13・07・2026
من العدد ٣٦
العودة المعلّقة إلى بيت ليف: عدتُ قليلًا إلى الجنوب، ولم أعد إلى بيتنا المدمَّر


استيقظت صباحًا على خبر وقف إطلاق النار وعودة الجنوبيين إلى قراهم، بعد ثلاثة أشهر وخمسة أيام من العدوان الإسرائيلي واحتلال قرى الجنوب، رغم أن العدوان لم يتوقف فعليًّا.

توجّهتُ إلى النبطية، كما الكثيرٌ من أهالي الجنوب، لكنّ جزءًا كبيرًا منهم لم يتمكّن من العودة؛ فما زالت بعض القرى تحت الاحتلال، وما زالت قذائف المدفعية تتهدّدها.

أمّا أنا، ابنةُ بلدة بيت ليف الحدودية التي ما زالت محتلةً حتى هذه اللحظة، فحالي كحال شريحةٍ واسعةٍ من أهالي الجنوب؛ لا أستطيع العودة إلى قريتي، ولا رؤية أيّ أثرٍ لبيتنا الذي لم يعد موجودًا. وجدتُ نفسي معلّقةً بين العودة واللاعودة.

كان يرافقني خوف دائم من ألّا نعود أبدًا، وأن نعيش تحت الاحتلال كما عاش أهلنا من قبل. وعندما أُعلن وقف إطلاق النار، تسلّل إليّ بعض الأمل، لكنني سرعان ما أدركت أن عودتنا مؤجلة حتى انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من جنوبي لبنان.

وأنا أتجوّل في شوارع النبطية، رأيت أناسًا عادوا إلى قراهم وبيوتهم؛ منهم من وجَد منزله لم يزل قائمًا، ومنهم من وجَد منزله ركامًا. ورأيت آخرين يعودون أدراجهم لأنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى بيوتهم وأراضيهم.

كنت أسمعهم يسألون: «مفتوحة الطريق؟»، فيأتي الجواب: «لا، ما فيكن تفوتوا». فالاحتلال ما زال موجودًا في بعض قرى قضاء النبطية، مثل كفرتبنيت وزوطر الشرقية وزوطر الغربية، وكان يحاول في الوقت نفسه التقدّم نحو مرتفعات علي الطاهر واحتلالها.

أما أنا، فكنت أعيش حزني على بيت ليف وسط حزن النبطية. كنت أنظر إلى الركام والدمار وأتساءل: كيف تبدو بيت ليف الآن؟ كيف سيكون المشهد عندما نعود؟

أعتقد أنني سأبكي كثيرًا. فأنا لم أعِش حزني طوال الحرب، لم أبكِ بيت ليف، ولا بيتنا، ولا أصدقاء طفولتي الذين استشهدوا دفاعًا عنها.

أقف في وسط الشارع، بين الركام والخراب، وأتخيّل بيتنا الذي فجّره الاحتلال. أشعر وكأنني فقدت جزءًا مني.

تحدّثت مع رجل عاد إلى أرضه وبيته، وقد لاحظ كيف كنت أنظر بحزن إلى زرعه وأشجاره. أخبرته أن حديقته تذكّرني بحديقة منزلنا؛ تلك التي كانت أمي تعتني بها كل يوم، وتزرع فيها الحياة، والتي لن أراها مجددًا كما عرفتها.

رحت أُردد في داخلي: «إذا النبطية هيك، كيف بيت ليف؟».

كنت أعرف الجواب، لكن جزءًا مني كان يرفض تصديق المشهد.

لقد فجّروا بيت ليف وجرفوها حتى صارت رمادًا. قطعوا أشجار الزيتون والسنديان، ودمّروا «مقام الشهيد»، ذلك المقام الذي يزيد عمره على ثلاثمئة عام.

اختفت مدرّجات الساحة التي كنت ألعب عليها طفلة، وأختبئ خلفها من حبّات الزنزلخت. واندثر جامع البلدة، الذي كان جزءًا من طفولتي؛ أتذكر كيف كنا نلعب قرب بركة المياه ونهرب قبل أن يمسك بنا حارس المسجد.

أتذكّر البيوت التي عشت فيها قبل أن نبني بيتنا.

أتذكّر أول بيت، بدرجه الطويل ودارِه الصغيرة المطلة على الوادي، والذي قُصف في حرب تموز ٢٠٠٦.

وأتذكّر البيت الثاني في حارة مقام الشهيد، حيث كانت الساحة الواسعة التي لعبنا فيها كرة القدم، وكيف كنا نهرب من ختيار الحي بعدما يثقب لنا الكرة كي نتوقف عن إزعاجه.

أما البيت الثالث، فكان بيت جدّي. اشتقت إليه، واشتقت إلى جدّي. في حرب الستة والستين يومًا، أصاب صاروخ سقف البيت، وأذكر كم حزنت يومها عن جدّي، لأنني كنت أعرف كم يحب ذلك المكان.

أتذكّر أمسياتنا على سطح البيت، تحت عريشة العنب التي كان يعتني بها بحبٍّ، والتي أحببتها بقدر ما أحببته.

أما البيت الأخير، فهو بيتنا.

كبرت فيه، وعشت بين جدرانه أفراحي وأحزاني. كان جزءًا مني.

وكما تقول فيروز: «بيتي أنا بيتك»، كنت أرددها كلما تذكّرته. لكن البيت لم يعد موجودًا، وأنا... «ما إلي حدا».

وتساءلت: هل سنعود؟ أم سنبقى معلّقين بين العودة واللاعودة؟ وقف إطلاق نار، لكن من دون قرانا الحدودية.

هل سأرى بيت ليف مجدّدًا؟ هل سأقف أمام ركام بيتنا وأبكيه؟ هل سنشيّع أصدقاء طفولتي ونودّعهم كما يليق بهم؟

عندما تنتهي الحرب، سأعود.

سأعيش حزني كاملًا، وألملم ما تبقّى من البيت، وأحتضن زرع أمي، وأشجارها، وزيتون جدّي. سأفتّش عن بقايا جثث قططنا، وسأنام فوق الردم، وأغنّي للبيت: «بيتي أنا بيتك وما إلي حدا، من كتر ما ناديتك وسع المدى».

قبل مغادرتنا النبطية بدقائق، خرقت إسرائيل وقف إطلاق النار مجدّدًا في ذلك اليوم، بعدما حاولت التقدم نحو مرتفعات علي الطاهر، فأطلقت تجاهها القوات المتقدمة رشقة صاروخية استهدفت الآليات. في اللحظات الأولى، لم نكن نعرف مصدر إطلاق النار. تجمّدنا في أماكننا ننتظر أن نرى الدخان لنعرف مكان سقوط الصواريخ؛ للحظة شعرنا أننا الهدف.

حدث ذلك كله، خلال وجودنا قرب مستشفى النجدة الشعبية، كنت أقف أراقب عناصر الدفاع المدني والصليب الأحمر يستريحون في الباحة بعد أن أنهكتهم الحرب، وكأنها استراحة محارب. وكان قسم منهم يلعبون التنس، حين دوّى صوت الانفجار، توقف المسعفون لبرهة عن اللعب وصرخ أحدهم: «ما تقولوا رجعت الحرب! ما لحقنا نرتاح! كمّلوا الجولة قبل ما ترجع تولّع».

غادرت النبطية خوفًا من أن تتصاعد الأمور، فنُحاصر داخلها. وقبل أن أرحل، كنت أحدّق في دخان الصواريخ، وأفكر كيف أصبحت حياتنا معلّقة باتفاق مكتوب على ورق، وبغارة جوية تحدّد شكل بقائنا وعودتنا، وحتى شعورنا بالأمان. تساءلت: هل ستنتهي هذه الحرب حقًا؟ أم سنظلّ عالقين في دوامة العودة الجزئية والتهجير القسري المتكرر، منتظرين وقفًا حقيقيًّا لإطلاق النار وعودة دائمة.

مقالات مشابهة
02・08・2026
«البيئة الحاضنة للمقاومة»: من الدعوة إلى حماية «الجماعة» إلى عزلها!
فراس حمية
ساهمت هذه المحطات المتراكمة في نشأة الوعي الجمْعي الشيعي بالبيئة الحاضنة، دون أن يجد المصطلح طريقه إلى الخطاب السياسي كمدلول ذات بنية وهدف، ثم وصولًا إلى العام ٢٠٠٦ وإعلان الحزب انتصاره من بنت جبيل في خطابه الشهير: «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت»....وفي هذا الإطار، حمل مصطلح «البيئة الحاضنة» مشكلات جوهرية، منها التعميم المفرط والتسييس المفرط...
30・07・2026
في المعضلة اللبنانية: تشريح البُنية الذهنية والسياسية لمجتمعٍ يُعيد إنتاج أزمته
جمال نعيم
المشكلة هنا لا تكمن في غياب الأفراد العقلانيين، بل في عجزهم البنيوي عن التنظيم والتأثير. فالبنية السياسية والاجتماعية السائدة تكافئ الولاء أكثر ممّا تكافئ الكفاءة، وتعزّز الانتماءات الضيّقة على حساب الفضاء العام. بذلك يصبح الانخراط في اللعبة السياسية مشروطًا بالانتماء، لا بالكفاءة أو الرؤية.
25・07・2026
العطش إلى الجنوب: ما يتجاوز الحنين إلى حقّ الوجود
علي منصور
يتقاسم اللبنانيون، على اختلاف مناطقهم وطوائفهم، عادةً تكاد تكون الوحيدة التي لم تمسّها الانقسامات: فما إن تحلّ عطلة نهاية الأسبوع، أو مناسبات الأعياد، حتى تبدأ المدن بلفظ سكانها نحو الأطراف، وتستعيد القرى، للحظات، كثافةً سكانية فقَدتها منذ عقود. ومن يراقب الطرقات باتجاه الجبل أو البقاع أو الشمال أو الجنوب، في مساء كل يوم جمعة، يدرك أن القرية اللبنانية، رغم كل ما أصابها من إهمال الدولة...