09・07・2026
من العدد ٣٦
بين مذكرات التفاهم ومعاهدات السلام… مَن يلعب على مَن؟

في عالم السياسة، ليست كل الاتفاقات متشابهة، فهناك فرق بين مذكرة تفاهم تُوقّع بين دولتين لتنظيم التعاون بينهما وتدارك الخلافات وإدارة المصالح المشتركة، وبين معاهدة سلام تُبرم لإنهاء الحروب أو النزاعات وفتح صفحة جديدة من العلاقات. لكن القاسم المشترك بينهما أن المصالح هي التي تحكم، لا الشعارات ولا العواطف.

فمذكرة التفاهم ليست مجرد ورقة بلا قيمة، كما يحاول البعض تصويرها، بل هي إطار سياسي قد يفرض التزامات واضحة على الأطراف ويؤسّس لتعاون اقتصادي أو أمني أو استراتيجي. أما معاهدة السلام، فهي أكثر إلزامًا من الناحية القانونية والسياسية، وتُرتب حقوقًا وواجبات واضحة بين الدول الموقِّعة عليها.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: عندما تتفق دولتان، هل تفكران بمصالح الدول المحيطة؟ الواقع يقول إن كل دولة تنظر أولًا إلى مصالحها الوطنية، لكنها في الوقت نفسه تأخذ في الاعتبار موازين القوى ومصالح الأطراف الأخرى، لأن أي اتفاق لا يعيش في فراغ، بل يتأثر بمحيطه الإقليمي والدولي.

ومن هنا، يصبح من الغريب أن يُصوَّر أي اتفاق أو تفاهم على أنه خيانة، فيما تُثبت التجارب أن الدول، مهما رفعت من شعارات، تعود في النهاية إلى لغة المصالح والتسويات. فلا أحد يستطيع أن يعيش إلى الأبد على السرديّات والشعارات، لأن الوقائع أقوى من الخطب، ولأن السياسة في النهاية هي فن إدارة المصالح لا إدارة الأحلام.

ولعل المثال الأوضح على تبدل السرديات هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي قدّم نفسه كرجل سلام وصفقات، وتعهّد بإنهاء الحروب ومنع اندلاع أخرى. لكن مع كل أزمة جديدة، كانت المواقف تتبدل والخطابات تتغيّر، ليعود منطق القوة والتهديد والحروب إلى الواجهة، وكأن كل الوعود السابقة لم تكن سوى جزء من رواية سياسية قابلة للتعديل والتبديل.

وفي النهاية، قد تختلف الأسماء بين مذكرة تفاهم ومعاهدة سلام، لكن الحقيقة واحدة: الدول تبحث عن مصالحها، والسياسيون يبدّلون رواياتهم بحسب الظروف، أما الشعوب فهي غالبًا من تدفع أثمان المغامرات وسوء الحسابات.

وبين من يبيع الناس أوهام الانتصارات الدائمة، ومَن يعِدهم بالسلام المطلق، يثبت التاريخ أن كثيرًا من الحكواتيين انتهوا إلى صناعة الحروب التي ادّعوا أنهم جاؤوا لمنعها. ويبقى السؤال: مَن يلعب على مَن، ومَن يملك الشجاعة للاعتراف بأن المصالح هي التي تحكم العالم، لا الشعارات؟

مقالات مشابهة
29・07・2026
تقديرات أوَّلية: فاتورة الدمار ٢٥ مليار دولار وخسارة غير مسبوقة في القدرة الإنتاجية
داود رمّال
تشير تقديرات أولية وتقارير اقتصادية دولية يجري إعدادها إلى أن نحو ٣٠ في المئة من القدرة الإنتاجية للبنان أصبحت عمليًّا خارج دائرة العمل نتيجة الواقع العسكري في الجنوب، حيث أدّت السيطرة الإسرائيلية المباشرة أو بالنيران على مساحات واسعة منه إلى تعطيل النشاط الاقتصادي في منطقة تمثّل أحد أهم محركات الاقتصاد الحقيقي. ولا يتعلق الأمر فقط بتوقف المؤسسات عن العمل..
21・07・2026
أوهام الانتصار الرمزي: كيف يهرب الخطاب الخشبي من كلفة الواقع؟
أكرم محمود
في أحد خطابات للشيخ نعيم قاسم اعتبر فيه أن «منع إسرائيل من الاستقرار في الأرض وقتلنا ليس بالشيء الهيِّن»، يمثل ذروة هذا النهج الهروبي. إنه منطق يعتمد بالدرجة الأولى على تزوير الحقائق القريبة، وقلب الأدوار، وصناعة ذرائع وهمية لتبرير كارثة استراتيجية دفع ثمنها، لبنان وجنوبه، من دمائه ومستقبله.
14・07・2026
لبنان بين مفاوضات واشنطن وسويسرا: استفادة محتملة أم ثمن مدفوع؟
جاد الأخوي
الخلاصة الأقرب إلى الواقع أن لبنان لا يقف اليوم في موقع المستفيد الأول ولا في موقع الضحية الكاملة، بل في منطقة وسطى بين المعادلتين. فهو يستفيد من كون مصلحة إيران في إنجاح تفاهماتها مع واشنطن تدفعها إلى ممارسة ضغوط لتثبيت وقف النار في لبنان، وهو زخم دولي لم يكن متوافرًا بهذا المستوى من قبل.
أيضاً للكاتب/ة
29・05・2026
الهجرة عندما تصبح مشروع النجاة الوحيد...
طارق عزت دندنش
لم تعُد الهجرة في لبنان مجرد خَيار لتحسين الوضع المعيشي، بل أصبحت عند كثير من الشباب مشروع نجاة وهروب من واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم. شباب يحملون الشهادات والطموحات، لكنهم يصطدمون بدولة عاجزة، واقتصاد منهار، وطبقة سياسية ما زالت تعيش خارج معاناة الناس، وكأن الوطن لم يعد يتّسع لأحلام أبنائه.
25・03・2026
لبنان بين بين فكيّ السلاح وضغط الانهيار؟
طارق عزت دندنش
في الأيام الأخيرة، انفجرت مجموعة مؤشّرات سياسية وأمنية توحي بأنّ لبنان يقف على مفترق تاريخي: حكومة تتحدّث عن حصر السلاح بالدولة، ضغوط دولية متصاعدة على «حزب الله»، محادثات مباشرة مع إسرائيل بعد أربعة عقود، واستنفار أممي للدفع نحو وقف التصعيد..
03・02・2026
بين ١٧ أيار و٢٧ تشرين وكاريش: أين ضاعت حقوق لبنان؟
طارق عزت دندنش
بين اتفاقٍ أُسقط بالشعارات، واتفاقات أُقرت بالتراضي، ضاعت حقوق لبنان تباعًا، لا بالهزيمة العسكرية بل بالتنازل السياسي المقنّع. المقارنة بين ١٧ أيار ١٩٨٣ و٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، وكاريش، ليست دفاعًا عن اتفاق ولا تبرئة لمرحلة...