09・07・2026
من العدد ٣٦
الدويلة تلتهم الدولة أو معادلة الوطن في خدمة «المقاومة»

لم يكن تحرير الجنوب عام ٢٠٠٠ صكّ براءة أبديًّا، بل تحوّل مع مرور الزمن إلى الفخ الأكبر الذي ابتلع مفهوم الدولة بأكمله. في ميزان الربح والخسارة التاريخي، لم يربح الثنائي ("حزب الله" و"حركة أمل") سوى فائض قوة عسكري وسياسي، بينما خسر لبنان كينونته، هويته ومستقبل أجياله. إن التحرير الذي كان ينبغي أن يكون جسرًا للعبور نحو دولة المواطنة والمؤسسات جرى تحويره ليصبح مظلة تُؤشرعلى الخروج عن القانون. وبدلًا من أن تُسهم هذه المحطة في صهر المكوّنات اللبنانية تحت سقف الدستور، استُخدمت لفرض معادلة قسرية استبدلت منطق «المقاومة من أجل الوطن» بـ«الوطن في خدمة المقاومة»، مما أسّس لخلل بنيوي ضرب العقد الاجتماعي اللبناني في صميمه.

تحت مظلة هذا السلاح وصمت بندقيته، تمدّدت شبكات الفساد والمحاصصة الطائفية التي قادها نبيه بري ورجاله. عاث هذا التحالف في مؤسسات الأرض نهبًا منظّمًا تجاوز السطو المالي إلى تدمير البنية الهيكلية للبلاد. لقد جرى تعطيل القضاء واقتسام مغانم الوزارات وتمرير الصفقات المشبوهة كغنائم حرب، مما حرم الشعب من أبسط مقومات الحياة من كهرباء وماء وطبابة وتعليم.

 

جدار الحماية الزائف وأثره الشيعي

ولم يقتصر الأمر على المحاصصة بل أسّس هذا التحالف الميليشياوي لـ«دولة الفساد العميقة» التي حمَت الكارتيلات الاحتكارية والمصارف وهرّبت الثروات والمواد الأساسية عبر الحدود. هذا النهب المنظَّم لم يكن طعنة في ظهر الوطن فحسب بل كان، للمفارقة، الطعنة الأكبر الموجهة لـ«جمهور المقاومة» نفسه، للـ«بيئة الحاضنة» والجمهور العام الشيعي.

لقد جرى حرمان هذا الجمهور، شأنه شأن بقية اللبنانيين من جنى عمره وودائعه في المصارف، وتحمّل الوزر الأكبر من كلفة التدهور الاقتصادي والمعيشي. وبدلًا من تأمين مقومات الصمود الحقيقي عبر دولة الرعاية والعدالة الاجتماعية، جرى إفقار هذا المجتمع وإخضاعه لمنطق الإعاشة والصدَقات وإنشاء «جدار حماية» حول شبكات التهريب والمحتكرين للتغطية على السارقين الحقيقيين بلغة التخوين والترهيب الجاهزة ضد كل من يجرؤ على المحاسبة أو السؤال عن أموال الناس المنهوبة.

وبدلًا من حماية الحدود والسيادة، جرى تسليم القرار الوطني كرهينة رخيصة فوق طاولة المفاوضات الإقليمية ليتحول البلد بأكمله إلى ساحة بريد دموية وعزلة دولية خانقة دفعت بالبلاد إلى قاع الانهيار المالي والفقر المدقع. 

إنها ليست شراكة سياسية بل عملية اختطاف ممنهجة أحلّت «الدويلة» الفاسدة مكان الدولة. الحقيقة العارية اليوم هي أن الإنجاز الأوحد لهذا الثنائي هو تحويل لبنان من منارة للحياة والثقافة والازدهار إلى جثة هامدة تخضع لإنعاش المحاور الخارجية، بعد أن نحروا سيادته واقتصاده من الوريد إلى الوريد.

مقالات مشابهة
17・09・2026
عن ثوار ١٧ تشرين والثورة التي لم تعرف أعداءها...
فراس حمية
إنه لأمر مثير للملاحظة أن نجد مُطلقي جريدة «١٧ تشرين» إبان الحراك الشعبي عام ٢٠١٩، والتي حملت شعارات مثل «فليَكن خرابًا»، و«كلن يعني كلن»، و«إسقاط النظام»، و«إسقاط الحكومة»، و«إسقاط تحالف المال البورجوازي الطبقي»، ورفعت صور الزعماء مجتمعين، كونهم ممثلين عن الفساد والكارثة التي حلّت بأموال الناس ونهَبت مدّخراتهم، قد أعادوا التموضع خلف «حزب الله» في الحرب، على اعتبار أنه فصيل مقاوم....
16・09・2026
حين يسأل الجنوب عن ثمن الحرب: هل يتغيّر المزاج الشيعي تجاه «حزب الله»؟
رنا شمص
لأعوام طويلة، كان «حزب الله» قادرًا على تقديم الحرب باعتبارها معركة وجود، وعلى ربط سلاحه بحماية الشيعة ومواجهة إسرائيل. وكان هذا الخطاب يجد قبولًا واسعًا داخل بيئة رأت في الحزب قوة عسكرية وسياسية وفّرت لها في مراحل مختلفة، شعورًا بالحماية وقُدرة على الردع. لكن طول أمَد الحرب والنتائج الواضحة لها بدأ يفرض أسئلة مختلفة، بعدما أصبحت الحرب تجربة يومية من النزوح والدمار والخوف والخسارة.
13・09・2026
هل يتحَمّلُ «حزبُ اللهِ» وِزْرَ تدميرِ لبنان ؟!
علي مازح
لقد قلتُ منذ سنواتٍ وقبل اندلاعِ الحربِ الإسرائيليَّةِ على «حزبِ اللهِ»، ردًّا على ما يُسمَّى «مساندةَ غزَّة»، قلتُ: «إذا أرادَ "حزبُ اللهِ" تجنيبَ لبنانَ الدّمارَ والخرابَ في حالِ أرادت إسرائيلُ فعلًا مهاجمتَه (الحزب) لتدميرِهِ والقضاءِ عليه فعليْهِ تسليمُ أسلحتِه إلى الجيشِ اللبنانيّ والانخراطُ "إنْ سَنَحَت له الفرصةُ" في صفوفِهِ وصفوفِ الأجهزةِ الأمنيّةِ والعسكريّةِ الأُخرى...
أيضاً للكاتب/ة
05・09・2026
بين النفوذ وجذور الهوية هل يستعيد المجتمع الشيعي اللبناني أصالة تاريخه ؟
علي الضيقة
هذا التبدل العاصف طرأ على مجتمع عُرف تاريخيًّا بغِناه الفكري واعتزازه الراسخ بأصالته العربية ومرونته. لقد قدّم هذا المجتمع نموذجًا رياديًّا في التجديد والانخراط الوطني حيث جمع بين مرجعيات دينية إصلاحية انفتحت على الآخر كموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله، وبين قامات فكرية وأدبية وسياسية أغنت الأحزاب الوطنية واليسارية والأنشطة النقابية والصحافة...
07・08・2026
تجار الدّم وآلهة الوهم: في ضروة رفع الغطاء الشعبي عن مشروع السلاح العابر للحدود
علي الضيقة
إن هذا الانهيار لم يعد يمرّ بصمت أو خنوع، إذ يشهد الداخل اليوم تململًا صامتًا يتفاعل كالنار تحت الرماد. هذا التململ يتجلّى في النقاشات الجريئة داخل المجالس الخاصة، وفي عزوف الشباب عن التجنيد الأيديولوجي بعدما اصطدمت الشعارات الرنّانة بواقع الجوع والفقر وفقدان الأمان.
19・05・2026
وطن يأكل أبناءه، بعلبك الهرمل... ساحة العزاء المفتوحة
علي الضيقة
إنها الجنائز التي لا تنتهي والمواكب التي تشقُّ صمت البقاع لتزرع في ترابه غصّة لا تُمحى. تمتد الطريق من بعلبك إلى الهرمل كشريط من الوجع المعلّق فوق هامات الجبال، هناك حيث يسير الموت متبخترًا ببدلته المرقطة، يخطف شبابنا الذين ما زالوا في عمر الورد ويقتلعهم من أحضان أمهاتهم ومن بين يدَي أطفالهم ليُعيدهم إلينا جثامين باردة وصوَرًا تُعلَّق على الجدران الصامتة.