.jpg)
لم يكن تحرير الجنوب عام ٢٠٠٠ صكّ براءة أبديًّا، بل تحوّل مع مرور الزمن إلى الفخ الأكبر الذي ابتلع مفهوم الدولة بأكمله. في ميزان الربح والخسارة التاريخي، لم يربح الثنائي ("حزب الله" و"حركة أمل") سوى فائض قوة عسكري وسياسي، بينما خسر لبنان كينونته، هويته ومستقبل أجياله. إن التحرير الذي كان ينبغي أن يكون جسرًا للعبور نحو دولة المواطنة والمؤسسات جرى تحويره ليصبح مظلة تُؤشرعلى الخروج عن القانون. وبدلًا من أن تُسهم هذه المحطة في صهر المكوّنات اللبنانية تحت سقف الدستور، استُخدمت لفرض معادلة قسرية استبدلت منطق «المقاومة من أجل الوطن» بـ«الوطن في خدمة المقاومة»، مما أسّس لخلل بنيوي ضرب العقد الاجتماعي اللبناني في صميمه.
تحت مظلة هذا السلاح وصمت بندقيته، تمدّدت شبكات الفساد والمحاصصة الطائفية التي قادها نبيه بري ورجاله. عاث هذا التحالف في مؤسسات الأرض نهبًا منظّمًا تجاوز السطو المالي إلى تدمير البنية الهيكلية للبلاد. لقد جرى تعطيل القضاء واقتسام مغانم الوزارات وتمرير الصفقات المشبوهة كغنائم حرب، مما حرم الشعب من أبسط مقومات الحياة من كهرباء وماء وطبابة وتعليم.
جدار الحماية الزائف وأثره الشيعي
ولم يقتصر الأمر على المحاصصة بل أسّس هذا التحالف الميليشياوي لـ«دولة الفساد العميقة» التي حمَت الكارتيلات الاحتكارية والمصارف وهرّبت الثروات والمواد الأساسية عبر الحدود. هذا النهب المنظَّم لم يكن طعنة في ظهر الوطن فحسب بل كان، للمفارقة، الطعنة الأكبر الموجهة لـ«جمهور المقاومة» نفسه، للـ«بيئة الحاضنة» والجمهور العام الشيعي.
لقد جرى حرمان هذا الجمهور، شأنه شأن بقية اللبنانيين من جنى عمره وودائعه في المصارف، وتحمّل الوزر الأكبر من كلفة التدهور الاقتصادي والمعيشي. وبدلًا من تأمين مقومات الصمود الحقيقي عبر دولة الرعاية والعدالة الاجتماعية، جرى إفقار هذا المجتمع وإخضاعه لمنطق الإعاشة والصدَقات وإنشاء «جدار حماية» حول شبكات التهريب والمحتكرين للتغطية على السارقين الحقيقيين بلغة التخوين والترهيب الجاهزة ضد كل من يجرؤ على المحاسبة أو السؤال عن أموال الناس المنهوبة.
وبدلًا من حماية الحدود والسيادة، جرى تسليم القرار الوطني كرهينة رخيصة فوق طاولة المفاوضات الإقليمية ليتحول البلد بأكمله إلى ساحة بريد دموية وعزلة دولية خانقة دفعت بالبلاد إلى قاع الانهيار المالي والفقر المدقع.
إنها ليست شراكة سياسية بل عملية اختطاف ممنهجة أحلّت «الدويلة» الفاسدة مكان الدولة. الحقيقة العارية اليوم هي أن الإنجاز الأوحد لهذا الثنائي هو تحويل لبنان من منارة للحياة والثقافة والازدهار إلى جثة هامدة تخضع لإنعاش المحاور الخارجية، بعد أن نحروا سيادته واقتصاده من الوريد إلى الوريد.





