
في ٢٨ شباط اغتيل المرشد الإيراني، علي خامنئي، بضربةٍ أميركية - إسرائيلية مشتركة افتُتحتْ بها الحرب الثانية مع إيران عام ٢٠٢٦. وبحسب تقارير أميركية، فقد طلب خامنئي خلال الحرب الأولى في حزيران ٢٠٢٥ من مجلس خبراء القيادة الاستعداد لاختيار خليفةٍ له. وتضيف التقارير أنَّ خامنئي نفسه رشَّح ثلاثة رجال دين كخيارات بديلة في حال اغتياله. وبالفعل، لم يحتجْ المجلس إلى مداولاتٍ طويلةٍ بعد الاغتيال حيث أُعلن، في ٩ آذار ٢٠٢٦، أي بعد أسبوعٍ واحدٍ تقريبًا، عن تولّي مجتبى خامنئي المنصب خلفًا لوالده وسطَ اعتراضاتٍ علنيةٍ نادرةٍ داخل إيران اعتبرتْ أنَّ هذا التَّوريث يعيد إنتاج نموذج حكم الشاه الذي قامت الثَّورة لإسقاطه، إضافةً إلى تقارير تحدَّثتْ عن ضغطٍ كبيرٍ مارسَه الحرس الثَّوري الإيراني لانتخاب مجتبى سريعًا.
في الرابع من آذار ٢٠٢٦ أُعلن عن تأجيل تشييع خامنئي الذي كان مُقررًا أن يُقام في الشهر نفسه على مدى ثلاثة أيام في طهران، قُم ومشهد، وذلك بسبب استمرار الحرب، ولم تُقَمْ مراسم التَّشييع إلَا بعد أربعةِ أشهرٍ تقريبًا من الاغتيال. في ١٣ حزيران أعلنت «لجنة إحياء ذكرى عروج الإمام الشهيد آية الله العظمى السيد علي الحسيني الخامنئي» في بيان حمل الرقم (٣)، عن برنامج التشييع كالتَّالي: يومي السبت والأحد، ٤ و٥ تموز، مراسم توديع في «مصلّى طهران الكبير»، أو «مصلّى الإمام الخميني» في طهران بحسب البيان؛ الاثنين ٦ تموز مراسم التشييع في طهران والثلاثاء ٧ تموز في مدينة قُم. أما الدفن فسيكون يوم الخميس ٩ تموز في روضة الإمام الرضا، الإمام الثَّامن للشِّيعة الإثني عشرية، في مدينة مشهد بعد مراسم تشييعه فيها. وبحسب البيان، يوافق يوم الخميس ٢٤ محرَّم ليلةَ «شهادة الإمام السجاد»، أي علي بن الحسين رابع أئمة الشِّيعة. ولم يُشِرْ البيان إلى تشييع لخامنئي في كربلاء والنجف يوم ٨ تموز ما قد يوحي بأنَّ تشييعه في العراق لم يكن محسومًا منذ البداية، إذْ إنَّ الإعلان عن تشييعه في العراق كان خلال مؤتمر صحافي للجنة المُنظمة بتاريخ ٢٢ حزيران حيث قال المتحدث باسم اللجنة إيمان عطارزاده إن تشييعه في العراق «استجابةً لطلب العلماء والعشائر والنُّخب العراقية». أي أنَّ الجثمان ينتقل من طهران إلى قُم جنوبًا، ثم يعبر الحدود غربًا إلى العراق حيث يُستقبل رسميًّا في مطار النجف الدولي تمهيدًا لتشييعه في النجف وكربلاء قبل العودة به إلى إيران لإتمام مراسم الدفن.
ليس لافتًا عدد المُشيِّعين ولا حجم وطريقة البثّ والاهتمام بالحدث. إنَّما اللافت هو أنَّ كُلَّ تفصيلٍ في هذا الحدث مدروسٌ ومُصمَّمٌ بعنايةٍ، بدءًا من أماكن التشييع والدفن مرورًا بالآيات القرآنية وصولًا إلى غياب وحضور شخصيات كان أبرزها المرشد الحالي مجتبى خامنئي. ولأنَّ المراسم أُقيمتْ بعد حسم مسألة السُّلطة وخلافة خامنئي بأربعةِ أشهرٍ، فإنَّ السُّؤال هنا ليس «من يحكم، أو سيحكم، إيران؟»، بل: لماذا لم تُستغلْ أيام الحداد السِّتَّة لتقديم القائد الجديد؟ بعبارةٍ أُخرى: لماذا لم يُشكِّل هذا الحدث مُناسَبةً لكسر حالة غياب مجتبى خامنئي، بوصفه القائد الجديد لإيران، في لحظةٍ تبدو، من حيث المبدأ، مُناسِبةً لكسر الغياب المُمتد منذ تولِّيه السُلطة؟ فمراسم التَّشييع، بحسب تغطيات غربية عديدة متابعة لتفاصيله، لم تتمْ بوصفها حدثًا بروتوكوليًّا لوفاة الزعيم الأعلى في البلاد. إنَّما أُديرتْ كعمليةٍ سياسيَّةٍ متكاملةٍ تعمَّدَ منظِّموها أن تكون مليئة إلى أقصى حدٍّ برمزيات دينية وميثولوجيَّة تحمل رسائل سياسيَّة، محليَّة وإقليميَّة، تهدفُ إلى أمرٍ واحدٍ هو منع أن يتحوَّل مقتل خامنئي إلى سؤالٍ عن مستقبل النِّظام الإيراني.
لم يكن اختيار توقيت مراسم التَّشييع عشوائيًّا، بل كان مدروسًا بقدر ما أنَّه كان طبيعيًّا وقابلًا للتَّوقُّع بالنَّظر إلى طبيعة النِّظام الإيراني الشِّيعي والعقيدة الدين- سياسيَّة التي يحكم بها. وبالتَّالي، إنَّ تأخير التَّشييع إلى شهر محرَّم الذي يرتبطُ باللَّحظات التَّأسيسيَّة الكُبرى للفكر الشِّيعي، أي حادثة كربلاء، لا يُمكن اعتبارُه نتيجةً لعوامل لوجستية إذْ أنَّه أقرب إلى أن يكون الخيط الذي يربطُ الحدث بأهدافه. هذا لا يعني أنَّ تشييعه في غير شهر محرَّم لن يُحقق هذه الأهداف ولن يُمكِّن الرَّمزيَّة الدِّينيَّة الشِّيعيَّة من التَّأثير، إنَّما تشييعه في مُحرَّم يُمكِّن هذه الرَّمزيات من العمل بطاقتها القُصوى إن جاز التَّعبير.
قبل الإعلان عن البرنامج المذكور أعلاه، قالت اللجنة المُنظِّمة في بيانٍ حمل الرقم (٢) في ٩ حزيران ٢٠٢٦، أنَّ التَّشييع سيتمُّ بعد اليوم العاشر من شهر محرَّم، اليوم الذي يحيي فيه الشِّيعة ذكرى مقتل الحسين بن علي في كربلاء. وكذلك قال رئيس بلدية طهران، علي رضا زاكاني، أنَّ إرجاء المراسم إلى بعد اليوم العاشر من محرَّم يهدف إلى السَّماح للمؤمنين بإكمال مراسم عاشوراء. وقد جاءت هذه التصريحات بعد معلوماتٍ متداولةٍ عن نيّة إيران تشييع خامنئي في الأيام الأولى من محرَّم. وبغضِّ النَّظر إذا كان هذا التَّضارب مقصودًا أم لا، فقد حقَّق تأجيلُ التَّشييع إلى الأيام العشرة الثانية من محرَّم هدفَيْن أساسيَّيْن: الأوَّل أنَّه ضاعفَ عددَ الأيَّام التي يُمكن استثمارها سياسيًّا في شهر مُحرَّم. فالمعروف أنَّ العشر الأوائل من محرَّم هي الأيام التي يكون فيها الشَّحن العاطفي في ذروتِه وبعدَ اليوم العاشر يبدأ هذا الشَّحن بالعودة إلى حالة استقرارٍ، إن جاز التَّعبير. بهذا المعنى، أضاف تشييع خامنئي أسبوعًا أو عشرة أيامٍ إضافيَّةٍ من الشَّحن العاطفي المُضاعَف. والهدف الثَّاني هو وضع حاجز يمنع من تقديم أو تفسير تشييع خامنئي كحدثٍ مُنافسٍ لعاشوراء نفسَها. فعدد الزوَّار لكربلاء في عاشوراء لهذا العام بلغ حوالى ٥ ملايين زائر، في حين تشير توقعات أن يبلغ عدد الزائرين في ذكرى أربعينية الحُسين حوالى ١٥ مليونًا. وبالتَّالي، حقَّق التَّأجيل للعشرة الثانية إمكانية استثمار الشهر بأكمله بوصفه إطارًا شعائريًّا جاهزًا لاستقبال واستيعاب حدثٍ جديدٍ دون أن يُنافس عاشوراء على الانتباه والاهتمام.
والأمرُ الذي ضاعفَ قُدرةَ المِخيال الشِّيعي العام على استحضار حادثة كربلاء وإسقاطها، برمزياتها وشخصيَّاتها، على الواقع هو أنَّ خامنئي لم يُقتل وحدَه. فقد قُتلَ معه في الضَّربة ذاتِها ابنته بشرى، صهره مصباح الهدى باقري كني، زوجة ابنه مجتبى زهراء حداد عادل، والأهم حفيدة خامنئي زهراء محمدي كلبايگاني التي تبلغ من العمر حوالى أربعة عشر شهرًا. وقد عُرضتْ توابيتُ العائلة إلى جانب تابوت خامنئي في مُصلّى طهران الكبير حيث دخلت الوفود وألقت النَّظرة الأخيرة على التوابيت. أمام مشهدِ مقتل عائلة «الإمام» كاملةً، من الجدّ إلى الحفيدة، تُشيَّعُ دُفعةً واحدةً في شهر مُحرَّم؛ أمام مشهدٍ كهذا، يصعبُ على العارف بالتُّراث الشِّيعي أنْ يتجاهل الصَّدى المُباشر لواقعة كربلاء التي لم يُقتل فيها الحُسين وحدَه، بل قُتل مع أهل بيته ومن بينهم ابنه الرَّضيع عبدالله. وكذلك يصعب على المِخيال الشِّيعي العام الذي رسَّخَه النِّظام الإيراني وربَّى أنصارَه عليه منذ العام ١٩٧٩؛ يصعب على مخيالٍ كهذا أن لا يُقيمَ هذا الرَّبطَ بين طهران وكربلاء، وبين علي خامنئي والإمام الحُسين، حتَّى لو لم يُعلن ذلك صراحةً. وبالتَّالي، لا يحتاج النِّظام الإيراني إلى إعلان هذا الرَّبط صراحةً، فالخطاب الرَّسمي المرافق لعملية التَّشييع انخرط بنفسِه في توظيفٍ مكثَّفٍ للرَّمزيَّة الدِّينيَّة والميثولوجيَّة لصياغةِ رسائل سياسيَّة، وكانت صورة «القائد/ الإمام» و«عائلته/ أهل بيته» مقتولين معًا إحدى أقوى أدوات هذا التَّوظيف: فمأساةُ الحُسين تُروى الآن كأنها استعادة حرفيَّة وحقيقيَّة، لا مجازيَّة فقط، لمظلوميَّة كربلاء واستمرارٌ لسرديَّة الصِّراع بين الحق والباطل، وبين الخير والشَّر، التي يقوم عليها الخطاب الثَّوري الإيراني منذ العام ١٩٧٩.
والجدير بالذِّكر أنَّ مثل هذه التمثُّلات والإسقاطات حدثت مع تشييع الأمين العام الأسبق لـ«حزب الله»، حسن نصرالله، في ٢٣ شباط ٢٠٢٥ والذي امتدَّ عمليًّا ليومين، إذْ بدأ التَّشييع الفعلي ليلةَ ٢٣ شباط في مشهدٍ أعاد فيه المخيال الشِّيعي تمثيل حال السَّيِّدة زينب بنت علي ليلةَ العاشر من محرَّم التي تُمثِّلُها ليلةُ تشييع نصرالله. واللَّافتُ في الأمر أنَّ الإسقاط في حالة نصرالله اقتصر على «الحُسين وأصحابه» حيث مثَّلتْ قيادات وحدة «الرَّضوان» في «حزب الله» التي اغتيلتْ مجتمعةً في ٢٠ أيلول ٢٠٢٤ أصحاب الحُسين الذين قُتلوا معه في كربلاء بالرَّغم من أنَّ قيادات الوحدة لم يُقتلوا مع نصرالله بضربةٍ واحدةٍ، لكنَّ هذا التَّمثيل كان حاضرًا في المخيال الشِّيعي العام. في حين أنَّ تشييع خامنئي امتد إلى تمثيل «الحسين وأهل بيته»، والتَّمثيلُ هُنا أشدُّ حضورًا لكَوْن عناصرِه الأساسيَّة حاضرة؛ العائلة كاملة، الموت معًا والموت قتلًا في معركة.
تُقيمُ مُعظم الدُّول جنازات قادتها في يومٍ أو يومين على الأكثر. حتَّى تشييع المرشد الأول لإيران، روح الله الخميني، تمّ خلال يومَيْ ٥ و٦ حزيران ١٩٨٩ والتَّأخير في دفنه يوم ٦ حزيران كان بسبب خروج الحشود عن السَّيطرة حيث سُجِّل وفاة ٨ وجرح ٥٠٠ آخرين نتيجة التَّدافع. بعبارةٍ أخرى، إنَّ القرار الإيراني بجعل مراسم التَّشييع تمتدُّ في الزمان لستة أيَّام (٤ - ٩ تموز) وفي المكان لخمس محطَّات في بلدين (طهران، قُم، النجف، كربلاء، مشهد) ليس قرارًا ناتجًا عن صعوبات لوجستيَّة فقط، فمن يستطيع تنظيم تشييع عابر للحدود الدولية يستطيع أن يُقيمَه في وقتٍ أقصر. صحيحٌ أنَّ الأعداد المُشاركة والتي تُقدَّرُ بين ١٢ و٢٠ مليونًا يصعبُ تنظيمُها واستيعابُها في يومٍ واحدٍ، بخاصَّةٍ مع تجربتهم السَّابقة في تشييع الخُميني، ما يعني أنَّ الوظيفة التَّشغيليَّة لمدّ التَّشييع زمانيًّا ومكانيًّا حاضرة في حسابات المُنظِّمين. لكن هذا لا ينفي أنَّ هذا المدَّ الطَّويل مقصودٌ ومدروسٌ، كأنَّه يعكسُ إرادةً بأن يتمَّ التَّشييعُ على مَهلٍ وأنْ يُقابَلَ الحماسُ والشَّحنُ العاطفي لدى المُشيِّعين والمُراقبين ببرودةٍ و«ديمومةٍ» للتَّشييع الباعث على هذه المشاعر. كأنَّه متروكٌ ليستمرَّ إلى أقصى وقتٍ مُمكنٍ دون الوصول إلى النُّقطةِ الحَرجةِ التي يفقدُ فيها هيبتَه. حدادٌ، استقبال وفود، صلاةٌ، تشييعٌ في طهران وقُم، استراحةٌ في إيران واستكمال التَّشييع في العراق، عودةٌ إلى إيران لاستكمال التَّشييع، ثم الدَّفن. كُلُّ يومٍ إضافيٍّ يعني انتباهًا أطول من الجمهور المحلِّي والعالمي ومن المُراقبين، ويعني أيضًا ذاكرةً أعمق، والأهم أنَّه يعني يومًا إضافيًّا من تأجيل أي سؤال عن الحُكم بعد خامنئي أو عن النِّظام نفسه.
هذه الإطالةُ في التَّشييع أقرب ما تكون إلى ما يسمّيه عالِم الأنثروبولوجيا البريطاني فيكتور تيرنر بـ«المرحلة الانتقالية» أو «الفضاء الانتقالي» (Liminal Phase/ Space) أي حين تكون الجماعةُ قد خرجت من نظامِها العام القديم ولم تدخل بعدُ في نظامٍ جديدٍ، فتُصبحُ الطُّقوسُ في هذه الحالة البينيَّة أداةً لإدارة هذا الانتقال المُعلَّق أكثر من كونها مناسَبةً للاحتفال أو الحداد وحدهما. وإطالةُ هذه المرحلة، سواءٌ عبر تأجيل التشييع أو تمديده، يُتيحُ للدَّولة/ النِّظام فرصةً أكبر ووقتًا أطول لاحتكار تعريف معنى غياب القائد قبل أن يتولَّى الرَّأي العام تعريف ذلك بنفسِه.
لم يكن اختيار «مصلّى الإمام الخميني» مصادفةً أو تفصيلًا لوجستيًّا، فالمُصلَّى نفسُه يُعدذُ فضاءً تأسيسيًّا إذ إنَّه سُمِّيَ بهذا الاسم تكريمًا لأوَّل مرشدٍ أعلى في إيران، كما أنَّه المسجد الذي تُقام فيه صلاة العيد الرسمية حيث كان خامنئي يؤمُّ المُصلِّين، كما أنَّه المكان الذي تُلقى فيه الخُطب الكُبرى، فهو المسجد الذي ألقى الخامنئي فيه خطبته الشَّهيرة باللَّغة العربية في تأبين الأمين العام لـ«حزب الله» في لبنان، حسن نصرالله، بتاريخ ٤ تشرين الأول ٢٠٢٤. والجديرُ بالذِّكر أيضًا أنَّ تصميم المسجد ليس محصورًا بعمارات إيران الحديثة إذْ إنَّ مصمِّمه استحضر فضاءات مختلفةٍ كانت تُعدُّ سابقًا جزءًا من المجال الحيوي الإيراني، بخاصَّةٍ في العهود الامبراطورية القديمة، مثل أذربيجان وجورجيا وغيرهما. وبالتَّالي يجمع هذا المكان، بين الرَّبط الحسِّي المُباشر خامنئي ومؤسِّس الجمهورية الإسلاميَّة، ويربطُ أيضًا بتاريخ إيران الإسلامي والإمبراطوري إضافةً إلى كونِه مركزًا ومنبرًا سياسيًّا ودينيًّا.
في المُصلَّى لم يتنافس أيُّ مسؤول، لا رئيس الجمهورية ولا كبار القادة، على مركز الصُّورة. المركزُ كان للنعش وحدَه في فضاءٍ مُثقلٍ باللون الأسود في الستائر والرايات الدَّاعية للثَّأر. واللافت أنَّ هذه الرايات السوداء المكتوب فيها بالعربية «يا لثارات الحسين»، والتي ظهرت في قاعة استقبال الوفود، كانت موضوعةً إلى جانب الأعلام الإيرانية بشكلٍ مدروس وليس إلى جانب كل علم إيراني وحسب. موضعُ عرض النُّعوش على يمينه علمٌ إيرانيٌّ ضخمٌ، تليه صورةٌ لقبضة خامنئي المضمومة باللونين الأحمر والأسود مع شعار «قوموا لله»، وهذه الصورة باتت الشعار الرسمي لمراسم التشييع. يليها سلسلة أعلام إيرانية أصغر من العلم الكبير وبين الواحد منها والآخر رايةُ الثَّأر السَّوداء. والأمرُ مُماثلُ على يسار مرتبة النُّعوش. إضافةً إلى أنَّ الجدار المقابل للنُّعوش فيه ما يُشبه المحراب وفيه ثلاث راياتٍ من الرايات السوداء إضافةً إلى كتابةٍ باللغة الفارسية باللونين الأخضر والأحمر، لونَيْ العلم الإيراني، «آقاى شهيد ايران». كل هذا يوحي بأنَّ الثَّأر هو رسالةٌ للوفودِ بالدَّرجة الأولى.
كما لم تظهر شاشاتٌ ضخمةٌ تعرضُ صوَرًا متتابعةً كما يحدث في كثير من المراسم الحديثة، إنما سادَ نوعٌ من الاقتصاد البصري المتعمَّد، حيث يمنحُ تقليلُ عدد العناصر المعروضة على الشاشة قوَّةً وحضورًا أكبر للعناصر القليلة الظاهرة، أو المعروضة. ولم يقتصر وجود الترميز البصري على النعش وحدَه، فبحسب ما نشرته الجزيرة فإن راية حمراء عملاقة رُفعت فوق مبنى المصلّى بأكمله إلى جانب صورة قبضة خامنئي التي قالت عنها اللجنة المنظمة للتشييع في بيانٍ حمل الرقم (٤) إن «هذه "القبضة المضمومة" التي تُعدّ العلامة الرسمية لتشييع فريد العصر، ليست مجرد رمز فحسب؛ بل هي تبلور لنفس تلك اليد الرحيمة لأب الأمة، والتي واجهت مرارًا وتكرارًا الاستكبار العالمي ولم ترتجف قط، ولم تنبسط إلّا لله». وينقل البيان أيضًا عن مجتبى خامنئي قوله: «لقد حظيتُ بشرف زيارة جسده الطاهر بعد استشهاده؛ فما رأيتُه كان جبلًا من الصلابة، وقد سمعتُ أن قبضته السليمة كانت مضمومة بقوة».
لم تكن الراية التي غطّت نعش خامنئي راية حسينية عامَّة. فبحسب تقرير نشرته «قناة الجزيرة»، الراية نفسها كانت قد رُفعت سابقًا فوق مقام الإمام الحسين في كربلاء. أما العبارة المكتوبةُ عليها، وعلى غيرها من الرايات، فهي «يا لثارات الحسين» وهي نداءٌ أو طلبٌ للثَّأر لدم الحُسين بن علي. وتُعدُّ هذه العبارةُ إحدى أكثر العبارات رسوخًا في التُّراثِ الشِّيعي، كما أنَّ الرايات التي تحملُ هذه العبارة تحملُ أبعادًا رمزيَّة وتاريخيَّة وميثولوجيَّة أكثر من أيِّ رايةٍ أُخرى. فهذه العبارةُ بالتحديد تجمعُ بين التَّاريخ والمُستقبل الموعود؛ فهي الشعارُ الذي رفعته «ثورةُ التَّوَّابين» عام ٦٥ للهجرة، والتي تُعدُّ الثَّورة الأولى التي تُطالبُ بالثأر لدم الحُسين. وكذلك هو شعارُ ثورة المُختار الثقفي عام ٦٦ للهجرة[١]. وبحسب الموروث الروائي الشِّيعي فهذه العبارةُ أيضًا هي شعار الإمام الثاني عشر، المهدي، حين يخرج في آخر الزَّمان مطالبًا بثأر الحسين وأهل بيته. وقد أكَّد مسؤولون إيرانيون كبار، كرئيس الجمهورية مسعود بزشكيان وقائد الجيش الإيراني أمير حاتمي، على حقهم في الثَّأر لمقتل خامنئي وتوعَّدوا بذلك. ومن المعاني التي تحملُها هذه الرايات أنَّ معركة الثَّأر هذه هي معركةٌ مُمتدَّةٌ أو نوعٌ من الحرب الدَّائمة تمامًا، كما أنَّ حروب الثَّأر للحسين وأهل بيته ممتدَّةٌ من حركة التَّوَّابين مرورًا بالمختار الثقفي وصولًا إلى المهديِّ الذي يقود آخر الحروب على هذه الأرض في آخر الزَّمان. بعبارةٍ ثانية، إن اكتمال الصُّورة الأساسيَّة لاختيار شهر محرَّم وعرض نعش خامنئي إلى جانب نعوش عائلته؛ كل هذا يكتمل مع الراية التي لا تكتفي باستحضار كربلاء بوصفها مأساةً تُستعادُ، بل بوصفِها بدايةً لـ«ثورةٍ دائمةٍ» أو حسابٍ مفتوحٍ لا يُغلق. فكما أنَّ الثَّأر لقتل الحسين لم ينته بمقتل قتَلته وتحوَّل إلى مشروع ثأرٍ امتدَّ لقرونٍ في الذَّاكرة الشِّيعيَّة ولم يزل ممتدًّا لا يُغلقُه سوى المهديِّ المُنتظر، تضعُ الرَّايةُ مقتل خامنئي في المسار نفسِه: ليس نهايةً، بل بدايةَ حسابٍ مفتوحٍ غير معروف التوقيت ولا الوسائل؛ وبحسب بعض القراءات فإنَّ هذا الغُموض هو جزءٌ من الرسالة: التهديد قائمٌ دون موعدٍ مسبق. لكن اللافت في مسألة الرايات أنَّ راية الثَّأر عادةً في إيران تكون باللون الأحمر لا الأسود، فبعدَ اغتيال قاسم سليماني وإسماعيل هنية وحتَّى بعد اغتيال خامنئي نفسه كانت إيران تُعلن عن قرارِها بالثَّأر من خلال رفع رايةٍ حمراء تحملُ عبارة «يا لثارات الحسين» فوق مسجد جمكران في قُم.
[١] تذكر بعض المصادر الشيعية المعتبرة أنَّ شعار ثورة المختار الثقفي كان «يا أهل ثارات الحسين».
شاء المُنظِّمون للمراسم أن يكون دخول الوفود لإلقاء نظرة الوداع لخامنئي، بعد التعريف عنهم، على إيقاع موسيقى جنائزية ترافقهم إلى مكان محدّدٍ يتقدّمهم جندي الاستقبال. وبعد أن يقف الوفد في مكانه، ينتهي العزف الموسيقي ويتلو قارئ قرآن آيةً أو بضع آياتٍ وأحيانًا لا تُتلى الآية كاملةً وإنما جزءٌ منها، ثم يُكمل الوفدُ مع عودة العزف الموسيقي الذي يرافقهم إلى حيث يقف رئيس إيران على رأس عددٍ من المسؤولين الذين يتقبَّلون التعازي، هُناك حيثُ ينقطعُ العزف ويعيدُ عريفُ المراسم شُكر الوفد. وبين مجموعةٍ من الوفود وأخرى، ثمة استراحةٌ تُتلى فيها آيةٌ أو آيتين من القرآن قبل البدء في استقبال دفعةٍ جديدة من الوفود. وقد حظيَ موضوع الآيات التي تُليتْ لكُلِّ وفدٍ بحيِّزٍ كبيرٍ، لعلَّه الأكبر، من التَّغطيات والتَّحليلات التي تابعت التشييع، إذ إنَّ المسألة تُعدُّ سابقةً في التاريخ الإسلامي الحديث وخروجًا عن المألوف والمُعتاد في الثقافة الإسلاميَّة الشِّيعيَّة والسُّنيَّة على حدٍّ سواء.
من خلال دراسة الآيات التي تُليت لـ٤٣ وفدًا تبيَّن أنَّ عدد السُّوَر التي تُليَ منها هي ١٢ سورة. وتكرَّرت التلاوة من بعض السُّوَر، فسورة آل عمران مثلًا تُلي منها آياتٌ لـ١٤ وفدًا، وسوَر: الفتح لـ٧ وفود، النساء لـ٦ وفود، البقرة لـ٤ وفود والأحزاب لـ٤ وفود. واللافتُ أنَّ الغالبية العُظمى من هذه الآيات هي آياتٌ مدنيَّة في حين أن جزءًا صغيرًا منها فقط مكِّي. والمعروف أن الآيات المدنية تحملُ أبعادًا اجتماعيَّةً وسياسيَّةً أكثر بكثير من الآيات المكيَّة، كما أنَّ الفترة المدنية في حياة النَّبي محمَّد هي عمليًّا فترة بداية صعود الإسلام الذي كان مُستضعفًا في مكَّة. من هُنا يأتي تأكيدُ إيران على تسمية الخامنئي بـ«إمام المُستضعَفين» في استعادةٍ واضحةٍ للأدبيَّات الثَّوريَّة الأولى، إذْ إنَّ حضور كلمة «مُستضعَفين» في الخطاب اليومي صار أكثر خفوتًا وأقلّ استعمالًا. وفي العموم، كانت الآيات ذات حقول دلالية محدودة تضمَّنت: الشَّهادة والحياة بعد الموت، الفتح والنصر الإلهي، الثَّبات وعدم الاستسلام للحزن، الجهاد والوفاء بالعهد، إضافةً إلى حقول وصفية تصف أحوال «المؤمنين» و«الكافرين»، وعددٍ قليلٌ نسبيًّا حمل طابعًا سياسيًّا مُباشرًا ظهَر بشكلٍ خاص مع الوفود التي تُليت لها آيات محدّدة[١]، في حين أنَّ كثيرًا من الوفود تشاركت الآيات نفسها.
والرسالة العامَّةُ لهذه الآيات تُشبه الكلمة المنسوبة لأبي بكر، بعد وفاة النَّبي: «من كان يعبد محمَّدًا فإن محمَّدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت». فالرسالةُ الإيرانيَّةُ هنا ليست أنَّ خامنئي مات والمشروع مستمر وحسب، بل إنَّ موته بهذه الطَّريقة هو دفعةٌ جديدةٌ للمشروع وبداية مرحلةٍ جديدةٍ تُشبه المرحلة المدنية في تاريخ الإسلام. والمخيال الشِّيعيُّ العام بطبيعته يستطيعُ استيعاب موت قياداته قتلًا وإعادة تقديم ذلك على أنه إعادةُ تأسيسٍ للفكرة، وقد ظهرَ هذا في دُعابةٍ استُعملت بعد الإعلان عن انتخاب مجتبى خامنئي. تقول الدُعابة «ترامب قتل خامنئي بعمر ٨٧ سنة فعاد خامنئي بعمر ٥٦ سنة»، أو «خامنئي عاد شابًّا». وقد برز معنى الاستمرارية هذا في عدة مواضع منها تلاوة «ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا، بل أحياء عند ربهم يُرزقون» أمام الوفد الإيراني الرسمي فقط، في حين أنَّ ما تُلي أمام وفد الحشد الشعبي مثلًا هو: «ولا تقولوا لمن يُقتَل في سبيل الله أمواتٌ، بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون». فأمام الوفد الإيراني الرسمي ظهرَ معنى عوائد الحدث في كلمة «يُرزقون» في حين أنَّ الآية الثانية تركِّز على استمرارية الحياة دون الإشارة إلى العوائد أو النَّصر. وهذا أيضًا ما قد يعكسُه توقيتُ الدَّفن مع ذكرى ليلة وفاة علي بن الحسين، الإمام الرَّابع، الذي يُجسِّدُ معنى استمراريَّة الإمامة في نسْل الإمام علي بن أبي طالب والسَّيِّدة فاطمة بنت النَّبي بعد حادثة كربلاء.
كذلك تمَّت تلاوة سورة النصر كاملة أمام وفد الاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة بافل جلال طالباني، ومن المعروف أنَّ هذه السُّورة تُقرأ في بعض التَّفسيرات المأثورة على أنَّها إشارةٌ إلى اقتراب اكتمال الرِّسالة ووفاة النَّبيِّ، ما يجعلُها من أكثر الاختيارات دلالة على وضع رحيل خامنئي في موقع «اكتمال المهمة» لا «انقطاعها».
وكان لافتًا أنَّ إحدى الاستراحات شهدت تلاوة آيات من سورة آل عمران [١٥١، ١٥٢] تتحدث عن غزوة أُحد وتتضمَّن نقدًا ذاتيًّا صريحًا للمسلمين أنفسهم، قبل أن تُختم بالعفو الإلهي؛ وهي من أكثر النصوص إثارة للانتباه في القائمة كلها، إذ أدخلت نبرة مساءلة داخلية، ولو عابرة، إلى مشهد صيغ في معظمه بلغة اليقين والانتصار. والجديرُ بالذِّكر أيضًا أنَّ الدُّول التي تملكُ إيران أذرعًا فيها، أي العراق ولبنان واليمن وفلسطين، فقد تُليتْ لوفود هذه الفصائل آياتٌ تختلفُ برسائلها ومعانيها عن الآيات التي تُليت للوفود الرسمية لهذه الدول.
أما الآية الأبرز فكانت تلك التي رافقت نائب وزير الخارجية السعودي [آل عمران، ١٣] والتي قسمت المشهد في المنطقة إلى «فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة». وبحسب التفسيرات فهذه الآية ترتبطُ بمعركة بدر التي تُعدُّ من أبرز وأهم وأول المعارك للمسلمين الذين حققوا فيها انتصارًا حاسمًا. وحين تُتلى هذه الثنائية الحادة تحديدًا أمام وفد سعودي، في ذروة مسار تطبيع دبلوماسي أعقب سنوات من القطيعة والصراع بالوكالة، يصعب حصر دلالتها في المعنى التاريخي المجرد. ويزداد هذا التوتر واقعيةً إذا استُحضر أن الحرب الأخيرة نفسها لم تُبقِ الأراضي السعودية بمنأى عنها: ففي آذار ٢٠٢٦، قصفت إيران قاعدة الأمير سلطان الجوية داخل المملكة بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، ما أدّى إلى إصابة أكثر من خمسة عشر جنديًّا أميركيًّا، إضافةً إلى أضرار في الطائرات والمعدّات. ولم تُقدَّم تلك الضربة بوصفها استهدافًا للمملكة، بل لـ«القوات والمصالح الأميركية» على أرضها، وهو تمييز دقيق حافظت عليه طهران خطابيًّا حتى في ذروة القصف، وهو ما يمنح آية «فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة» صدى إضافيًا حين تُتلى أمام وفد دولة استُهدفت أراضيها فعليًّا، لا الحلفاء الغربيين وحدهم، تحت التسمية القانونية نفسها. وقد لاحظت الجزيرة بدورها أن اختيار هذه الآية تحديدًا «فسّره محلّلون بأكثر من طريقة»، وهو ما يعزّز الحذَر المنهجي في قراءتها بوصفها رسالة قاطعة النّية. وفي المقابل، استحضرت آية الإسراء [الإسراء، ١] مع وفد رجال الدين الفلسطينيين لتثبيت الرابطة بين القضية الفلسطينية ومشروع الجمهورية الإسلامية.
لم يكسر انضباط هذا المشهد سوى وفد عائلة الخميني، برئاسة حفيده حسن، الذي غادرَ قبل انتهاء تلاوة الآية المُخصصة له، كما لم يرفع أعضاء الوفد أيديهم لقراءة الفاتحة. وقد فُسِّر هذا التصرُّف بأنه اعتراضٌ على الآية التي تُليت وهي: «لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أُولي الضرر (هنا غادر الوفد) والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم». تفصيل بروتوكولي صغير، لكنه الاستثناء الذي يوضح أن الانضباط الكامل في كل ما سبق لم يكن طبيعة عفوية، بل قرارًا مُحكمًا.
[١] هذه الوفود هي: وفد «حزب الله» مع العائلات، وفد رئيس وزراء باكستان، الوفد الأوزبكي، الوفد الأرمني، الوفد المصري، الوفد الجورجي، وفد «حزب الله» برئاسة محمود قماطي، الوفد الناميبي، الوفد السعودي، وفد كازاخستان، وفد منظمة شانغهاي للتعاون، وفد رئيس مجلس جمهورية باكستان الإسلامية، الوفد اللبناني ممثَّلًا بوزير الدفاع، وفد بافل جلال طالباني، وفد الكونغو برازافيل، الوفد السريلانكي، وفد «حركة أمل»، وفد الحوثي، وفد رجال الدين الفلسطينيين، وفد رئيس مجلس النواب العراقي، وفد «حزب الله» العراقي.
وفودٌ رسميَّةٌ من دول إقليمية كبرى إلى جانب ممثِّلين عن فصائل وتنظيماتٍ «حليفة» لإيران كلهم دخلوا في مشهدٍ واحدٍ تقريبًا. لم تتحوَّل المراسم إلى قمَّة دبلوماسيَّة رغم الحضور الكثيف، ولم تُقدَّمْ صوَر المصافحات بوصفها الرِّسالة الأساسية رغم أنَّها المرَّة الأولى ربَّما في تاريخ إيران التي يجتمع فيها هذا القدر من ممثلي الدول والجماعات، كما لم تتغيَّر لغة الدَّولة أمام تنوُّع العالَم الخارجي الحاضر في إيران. فالرِّسالة هنا كانت أعمق من الحِداد. إيران لم تعرض العالَم على جمهورها، بل عرضت نفسَها على العالَم. وفقَ الشُّروط واللُّغةِ اللتين اختارتهما هي. وبالتَّالي، لم تكن تبحث عن اعترافٍ خارجيٍّ من العالَم بقدر ما أنَّها كانت تُظهِّرُ أنَّها تملكُ فضاءها الرَّمزيَّ الخاص وتدعو الآخرين إلى دخوله دون أن تُغيِّر قواعدَه من أجل أحد.
شكَّل غيابُ المرشد الجديد لإيران عن مراسم التَّشييع التفصيل الأكثر إثارة للانتباه. ورغمَ أنَّ الإعلان عن اختياره مرشدًا أعلى قبل التَّشييع بحوالى أشهر، بقي مجتبى خامنئي خارج مركز الصُّورة تمامًا: لا حضورَ مباشرًا يُشكِّلُ لحظةً احتفاليَّةً بظهوره ولا خطابًا مباشرًا مصوَّر مُسبقًا؛ فقط رسائل مكتوبة من بعيد. كُلُّ هذا الغياب يُبرَّرُ بأنَّه تفادٍ لتهديداتٍ أمنيَّةٍ مباشرةٍ. لكنَّ التَّبرير الأمني وحدَه لا يُفسِّرُ لماذا اختارَ النِّظامُ هذا الصَّمتَ الكامل بدلًا من الظُّهور المحدود والمحروس كما تفعل حكوماتٌ أُخرى تواجه تهديداتٍ مُماثلة. بل أيضًا كما ظهرت قيادات الدولة والحرس الثَّوريِّ العُليا كُلُّها، علمًا أنَّ التهديدات التي تُحيطُ بهذه القيادات، بخاصة قيادات الحرس الثَّوري، ليست أقلَّ خطرًا من تلك التي تُحيط بالمرشد الجديد. أو بعبارةٍ أدقّ، الفارقُ ليس كبيرًا إلى الحدِّ الذي يُبرِّرُ ظهورَ هؤلاء بعد غيابِهم الطَّويل واستمرار غياب مجتبى خامنئي.
الغيابُ هُنا، أو الغيبةُ بعبارةٍ أكثر تعبيرًا، لا يعكسُ ضعفًا أو انعدام قُدرةٍ على الحضور بقدر ما أنَّه استثمارٌ واعٍٍ ومُتعمَّدٌ في مخيالٍ شيعيٍّ عميق الجذور: مخيال الغَيْبة، حيثُ لا يُشترطُ في القائد أن يكونَ حاضرًا بشكلٍ حسّيٍّ ليكون أهلًا للولاء والطَّاعة. يكفي أنَّ النَّاس «بايعتْ» مُجتبى دون أن تعرفَ عنه شيئًا، إذْ إنَّ ظهوره الإعلامي قبل تولّيه المنصب كان نادرًا. وفي الفكر والوجدان الشِّيعيَّيْن، يظلُّ الإمامُ الغائبُ مرجعيَّةً قائمةً تتمسَّكُ النَّاسُ بها رغم احتجابها عن الأنظار. فمجتبى خامنئي حين يختار أن يحضر بالكتابة بدلًا من الصُّورة، وبالرِّسالة التي تُقرأ لا بالخُطبةِ التي تُسمع، فإنَّه بذلك يستدعي، عن قصدٍ أو عن غير قصدٍ، النَّمط الرَّمزيَّ نفسَه الذي رافقَ المهديَّ المُنتظر في فترة غيبتِه الصُّغرى التي اقتصر تواصلُه فيه مع شيعته، بحسب الموروث الشِّيعي، على أربعةِ سفراء ينقلون رسائلَه وتوجيهاته.
كما يُخفِّفُ هذا الغياب المدروس من وطأة الاعتراضات داخل إيران على واقعٍ مفادُه أنَّ المنصب انتقل بالتَّوريث من الأب إلى الابن وهو ما يُخالف الخطاب الرَّسمي الذي يُؤسِّسُ شرعيَّة النِّظام على استمراريَّة الثَّورة لا على التَّوريث، كما ذهب البعضُ إلى أنَّ مجتبى لا يتمتَّعُ بالشُّروط المطلوب توفُّرُها في المرشد الأعلى. وبالتَّالي، حين لا يظهرُ مُجتبى في موقع الاحتفاء، يصعبُ حينها تصوير اللَّحظة على أنَّها تتويجٌ لوليّ العهد خلَفًا لوالدِه. فالغيابُ يُحاولُ وضعَ حدودٍ تُميِّزُ النِّظام الإيراني عن الأنظمة الملَكيَّة حيث يقفُ الوريثُ عادةً في الصَّفِّ الأوَّل منذ اللحظة الأولى لأن الرسالة المطلوبة هي استمرارية العرش؛ أما هنا فقد بقيت القيادة الجديدة خارج مركز الصورة، بينما استمرت الدولة تكرّر، عبر عناصر الطقس وحدها، أن الاستمرار يكمن في النظام لا في الشخص.
لن يُدفن خامنئي في العاصمة طهران حيث مارسَ السُّلطة لأكثر من ثلاثة عقود، ولا إلى جوار مؤسس الجمهورية الإسلاميَّة روح الله الخميني في مقبرة «بهشت زهراء» الأمر الذي كان سيعزّز صورة استمرارية مباشرة بين المؤسّس وخليفته؛ ولا في قُم حيث مركز الحوزة العلمية الإيرانية. بدلًا من ذلك، كان لمسار الرِّحلة الأخيرة خمس محطات: طهران، قُم، النَّجف، كربلاء وأخيرًا العودة إلى مسقط رأسه مشهد حيث سيُدفن عند مقام الإمام الرِّضا، بعدَ هذه الرِّحلة التي يخرجُ فيها من إيران للمرَّة الأولى منذ تولّيه منصب المرشد الأعلى عام ١٩٨٩ والمرَّة الأخيرة التي يتجاوزُ فيها الجُغرافيا السياسية لإيران.
هذا المسار ليس مسارًا جغرافيًّا وحسب، بل انتقالٌ رمزيٌّ متدرِّجٌ بين مستوياتٍ متعاقبةٍ من الشَّرعية: من الدَّولةِ الحديثةِ بمؤسّساتها في العاصمة طهران، إلى مركز المرجعيَّة الدِّينيَّة الإيرانيَّةِ في قُم، ثمَّ إلى النَّجف حيثُ المرجعيَّة الشِّيعيَّة التي تُشكِّلُ مع قُم قُطبَيْ العالَم الشِّيعي من جهة وحيث مرقد الإمام علي بن أبي طالب، أي حيث الارتباط بالعقيدة الشِّيعيَّة، بعدَها إلى كربلاء التي تختصرُ سرديَّة الاستشهاد التَّأسيسيَّة للفكر الشِّيعي، وفي النهاية عودةٌ إلى الذَّاكرة المُقدَّسةِ في مدينةٍ لا تُعرِّفُ نفسَها بأنَّها مركزٌ سياسيٌّ أو حوزَويّ، ولا بأنَّها مسقط رأس خامنئي، بل بوصفِها مدينةَ حجٍّ وزيارةٍ. عبور الجثمان فعليًّا في المدينة التي حصلت فيها واقعة كربلاء نفسها لا يستحضر السردية الحسينية استعارةً فحسب، بل يجسّدها حسيًّا بما يعزّز اللغة الدينية التي حكمت المراسم منذ يومها الأول. والرسالة الأخيرة لهذا المسار كانت واضحة: القائد خرج من موقع الحكم والقرار السياسي، ليدخل موقعًا أكثر ديمومة هو موقع الذاكرة والزيارة.
حين يفقد نظام سياسي قائده الأبرز، يصبح أمام خيارات محدودة سبق أن جرّبتها أنظمة أخرى. ففي الفاتيكان، لا تمثِّل جنازة البابا ذروة الحدث، بل مرحلته الأولى فقط؛ إذ تبدأ مباشرة إجراءات مؤسّسية مُعلنة لانتخاب خليفته عبر «مجمَع الكونكلاف»، فيبقى اهتمام الجمهور موزّعًا بين وداع الراحل وترقُّب القادم. أما في جنازة الرئيس المصري جمال عبدالناصر عام ١٩٧٠، فقد خرجت الحشود عن قدرة الدولة على الضبط تمامًا، وتعطّل الموكب أكثر من مرة تحت ضغط المشاركين، فتحولت العاطفة الشعبية نفسها إلى مركز الحدث. وحين شُيِّع مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني عام ١٩٨٩، اجتاحت الجماهير موقع القبر واضطر المنظِّمون لإعادة مراسم الدفن، في مشهد وثَّقته كاميرات العالم، عكَس أن الكاريزما الثورية كانت وقتها لا تزال تسبق البنية المؤسّسية للدولة الفتية.
لم يتكرّر أيٌّ من هذه الأنماط الثلاثة في تشييع خامنئي. فالمراسم لم تُفسح المجال أمام سؤال الخلافة كما في الفاتيكان، إذ إن الخلافة كانت قد حُسمت فعلًا؛ ولم تُترك الجماهير، رغم كثافتها غير المسبوقة، لتعيد تشكيل إيقاع المشهد كما حدث مع عبدالناصر؛ ولم يتكرّر انفلات عام ١٩٨٩ رغم أن الأعداد اليوم تفوق أعداد المشاركين في تشييع الخميني. هذا الفارق يكشف انتقال الدولة من مرحلة الشرعية الثورية، التي تحتاج إلى إثبات نفسها عبر عفوية الجماهير، إلى مرحلة الشرعية المؤسّسية والرمزية، التي تُثبت نفسها عبر قدرتها على إنتاج طقس مُحكم لا يفلت من يدها.
يجوزُ القول إنَّ النِّظام الإيراني لم يُنظِّم جنازةً بقدر ما أنَّه أدار عمليَّة انتقالِ شخصٍ من موقع صاحب السُّلطة والقرار إلى موقع المرجع الرَّمزيِّ الذي تستندُ إليه شرعيَّة الدَّولة والنِّظام. كُلُّ تفصيلٍ في هذا الحدث عمل في اتجاهٍ واحدٍ: تحويل موت القائد من نُقطة انقطاعٍ مُحتملةٍ إلى مادَّةٍ إضافيَّةٍ لاستمرار السَّرديَّة المؤسِّسةِ للجمهورية الإسلاميَّة منذ العام ١٩٧٩.
وبينما تُكتبُ هذه السُّطور، تتمُّ إجراءات تجهيز الجُثمان لإعادته إلى محطَّته الأخيرة في مشهد. بيدَ أنَّ الغايةَ من هذه المراسم قد اكتملت قبل إغلاق القبر. فمنذ اللّحظة التي اختارت فيها الدَّولة أن تصنع من ستة أيَّامٍ من الحِداد نصًّا مُتكاملًا، لا مُجرَّد بروتوكول وفاة زعيم، باتَ واضحًا أنَّ الرِّهان الحقيقي لم يكن على جسد الرَّجل ووجودِه الحِسِّي، بل على الرواية التي ستُقدِّمُ اسمَه بعد رحيله.
وهذا، ربَّما، هو الدَّرسُ الذي يتجاوزُ الحالةَ الإيرانيَّة. درسٌ مؤدَّاه أنَّ الأنظمة ذاتِ المرجعيَّات العقائديَّةِ لا تخافُ موت قادتِها بقدر ما أنَّها تخشى فقدان المعنى الذي يمنحهم موقعهم. وحين يأتي موتُ القادة متَّسِقًا مع سرديَّة الجماعة، وحين تنجح الجماعة في تحويل هذا الموت إلى طقسٍ مُحكم، فإنَّها بذلك لا تفقد شيئًا بموت القادة بقدر ما أنَّها تُنتجُ شرعيَّة جديدةً من صميم ما بدا للوهلة الأولى لحظة فَقْد. هذا ما جرى في الحالةِ الإيرانيَّة مع بندٍ واحدٍ إضافيٍّ يبقى مطروحًا دون تصريحٍ رسميٍّ بموعدِه: الثَّأر الذي وعَدت به الرَّايةُ نفسَها!
لا يُخفى أنَّ هذا الوعد بالثَّأر ليس استثناءً في تاريخ النِّظام الإيراني رغمَ استثنائيَّة الخامنئي. بل هو واحدٌ من سلسلةٍ طويلةٍ من الوعود المفتوحةِ التي استخدمها النِّظام لإحكام قبضته الدَّاخلية منذ تأسيسه: بدءًا بوعد تحرير القُدس، دون تحديدٍ واضحٍ لطبيعة اليوم الذي ستتحرَّر فيه القدس، مرورًا بالثَّأر لقاسم سليماني الذي اقتصرَ في الأيَّام الأولى لاغتياله على قصفٍ لقاعدتين أميركيَّتَيْن في العراق دون خسائر بشرية، ليُصارَ بعدَها إلى اعتبار أنَّ طرد القوات الأميركيَّة من المنطقة يُمثِّل «الاستراتيجيَّة طويلة المدى» للرَدّ، وليس انتهاءً بوعود الثَّأر لمقتل القيادات الإيرانيَّة خلال الحربين الأخيرتين. هذه السِّلسلةُ الطَّويلةُ تكشفُ أنَّ الغايةَ الأساسيَّةَ من الوعود ليست تحقيقَها، بل إبقاءها حيَّة: أُفقًا لا ينغلقُ وهدفًا لا يُنجَزُ وغايةً تغدو في الواقع وسيلةً لإعطاء النِّظام سببًا متجدِّدًا لتعبئة جمهوره وشرعيَّةً تمنحُ استمرار النِّظام معنًى إضافةً إلى «المصداقيَّة» أمام الجمهور. والثَّأر لخامنئي، بهذا المعنى، ليس بندًا استثنائيًّا، بل إضافةٌ كبيرةٌ إلى سجلٍّ كبيرٍ من الحسابات المفتوحة.
لا يُخفى أنَّ مراسمَ التَّشييع ورمزيَّاتِه تحمل معنًى واحدًا في إطارِه العام؛ وجودُ مرحلةٍ جديدةٍ قيد النُّشوء. ولا يُخفى أيضًا أنَّ المراحل الجديدة تُبنى بالدَّم في معظم الأحيان، ولا تُبنى إلَّا بالدَّم في بعض الأحيان. أمام كُلِّ هذا، يبقى السُّؤال المشروعُ قائمًا: هل ستكونُ الدِّماءُ التي سالَت في الحروب الماضية هي ثمنُ هذه المرحلة الجديدة؟ أم أنَّ هذه الرَّمزيات تُحضِّرُ الجمهور لاستقبالِ حربٍ جديدةٍ لن يخسرَ فيها الجمهور قياداتٍ تاريخيَّةٍ جديدةٍ لأنَّه قد خسرَها بالفعل؟ أسئلةٌ برسم المُستقبل الغامض كموعد الثَّأر للمُرشد!





