.jpg)
خلال أسبوعٍ واحد من حزيران ٢٠٢٦، تعاقبت على اللبنانيين محطّاتٌ مفصلية: مذكرة تفاهم أميركية - إيرانية أدرجت لبنان في بندها الأول، وتصريحٌ جدالي لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، وسجالات على محطات التلفزة تحوّلت إلى عاصفة، تلاها توقيع اتفاقٍ إطار ثلاثي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. وهذه أحداثٌ متفاوتة الوزن والدلالة بالطبع، فلا يصحّ وضع تصريحٍ ساخر لصحافي في ميزان واحد مع اتفاقٍ إقليمي يَرسم مصير بلد، لكن ما يجمع تلك الأحداث ليس حجمها، بل طريقة تلقّي اللبنانيين لها. فمع كلّ محطّة، انقسموا إلى فريقين: فريقٍ يحتفل بنصرٍ موهوم، وفريقٍ يغرق في هزيمةٍ موهومة. ثم، بين محطّة وأخرى، كانت الأدوار تنعكس: مَن احتفل بالأمس يُحبَط اليوم، ومَن انكسر بالأمس ينتشي اليوم.
هذا التأرجح بين النشوة والإحباط، وهو يتبدّل مع كلّ تغيّرٍ في اتجاه الريح الإقليمية، هو في ذاته الدليل الأوضح على أن اللبنانيين باتوا أسرى ردّ الفعل، لا أصحاب فعل. والأخطر أن هذا الانشغال بالانفعال يحجب عنهم رؤية ما يجري فعلًا: إن مصير بلدهم بات يُرسَم بالكامل في مكانٍ آخر، من دون الرجوع إليهم، ومن دون أن يكون لهم أي دور خارج صفة المتلقّي المطيع؛ وأن صيغة الحكم التي قام عليها لبنان تتآكل أمام أعينهم من دون أن يكلّف أحدٌ نفسه عناء القراءة الهادئة لحجم الكارثة. فكثيرون يتعاملون مع المسألة اللبنانية بوصفها موقعًا يُتموضع فيه، لا قضيةً تُحمَل؛ فيقيس كلٌّ منهم الحدث بمقدار ما يقرّبه من حصّةٍ في السلطة المقبلة، فيتحوّل الموقف الوطني إلى ورقةٍ في مساومةٍ على الأدوار.
حين يصبح الانتصار والهزيمة وهمًا متبادلًا
عند توقيع المذكرة الأميركية - الإيرانية التي أُدرج فيها الملف اللبناني بوصفه جزءًا من التفاهم، اعتبر جمهور «حزب الله» وحلفائه أن إيران «انتصرت»، وأنها فرضت لبنان بندًا في تفاوضها مع واشنطن. في المقابل، دخل خصوم الحزب وإيران حالةً أشبه بالهزيمة والإحباط، وكأنّ الملف اللبناني قد سُلّم بالكامل إلى طهران.
ثم، بعد أيام، جاء توقيع اتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، فانعكس المشهد رأسًا على عقب: الفريق المعارض شعَر بالنشوة والانتصار، بينما شعَر جمهور الحزب وحلفائه بالخسارة، بل بالغدر. الفريق نفسه الذي كان منتصرًا بالأمس صار مهزومًا اليوم، والعكس صحيح؛ في غضون أيام معدودة، ومن دون أن يتغيّر شيءٌ جوهري في موقع لبنان نفسه، ولا في مواقع النازحين، ولا في وضع القرى المحتلة، ولا في الهجمات اليومية التي تنفّذها إسرائيل، ولا في المشهد المُربك والمُقلق الذي يحكم يوميات كلّ اللبنانيين.
وفي العمق، تكشف هذه المفارقة أمرًا لا ينتبه إليه المتخاصمون: إن اللبنانيين، على اختلاف اصطفافاتهم، باتوا جميعًا راغبين في التفاوض مع إسرائيل والوصول إلى تسوية. الخلاف لم يعد على مبدأ التفاوض، بل على هوية الطرف الذي يقوده. فكلّ فريق يريد أن يكون صاحب اليد العليا في التفاوض، اعتقادًا منه أن مَن يقود المسار ويوقّع على الاتفاق سيُمسك بمفاتيح الحكم في المرحلة المقبلة. وهذا وهمٌ يُضاف إلى الأوهام الأخرى؛ فالحقيقة الوحيدة الثابتة في المشهد أن جميع الأطراف ليسوا أكثر من متلقّين لما يُقرَّر بعيدًا منهم، ولا دور فعليًّا لهم في ما يجري في المنطقة. يتنازعون على قيادة قافلةٍ لا يملكون زمامها أصلًا.
التصريحات ليست زلّات لسان
في خضمّ هذا التأرجح، جاء تصريح محمد باقر قاليباف، خلال مقابلة تلفزيونية، والذي توجّه فيه إلى رافعي شعار «لا غزة ولا لبنان»، داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قائلًا: إن «لبنان قدّم أربعة آلاف شهيد من أجل إيران»، وإن هذا العدد يفوق مجموع شهداء إيران في حربها الأخيرة[١]، ليُثير موجة غضب واسعة، فامتلأت وسائل التواصل المناوئة بتعليقات اعتبرته دليلًا إضافيًّا على أن إيران تتعامل مع «حزب الله» بوصفه أداةً تخوض حروبها الإقليمية، وأن الشباب اللبناني يُدفع إلى القتال خدمةً لمشاريع لا صلة لها بالمصلحة الوطنية.
لكن الانفعال من هذا الكلام يتجاهل أنه ليس زلّة لسان ولا تصريحًا عابرًا، بل كلامٌ مقصودٌ بكلّ حرفٍ منه، صدَر عن مسؤولٍ رفيع في لحظةٍ سياسية حسّاسة. والأهمّ أنه لا يكشف جديدًا؛ فمَن يغضب اليوم من «تبعية» الحزب لإيران إنما يتصرّف وكأنه يكتشف للمرة الأولى علاقةً لم يُخفِها الحزب يومًا، بل جاهَر بها منذ تأسيسه.
وتكرّر النمط نفسه بعد أيام في واقعةٍ أصغر حجمًا لكنها أشدّ دلالة. ففي سجالٍ تلفزيوني على شاشة «العربية - الحدث» جمع الصحافيَّين قاسم قصير وعلي الأمين، وردًّا ساخرًا على سردية أن إيران هي مَن تقاتل في جنوبي لبنان، قال قصير ساخرًا: إن هناك «خمسين ألف جندي إيراني» يقاتلون في لبنان وأن «عشرة آلاف منهم سقطوا»، وأن ثمّة ترتيبات لإعادة الرحلات الجوية بين بيروت وطهران لنقل الجثامين[٢]. وكان واضحًا أن العبارة مزحةٌ وسخرية، لكنّ مقدّمة البرنامج تعاملت معها كمعلومةٍ تستحقّ التحقّق؛ ثم انتشر المقطع، فاستثمره خصوم الحزب بوصفه «اعترافًا خطيرًا»، وطالب ناشطون بفتح تحقيق مع قصير ومطالبة إيران بسحب مقاتليها، بينما ردّ مؤيّدو الحزب بأن الكلام اقتُطع من سياقه الساخر.
والمفارقة أن الطرفين انشغلا بالمزحة وتجاهلا أنها لا تُضيف إلى ولا تُنقص من حقيقةٍ معروفة. فالعلاقة العضوية بين الحزب وإيران ليست بموضع كشفٍ ولا تخمين، بل أعلنها الحزب صراحةً منذ «الرسالة المفتوحة إلى المستضعَفين في لبنان والعالم» عام ١٩٨٥، حين عرّف نفسه بوصفه امتدادًا للثورة الإسلامية في إيران وجزءًا من أمّةٍ عابرة للحدود، والتزم مبدأ ولاية الفقيه. ولم يكن ذلك شعارًا تأسيسيًّا عابرًا، بل ترجمَته القيادة إلى ممارسةٍ فعلية: فقرار خوض أول انتخابات نيابية عام ١٩٩٢ اتُّخذ بناءً على استفتاء الولي الفقيه آنذاك علي خامنئي، وظلّ الحزب يعتبر أن قرار الحرب والسلم يعود في نهاية المطاف إلى الولي الفقيه لا إلى مؤسسات الدولة اللبنانية. وهذا ما قوننه أمينه العام الحالي نعيم قاسم في كتابه «حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل»، إذ يعدّد صلاحيات الولي الفقيه، فيقول:
«... من الواضح حجم الصلاحيات المنوطة بالولي الفقيه، فهو أمين على تطبيق الأحكام الإسلامية والسهر على النظام الإسلامي، واتخاذ القرارات السياسية الكبرى التي ترتبط بمصالح الأمة، وهو الذي يملك صلاحية قرار الحرب أو السلم، ويتحمل مسؤولية أمن الناس وأموالهم وأعراضهم...»[٣].
كذلك لم يكن الدعم الإيراني سرًّا؛ فقد أعلن الأمين العام السابق حسن نصر الله عام ٢٠١٦ أن موازنة الحزب ورواتبه وسلاحه وصواريخه كلّها تأتي من الجمهورية الإسلامية، وكثيرًا ما عرّف عن نفسه بأنه «جندي في ولاية الفقيه». وعليه، فإن التعامل مع تصريح قاليباف أو مزحة قصير بوصفهما «اكتشافًا» إنما يُثبت أمرًا واحدًا: إننا لم نقرأ الحزب جيّدًا، ولا نعرف حقيقة ما يُعرِّف به عن نفسه منذ أربعة عقود.
ما الذي يكشفه الاتفاق فعلًا؟
لو توقّف اللبنانيون عن الانفعال وقرأوا المشهد بهدوء، لاكتشفوا أن أخطر ما في ذلك الأسبوع لم يكن تصريحًا ولا مزحة، بل ما حملته الوثائق نفسها. فمذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، المعروفة بـ«مذكرة إسلام آباد»، ذكرت لبنان بالاسم ونصّت على «الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كل الجبهات» وعلى التزام الطرفين بـ«ضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها»[٤]. بهذا صار مصير الترتيبات الأمنية في لبنان بندًا يُناقَش داخل وثيقةٍ ثنائية بين واشنطن وطهران، تتعامل مع إيران بوصفها طرفًا لا يمكن تجاوزه. ومن المفارقات الدالّة أن الجانب الإيراني وقّع عليها عبر قاليباف نفسه؛ أي أن صاحب التصريح الذي أثار الغضب هو أحد الموقّعين على وثيقةٍ تتناول لبنان وحربه.
ثم جاء اتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية ليُكمل الصورة من زاويةٍ مختلفة. فالاتفاق، المؤلَّف من أربعة عشر بندًا، لا يكتفي بإدارة الوضع القائم، بل ينصّ صراحةً على أن يُعيد لبنان «بناء احتكار الدولة لاستخدام القوة»، وعلى «نزع سلاح كل الجماعات المسلّحة غير الحكومية نزعًا كاملًا والتحقّق منه»، مقابل إعادة انتشار تدريجية للقوات الإسرائيلية. كما ينصّ على أن «الحكومة اللبنانية وحدها تملك السلطة السيادية للبتّ في مسائل الحرب والسلم»، وعلى منع تدفّق الأموال إلى أي جهةٍ مرتبطة بتلك الجماعات[٥].
ولا يمكن تجاهل ما يحمله البند الثالث عشر تحديدًا. فهو، وإن صيغ بصيغةٍ متبادلة تُلزم الطرفين بوقف جميع الأعمال العدائية أو الضارّة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية، يقع أثره العملي على لبنان أكثر من سواه؛ إذ إنه الطرف الذي يملك ملفّات قانونية فعلية يلجأ بها إلى المحافل الدولية في مواجهة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية. وبذلك يتخلّى لبنان عمليًّا عن إحدى أهمّ أدوات الدول الضعيفة في مواجهة الأقوى: السلاح القانوني والدبلوماسي الدولي. وهو في معناه الأعمق أبعد أثرًا من نزع السلاح العسكري نفسه، لأنه يُخرج لبنان من تحت المظلّة الدولية التي طالما استند إليها، ليضعه حصرًا تحت غطاءٍ أميركي - إسرائيلي. وهذا الانتقال، من مرجعيةٍ دولية إلى وصايةٍ ثنائية، قد يتحوّل هو نفسه إلى فتيلَ تفجيرٍ للوضع الداخلي، لا ضمانةً لاستقراره.
وهنا لا بدّ من الإشارة الى أن «حزب الله»، تحديدًا، يتحمّل القسط الأكبر من المسؤولية عما وصلنا إليه. فالدخول في «حرب إسناد» غزة، ثم القتال دفاعًا عن إيران وانتقامًا لمقتل المرشد، لم يكن قرارًا نابعًا من المصلحة الوطنية، بل خيارًا جرّ البلد إلى حربٍ لم يختَرها، وقدّم لإسرائيل الذريعة والوسيلة لتُحكم قبضتها على الأرض والقرار. ولذلك، فإن اعتراض الحزب على سلوك الحكومة والرئاستين قد يكون محقًّا في جوهره، لكنّ مَن أوصل لبنان واللبنانيين إلى هذا المأزق لا يملك أن يتعالى على غيره أو يرميه بالخيانة.
وهنا تتكشّف المفارقة الأعمق التي يحجبها الانفعال: إن الدولة اللبنانية وقّعت على وثيقةً تُعيد إليها قرار الحرب والسلم، في اللحظة نفسها التي يجدّد فيها «حزب الله»، على لسان أمينه العام، تمسّكه بإيران ومحورها، استنادًا إلى مرجعيةٍ راسخة تجعل قرار الحرب والسلم يعود إلى رؤيته وعقيدته لا إلى مؤسسات الدولة. تناقضٌ صريح يضرب السيادة في الصميم ويحتكر العنف الشرعي، لكنه تناقضٌ بين طرفين عاجزَين معًا: فالدولة وقّعت نصًّا غير واضح المعالم ولا النتائج، ولا تملك القدرة على تنفيذ ما تعهّدت به؛ والحزب، في المقابل، لا يملك تنفيذ ما يصرّح به، ولا يملك القرار فيه أصلًا خارج مسار المصلحة الإيرانية.
ولم يتأخّر الحزب في حسم موقفه. ففي خطابه في مسيرة يوم العاشر من محرّم في الضاحية الجنوبية، رفض أمينه العام نعيم قاسم أي تطبيع أو تنازلٍ عن العداء لإسرائيل أو قبولٍ بأي وجودٍ لها على الأرض اللبنانية، ودعا الدولة إلى تغيير مسارها التفاوضي، متمسّكًا ببند وقف إطلاق النار وبأن السيادة لا تكتمل إلّا إذا بقي تطبيقه محصورًا جنوب الليطاني. وشدّد بالتالي على أن الحزب سيبقى مع إيران ومحورها، واصفًا طهران بأنها «طريق الخلاص»، ومعلنًا أن فلسطين تبقى «البوصلة» وأنه يؤمن بتحريرها والوقوف إلى جانب شعبها[٦].
بهذا، لم يعد المشهد «إدارةً دولية متراضية» على وجود الحزب، كما قد يبدو لمن يقرأ الأمور بسطحية، بل تصادمٌ مباشر: دولةٌ وقّعت على نزع السلاح، وحزبٌ يرفضه علنًا ويربط بقاءه ببقاء إيران. والأخطر أن هذا التصادم لا يدور حول سياسةٍ أو حدود، بل حول السؤال الذي لم يُحسم منذ نشأة لبنان: مَن يملك قرار الحرب والسلم، الدولة أم قوةٌ خارج الدولة؟
الأخطر: تآكل صيغة الحكم
وراء كلّ هذا الضجيج، تكمن الكارثة التي لا يلتفت إليها أحد: إن لبنان بات في مهبّ الاتفاقات الإقليمية، يُرسَم مصيره في واشنطن وطهران وعلى طاولات التفاوض، بينما ينشغل أبناؤه بتوزيع أوسمة النصر والهزيمة على أنفسهم. لكن الأخطر من فقدان القرار الخارجي هو ما يكشفه هذا المشهد عن الداخل: إن صيغة الحكم التي قام عليها لبنان لم تعد قائمة فعليًّا. فما نشهده ليس خلافًا على سياسةٍ أو تفاوض، بل تآكلٌ للحدّ الأدنى من التصوّر المشترك للدولة. لم يعد الأفرقاء يرون بينهم قاسمًا مشتركًا واحدًا، بل صاروا فريقَين يتربّص كلٌّ منهما بالآخر، وينتظر كلٌّ منهما لحظة انكسار خصمه ليُعلن نصره، وهم في خضمّ هذا التربّص غير مستعدّين أصلًا لبذل أي جهدٍ في قراءة المشهد بهدوء، فيكتفون بردّ الفعل على كلّ حدثٍ عابر ويتركون الأسئلة الكبرى بلا جواب.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية، عبر العقود، أن الجماعات لا تتخلّى عن مصادر قوّتها حين تكون الدولة ضعيفة أو عاجزة أو فاقدة لثقة مواطنيها. ومن هنا، فإن العبرة ليست في توقيع اتفاقٍ من عدمه؛ فالحكومة وقّعت بالفعل إطارًا يتعهّد باستعادة احتكار الدولة للسلاح. العبرة في القدرة على تنفيذ ما وُقِّع عليه، وهي قدرةٌ لا يمنحها نصٌّ خارجي، بل تُبنى من الداخل: بدولةٍ تستعيد ثقة مواطنيها وتُقنع بيئة الحزب نفسها بأن سلاحها لم يعد ضروريًّا لحمايتها. فأي حديثٍ جدّي عن حصرية السلاح يمرّ أولًا عبر إعادة بناء الدولة، لا عبر اتفاقٍ يُوقَّع في الخارج ولا عبر رهانٍ على ضغطٍ دولي أو إسرائيلي يقوم مقام اللبنانيين بما عجزوا عنه. فالرهان على إسرائيل لإحداث تغييرٍ داخلي لم ينتج عبر العقدين الماضيين سوى شرعنةٍ للاحتلال من جهة، وتعزيزٍ لموقع الحزب داخل بيئته من جهة أخرى.
ومن هذه الزاوية، فإن المطلوب من رئاستَي الجمهورية والحكومة ليس الاكتفاء بالتوقيع ورفعه في وجه الخصوم بوصفه نصرًا، بل ترجمته إلى وقائع تمنح الدولة شرعيةً فعلية: انتزاع انسحابٍ إسرائيلي كامل، وتأمين عودة النازحين إلى قراهم، وإطلاق إعادة إعمارٍ حقيقية، وبناء مؤسساتٍ يثق بها المواطن. والأهمّ أن تكون هذه الخطوات غير مشروطةٍ بنزع السلاح؛ فربط مصير الناس وعودتهم وإعمار قراهم بمصير الحزب وسلاحه سيُقرأ نوعًا من العقاب الجماعي، ولن يكون إلّا مادةً داعمة لموقف الحزب وإعادة تثبيت سلطته على بيئته. وليس في هذا أي تهاونٍ في مسألة السلاح، فحصرية السلاح بيد الدولة مطلبٌ لا رجعة عنه وينبغي إنجازه؛ لكن الطريق إليه يمرّ عبر بناء الدولة لا عبر معاقبة بيئةٍ بأكملها. فالحزب لم يكبر في مواجهة الدولة بقدر ما كبر في غيابها، وكلّ فراغٍ تتركه تملؤه قوّةٌ غيرها؛ ومن هنا، فإن أمضى سلاحٍ ضدّ نفوذه هو حضور الدولة حيث غابت. فالتوقيع بلا قدرةٍ على التنفيذ يبقى حبرًا على ورق، بل قد يتحوّل عبئًا إذا تعهّدت الدولة بما لا تقدر عليه، وربما مدخلًا لاقتتالٍ داخلي تتشكّل عناصره يومًا بعد يوم.
أما الاكتفاء بالغضب من تصريحات المسؤولين الإيرانيين، أو الاحتفال بتوقيع اتفاق وكأنه إنجازٌ بذاته، أو إعادة إنتاج السجالات حول الولاءات، فلن يؤدّي إلّا إلى نتيجةٍ واحدة: تأكيد أن اللبنانيين ما زالوا يفضّلون الانفعال على السياسة، وردّ الفعل على بناء البدائل.
ولعلّ السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كلّ لبناني على نفسه، قبل أن يحتفل أو ينكسر مع كلّ خبر، هو: متى نتوقّف عن الانفعال، ونبدأ بقراءة ما هو أخطر؟
[١] محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني، في مقابلة ببرنامج «گفتگوی ویژه خبری» (الحوار الإخباري الخاص)، التلفزيون الإيراني الرسمي، ٢٧ خرداد ١٤٠٥ هـ.ش / ١٧ حزيران ٢٠٢٦؛ نقلتها قناة «الجديد»، ١٩ حزيران ٢٠٢٦.
[٢] «مقاتلو إيران في لبنان و"مزحة" قاسم قصير»، المدن – ميديا، ٢٣ حزيران ٢٠٢٦؛ في إشارة إلى مقابلة جمعت قاسم قصير وعلي الأمين على شاشة «العربية - الحدث».
[٣] نعيم قاسم، حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل، الطبعة الثالثة، ١٤٢٥ هـ / ٢٠٠٤ م، ص ٨٤.
[٤] مذكرة التفاهم الأميركية -الإيرانية المعروفة بـ«مذكرة إسلام آباد»، نُشر نصّها في منتصف حزيران/ يونيو ٢٠٢٦.
[٥] النصّ الرسمي للاتفاق الإطاري الثلاثي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، مكتب المتحدث الرسمي، وزارة الخارجية الأميركية، ٢٦ حزيران/يونيو ٢٠٢٦؛ والنصّ موقّع باللغة الإنكليزية.
[٦]كلمة الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في مسيرة يوم العاشر من محرم ١٤٤٨، الضاحية الجنوبية لبيروت، ٢٦ حزيران/ يونيو ٢٠٢٦، موقع العهد الإخباري (العلاقات الإعلامية في "حزب الله").





