01・07・2026
من العدد ٣٥
عندما تُستهدف الرئاسة: إيران في مواجهة خيار الدولة اللبنانية

منذ انتخاب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، برز في الخطاب السياسي اللبناني نقاش يتجاوز حدود الخلافات التقليدية حول البرامج والسياسات ليصل إلى جوهر موقع الدولة اللبنانية في معادلات الإقليم. وقد أخذ هذا النقاش منحًى أكثر حدّة مع تصاعد الحملات الإعلامية والسياسية التي استهدفت رئيس الجمهورية من قِبل وسائل إعلام إيرانية ومنصّات سياسية وإعلامية مرتبطة بمحور طهران، بالتزامن مع حملة تخوين واتهامات وشتائم قادَتها شخصيات وأوساط تدور في فلك «حزب الله» على خلفية مواقف الرئيس عون المتعلقة بحصرية السلاح، وبسْط سلطة الدولة، وخَيار التفاوض، ورفض ربط القرار اللبناني بالتجاذبات الإقليمية.

وقد شكّل تعليق وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي على مقابلة الرئيس عون مع شبكة «CNN» محطة مفصلية في هذا السياق، ليس فقط بسبب مضمونه السياسي، بل أيضًا بسبب دلالاته الدبلوماسية والقانونية والسيادية. فالردّ الإيراني تجاوز حدود الاختلاف في الرأي أو التعبير عن موقف سياسي إلى الدخول المباشر في سجال مع رئيس دولة ذات سيادة، بما يعكس حجم التوتر الذي أحدثته مواقف الرئاسة اللبنانية داخل دوائر القرار في طهران.

من الناحية القانونية، يثير استهداف رئيس الجمهورية إشكاليات متعددة ترتبط بموقع الرئاسة في النظام الدستوري اللبناني. فرئيس الجمهورية، بموجب الدستور، هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن وحامي الدستور واستقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه. وبالتالي فإن الحملات المنظمة التي تتضمن تحريضًا أو تشهيرًا أو إهانات ممنهجة لا تستهدف شخص الرئيس فحسب، بل تمسّ، بصورة مباشرة، المؤسسة الدستورية التي يمثّلها. وفي الفقه الدستوري المقارن، تُعتبر هيبة المؤسسات العليا جزءًا من عناصر استقرار النظام العام السياسي، الأمر الذي يفرض على السلطات المختصة واجب حماية الموقع الدستوري من محاولات النَّيل من شرعيته أو تقويض دوره.

أما إذا كان مصدر هذه الحملات خارجيًّا، فإن المسألة تكتسب بعدًا أكثر خطورة. فالقانون الدولي يقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وعندما تصدر مواقف هجومية من مسؤولين رسميين في دولة أجنبية تجاه رئيس دولة أخرى، فإن ذلك يطرح تساؤلات حول مدى التزام هذه الدولة بقواعد العلاقات الدولية وأحكام ميثاق الأمم المتحدة التي تشدد على احترام استقلال الدول وعدم التأثير على خياراتها السياسية الداخلية.

وفي البعد الدبلوماسي، لا يمكن فصل التصعيد الإيراني عن التحوّلات التي يشهدها لبنان منذ انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية. فالرئيس الجديد أرسل منذ الأشهر الأولى لوصوله إلى قصر بعبدا إشارات واضحة تؤكد أولوية الدولة اللبنانية على ما عداها، وضرورة إعادة بناء العلاقات الخارجية انطلاقًا من المصلحة الوطنية اللبنانية لا من مقتضيات المحاور الإقليمية. وقد ظهر ذلك في خطاباته الداخلية وفي لقاءاته الخارجية، كما تجلّى في تمسّكه بمبدأ استقلال القرار اللبناني ورفض تحويل لبنان إلى ساحة تفاوض أو ورقة ضغط ضمن الصراعات الإقليمية.

هذا التموضع السياسي يتناقض موضوعيًّا مع الرؤية التي حكمت جزءًا كبيرًا من المشهد اللبناني خلال العقود الماضية، حيث كان لبنان يُدرج في كثير من الأحيان ضمن منظومة النفوذ الإقليمي الإيراني عبر الدور العسكري والسياسي الذي لعبه «حزب الله». ومن هنا يمكن فهم الحساسية الإيرانية المتزايدة تجاه أي مقاربة رسمية لبنانية تؤكد الفصل بين المصالح اللبنانية والحسابات الاستراتيجية لطهران.

وتشير قراءة مسار الأحداث إلى أن الحملة على رئيس الجمهورية تحمل عدة أهداف متداخلة. الهدف الأول يتمثل في ممارسة ضغط سياسي ومعنوي على الرئاسة من أجل الحدِّ من اندفاعها نحو تكريس مرجعية الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية باعتبارها الجهة الوحيدة المخوّلة امتلاك قرار الحرب والسلم. أما الهدف الثاني فيرتبط بمحاولة تشويه صورة الرئيس داخل البيئة السياسية اللبنانية عبر تصويره كأنه يتبنّى خيارات خارجية أو يعمل وفق أجندات دولية، وهي مقاربة استخدمت تاريخيًّا في مواجهة شخصيات لبنانية عديدة عندما تعارضت مواقفها مع مصالح قوى الأمر الواقع.

أما الهدف الثالث، والأكثر أهمية، فيكمن في توجيه رسالة إلى الداخل اللبناني مفادها أن أي خروج عن السقف السياسي الذي رسمته طهران وحلفاؤها سيواجه بحملات إعلامية وسياسية واسعة. غير أن هذه الرسالة تبدو أقل فعالية مما كانت عليه في مراحل سابقة، نظرًا للتحوّلات العميقة التي شهدها لبنان بعد الانهيار المالي والاقتصادي، وازدياد القناعة لدى شرائح واسعة من اللبنانيين بأن ربط مستقبل الدولة بصراعات المنطقة كان أحد الأسباب الرئيسية لاستنزاف البلاد وإضعاف مؤسساتها.

كما أن الربط بين مواقف الرئيس عون الأخيرة وبين مسار العلاقات اللبنانية ـ الأميركية يكتسب أهمية خاصة. فالرئيس لم يطرح نفسه جزءًا من محور دولي في مواجهة محور آخر، بل ركّز على مفهوم الدولة الوطنية القادرة على بناء شراكاتها الخارجية وفق مصالحها. إلّا أن تمسّكه بالتعاون مع المجتمع الدولي، وبالأخصّ مع الولايات المتحدة والدول الغربية والعربية الداعمة لمؤسسات الدولة اللبنانية، فُسِّر في بعض الأوساط الإيرانية على أنه انتقال للبنان من دائرة النفوذ الإيراني إلى دائرة أكثر قربًا من الخيارات الغربية، وهو ما يفسر جزءًا من حدّة الردود الصادرة عن مسؤولين إيرانيين وإعلاميين مقرّبين من السلطة في طهران.

وتقود هذه المعطيات إلى جملة من الخلاصات الأساسية: أولًا، إن استهداف رئيس الجمهورية يتجاوز البعد الشخصي ليطال موقع الرئاسة بوصفه رمزًا للسيادة والشرعية الدستورية؛ ثانيًا، إن التدخل العلني لمسؤولين إيرانيين في السجال الداخلي اللبناني يطرح إشكاليات دبلوماسية تتعارض مع قواعد الاحترام المتبادل بين الدول؛ ثالثًا، إن الحملة السياسية والإعلامية تعكس وجود صراع فعلي بين مشروعين: مشروع الدولة اللبنانية المستقلة بقرارها ومؤسساتها، ومشروع إبقاء لبنان جزءًا من منظومة الاشتباك الإقليمي؛ رابعًا، إن نجاح أي رئيس للجمهورية في تثبيت استقلالية القرار الوطني يبقى مرتبطًا بقدرته على حشد توافق داخلي واسع حول أولوية الدولة فوق كل الاعتبارات الحزبية والمحورية. 

وأخيرًا، فإن مستقبل لبنان لن يُقاس بمدى انخراطه في صراعات الآخرين، بل بقدرته على استعادة منطق الدولة السيدة التي تقيم علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية العليا، بعيدًا من الوصايات والتجاذبات الإقليمية مهما كان مصدرها أو حجم نفوذها.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...
أيضاً للكاتب/ة
21・10・2026
أعلام الخلاف تكشف خطورة الاحتقان في الجنوب
داود رمّال
قد تبدو حادثة حومين الفوقا، في ظاهرها، خلافًا عاديًّا حول أعلام، لكنها في مضمونها تكشف مشكلة أكثر عمقًا تتصل بطبيعة العلاقة بين جمهورَي «حركة أمل» و«حزب الله» في الجنوب وفي كل المناطق، وبمدى قدرة الطرفين على ضبط التنافس بينهما ومنع تحوّله إلى احتكاك ميداني، خصوصًا في ظلّ حروب المقتَلة التي ساق «حزب الله» إليها لبنان وبالأخصّ الجنوب،
29・09・2026
بشير الجميل: الرئيس الذي ذهبت الدولة معه إلى قبره
داود رمّال
الأهم من ذلك أن اهتمام بشير بالمنطقة الغربية لم يكن فقط اهتمام عسكري بما يفعله الخصم. كان يريد معرفة أوضاع الناس هناك بصورة مستمرة. وكان على تواصل دائم مع أصدقاء له من سياسيين وصحافيين في المنطقة الغربية، ويسأل عن توافر المواد الأساسية، وعن الغذاء والدواء والمحروقات، وعن الأسعار وكيفية مساعدة السكان. وكان يعمل على تسهيل تمرير الطحين والأدوية بالتنسيق مع شخصيات في المنطقة الغربية...
11・09・2026
حين تصبح العمامة حزبية؛ قراءة في ملاحظات الشيخ محمد مهدي شمس الدين
داود رمّال
تتجاوز ملاحظة الشيخ محمد مهدي شمس الدين بشأن عدم مشروعية انتماء رجل الدين إلى حزب سياسي حدود الموقف من العمل الحزبي بالمعنى التنظيمي الضيق، لتلامس إشكالية أعمق تتصل بطبيعة الوظيفة الدينية وموقعها في المجال العام. فالمسألة، في جوهرها، ليست ما إذا كان رجل الدين يستطيع أن يكون سياسيًّا أو أن يتخذ موقفًا من قضايا الدولة والمجتمع...