب والعمليات العسكرية والاعتداءات الإسرائيلية، لكن النقد يتجه إلى مساءلة البيئة السياسية والاستراتيجية التي ساهمت في إبقاء الجنوب داخل نموذج المواجهة الدائمة وربط مصيره بموازين ردع إقليمية أكبر من الدولة اللبنانية نفسها.

فإذا كانت إيران قد دعمت مشروعًا سياسيًّا وعسكريًّا في لبنان، فإن من المشروع أيضًا التساؤل؛ هل كان هذا الدعم معزولًا عن النتائج التي ترتبت على تحويل جزء من لبنان إلى ساحة متقدمة في الصراع الإقليمي؟ وهل يمكن الحديث عن عطاء بلا مقابل فيما دفعت مناطق لبنانية كاملة أثمانًا وجودية من عمرانها واستقرارها وذاكرتها الجماعية؟

ومن زاوية أخرى، فإن الرسالة تطرح إشكالية إضافية تتعلق بالتحدث باسم لبنان أو باسم محبّيه بصورة جامعة. فلبنان ليس كتلة سياسية واحدة، ولا توجد جهة تمتلك تفويضًا حصريًّا لتعريف مصلحة اللبنانيين أو التعبير عن امتنانهم تجاه أي دولة. وفي المجتمع اللبناني من يرى في إيران داعمًا سياسيًّا وعسكريًا، كما يوجد من يرى أن هذا الدور أسهم في إضعاف الدولة وتعميق الانقسام الداخلي وربط القرار الوطني بمراكز نفوذ خارج الحدود.

إن العلاقات الدولية لا تُقاس بحجم ما يُمنح فقط، بل أيضًا بحجم الأثر الذي يتركه هذا المنح على سيادة الدولة وقدرتها على اتخاذ قرارها الحر. وكل دعم يتحول إلى عنصر مؤثر في القرار الاستراتيجي الداخلي يصبح جزءًا من معادلة النفوذ لا من منطق الهبة المجردة.

لذلك، فإن إعادة تقييم العلاقة الإيرانية ـ اللبنانية لا ينبغي أن تنطلق من سؤال الامتنان، بل من سؤال الدولة: هل خرج لبنان أكثر قوة واستقرارًا وسيادة؟ هل أصبح الجنوب أكثر أمنًا وقدرة على الحياة؟ هل حافظ جبل عامل على حضوره التاريخي والعمراني والاجتماعي أم تحول إلى منطقة تستنزفها الحروب المتكررة؟

هنا تحديدًا تتعرض مقولة أن إيران أعطت لبنان كل شيء ولم تأخذ منه شيئًا لاختبارها الأصعب؛ لأن الدول لا تُحاسب على النوايا، بل على النتائج. والنتائج تقول إن لبنان، وفي قلبه جبل عامل، لم يكن فقط متلقيًا للدعم، بل كان أيضًا من أكثر الجهات التي دفعت كلفة إدخاله في معادلات الصراع الإقليمي المفتوح.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...
أيضاً للكاتب/ة
21・10・2026
أعلام الخلاف تكشف خطورة الاحتقان في الجنوب
داود رمّال
قد تبدو حادثة حومين الفوقا، في ظاهرها، خلافًا عاديًّا حول أعلام، لكنها في مضمونها تكشف مشكلة أكثر عمقًا تتصل بطبيعة العلاقة بين جمهورَي «حركة أمل» و«حزب الله» في الجنوب وفي كل المناطق، وبمدى قدرة الطرفين على ضبط التنافس بينهما ومنع تحوّله إلى احتكاك ميداني، خصوصًا في ظلّ حروب المقتَلة التي ساق «حزب الله» إليها لبنان وبالأخصّ الجنوب،
29・09・2026
بشير الجميل: الرئيس الذي ذهبت الدولة معه إلى قبره
داود رمّال
الأهم من ذلك أن اهتمام بشير بالمنطقة الغربية لم يكن فقط اهتمام عسكري بما يفعله الخصم. كان يريد معرفة أوضاع الناس هناك بصورة مستمرة. وكان على تواصل دائم مع أصدقاء له من سياسيين وصحافيين في المنطقة الغربية، ويسأل عن توافر المواد الأساسية، وعن الغذاء والدواء والمحروقات، وعن الأسعار وكيفية مساعدة السكان. وكان يعمل على تسهيل تمرير الطحين والأدوية بالتنسيق مع شخصيات في المنطقة الغربية...
11・09・2026
حين تصبح العمامة حزبية؛ قراءة في ملاحظات الشيخ محمد مهدي شمس الدين
داود رمّال
تتجاوز ملاحظة الشيخ محمد مهدي شمس الدين بشأن عدم مشروعية انتماء رجل الدين إلى حزب سياسي حدود الموقف من العمل الحزبي بالمعنى التنظيمي الضيق، لتلامس إشكالية أعمق تتصل بطبيعة الوظيفة الدينية وموقعها في المجال العام. فالمسألة، في جوهرها، ليست ما إذا كان رجل الدين يستطيع أن يكون سياسيًّا أو أن يتخذ موقفًا من قضايا الدولة والمجتمع...