.jpg)
انتهت في واشنطن، مطلع تموز الحالي، الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بالتوازي مع المحادثات الأميركية - الإيرانية التي انعقدت في منتجع بورغنشتوك السويسري، والتي دخلت بدورها مرحلة متقدمة. وتقاطع المساران عند نقطة محورية واحدة: مستقبل الجبهة اللبنانية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ينجح لبنان في تحويل هذا التقاطع إلى فرصة تعزز مصالحه الوطنية، أم يجد نفسه مجدّدًا يدفع ثمن تسوية تُصاغ خارج حدوده؟
مسار يتقدّم تحت الضغط الإيراني
لا يُخفى أن الزخم الذي شهده مسار واشنطن مرتبط عضويًّا بما جرى في سويسرا. فقد جعلت إيران إنهاء الحرب في لبنان أحد بنودها الأساسية في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، وأكد كبير مفاوضيها، محمد باقر قاليباف، إن دخول طهران في مفاوضات سويسرا والضغط الذي مارسته أسهما في خفض حدّة القتال في لبنان خلال أيام. كما تمّ الاتفاق على إنشاء خلية لخفض التصعيد في لبنان تضمّ الولايات المتحدة وإيران ودولًا وسيطة، من دون مشاركة إسرائيلية، بحسب تقارير عربية متطابقة.
ومن زاوية لبنانية رسمية، يشكل ذلك تحوّلًا إيجابيًّا، إذ إن حراكًا دوليًّا بهذا الحجم لم يكن متوافرًا سابقًا للضغط على إسرائيل بشكل غير مباشر. وتؤكد مصادر لبنانية أن بيروت تتابع نتائج اجتماعات سويسرا أملًا في أن تنعكس تثبيتًا لوقف إطلاق النار ودعمًا لمسار الانسحاب الإسرائيلي. وكان الرئيس جوزاف عون قد أعرب، مع انطلاق الجولة الخامسة، عن أمله في أن تشكل محطة حاسمة على طريق تثبيت وقف إطلاق النار واستعادة السيادة الكاملة وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
لكن لبنان يرفض أن يكون «مُلحقًا»
في المقابل، يحرص لبنان رسميًّا على إبقاء مسافة واضحة بين مساره التفاوضي مع إسرائيل والمسار الأميركي - الإيراني. فالمصادر اللبنانية تشدد على أن للبنان حقًّا في تسوية تنطلق من مصالحه الوطنية، لا من إلحاقه بصفقات القوى الخارجية، رغم سعيه للاستفادة من المناخ الذي تهيؤه المحادثات الإيرانية - الأميركية.
ويعكس هذا التوازن معضلة لبنانية تاريخية؛ فغالبية المحطات المفصلية التي شهدها لبنان خلال العقود الماضية جاءت في إطار تفاهمات إقليمية أو دولية أكبر، من اتفاق الطائف إلى القرار ١٧٠١، وصولًا إلى اللحظة الراهنة.
وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد أكد، خلال جولته الإقليمية في مطلع تموز، أن واشنطن تتعامل مباشرة مع الحكومة اللبنانية وأن «الملف اللبناني منفصل عن الملف الإيراني»، وأن مستقبل لبنان يقرره اللبنانيون أنفسهم. إلّا أن هذا الفصل يبدو، حتى الآن، أقرب إلى الموقف السياسي المعلن منه إلى الواقع العملي، إذ إن وجود خلية أميركية - إيرانية لخفض التصعيد في لبنان، وتشديد المسؤولين الأميركيين على متابعة تنفيذ التفاهمات المتعلقة بلبنان، يؤكدان أن الجبهة اللبنانية باتت جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، مهما قيل عن فصل المسارين.
إشارات ملموسة لكن غير مكتملة
على الأرض، ثمة مؤشرات إلى أن الضغط الأميركي - الإيراني يحدّ من هامش الحركة الإسرائيلي. فقد كشف مسؤول إسرائيلي رفيع، بحسب وسائل إعلام عبرية، أن واشنطن أبلغت تل أبيب بانتهاء التفويض الذي كان يتيح لها العمل بحرية واسعة في لبنان، في مؤشر إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تحاول فرض قيود على العمليات العسكرية، حتى وإن استمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في التأكيد أن قواته ما زالت تتمتع بحرية العمل.
غير أن هذه الإشارات لم تُترجم حتى الآن وقفًا فعليًّا للعمليات العسكرية. فقد استمرت الاعتداءات الإسرائيلية على جنوبي لبنان بعد وقف إطلاق النار المعلن عنه في الاتفاق الأميركي - الإيراني، وسقط ضحايا مدنيون في أكثر من منطقة، ما يعكس استمرار الفجوة بين المسار التفاوضي والواقع الميداني. وهذا التناقض يلخص حدود ما يمكن أن يحققه لبنان من زخم سويسرا: ضغط سياسي حقيقي، لكنه لم يتحول بعد إلى ضمانات واضحة وقابلة للتنفيذ.
«حزب الله»: رفض المسار وتحذير من «تنازلات مجانية»
تعقيد إضافي يفرض نفسه من الداخل اللبناني. فقد رفض الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم، مبدأ المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، معتبرًا أنها تمنح إسرائيل مكاسب سياسية مجانية، وداعيًا إلى اعتماد المفاوضات غير المباشرة التي يملك فيها المفاوض اللبناني «أوراق قوة أكبر».
كما رفض الحزب نتائج الجولة الرابعة من محادثات واشنطن بين لبنان وإسرائيل والتي ربطت تثبيت وقف إطلاق النار بانسحاب عناصره من جنوب الليطاني، معتبرًا أن جعل نزع سلاحه شرطًا مسبقًا يهدّد ما يسميه «عناصر قوة لبنان»، ومؤكدًا أنه لم يقدِّم أي التزام بعدم الرد على الهجمات الإسرائيلية.
ويجعل هذا الانقسام الداخلي الاستفادة اللبنانية من زخم سويسرا أمرًا غير مضمون، حتى لو توافرت الإرادة الدولية، لأن أي اتفاق يحتاج إلى حد أدنى من التوافق الداخلي حول مستقبل السلاح ودور الدولة وآليات تنفيذ أي تفاهمات محتملة.
الربح والثمن وجهان لمعادلة واحدة
الخلاصة الأقرب إلى الواقع أن لبنان لا يقف اليوم في موقع المستفيد الأول ولا في موقع الضحية الكاملة، بل في منطقة وسطى بين المعادلتين. فهو يستفيد من كون مصلحة إيران في إنجاح تفاهماتها مع واشنطن تدفعها إلى ممارسة ضغوط لتثبيت وقف النار في لبنان، وهو زخم دولي لم يكن متوافرًا بهذا المستوى من قبل.
لكن في المقابل، يدفع لبنان ثمن هذا الترابط، لأن أي تعثر في المسار الأميركي - الإيراني أو أي مواجهة جديدة بين طهران وتل أبيب ستنعكس مباشرة على الساحة اللبنانية التي تحولت، بحكم الجغرافيا والسياسة، إلى إحدى ساحات اختبار التفاهمات الإقليمية.
وبين تمسك الدولة اللبنانية باستعادة سيادتها الكاملة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، ورفض «حزب الله» لأي مقاربة تمسّ سلاحه، واستمرار إسرائيل في اختبار حدود الضغوط الأميركية، يبقى مستقبل هذه المفاوضات مفتوحًا على أكثر من احتمال.
ما بعد الجولة الخامسة: بداية مسار أم إدارة أزمة؟
ومع انتهاء الجولة الخامسة من مفاوضات واشنطن، وتوازيها مع استمرار المسار الأميركي - الإيراني في سويسرا، بدا واضحًا أن الصورة لم تصل بعد إلى خواتيم حاسمة، لكنها دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا ووضوحًا في آن.
فالمؤشرات السياسية التي رافقت الجولة الأخيرة عكست تقدّمًا في مستوى الضغوط الدولية على إسرائيل للحد من التصعيد، مقابل استمرار الفجوة بين التفاهمات السياسية والواقع الميداني الذي لم يشهد وقفًا كاملًا للعمليات، ما جعل النتائج أقرب إلى إدارة للصراع منها إلى تسويته.
في المقابل، لم تنجح المفاوضات بعد في إنتاج ضمانات نهائية أو آلية تنفيذ مستقرة يمكن للبنان البناء عليها بشكل دائم، فيما بقي الداخل اللبناني على حاله من الانقسام حول مقاربة الملف وحدود أي تسوية محتملة.
وبين من يرى في هذا المسار فرصة لتثبيت وقف إطلاق النار وتحصيل مكاسب تدريجية، ومن يعتبره إعادة إنتاج لتوازنات تُفرض على لبنان من الخارج، يبقى المشهد مفتوحًا على تطورات لاحقة ستحدد ما إذا كان ما جرى في الجولة الخامسة بداية مسار تسوية فعلية، أم محطة إضافية في إدارة أزمة طويلة.
ومع استمرار التداخل بين المسارين في واشنطن وسويسرا، يبقى السؤال الأساسي قائمًا: هل ينجح لبنان في تحويل هذا التقاطع الدولي إلى مكسب سيادي مستدام، أم يبقى في موقع المتأثر بتسويات لا يملك أدوات صياغتها بالكامل؟





