.jpg)
تمهيد: في البدء كانت الحاكورة
لم تكن الشياح مجرد بقعة جغرافية على أطراف العاصمة، بل كانت رئة بيروت الخضراء الحانية. وقبل أن يجتاحها الإسمنت وتلتهمها ألسنة النار، كانت الأرض هنا طيبة ومعطاءة، ممتدة كبساط من الحواكير والبساتين الصغيرة التي لا تشبه مزارع الليمون واللوز الشاسعة في أقاصي البلاد، بل كانت بساتين حميمة تنبت فيها «مكوّنات صحن الفتوش»؛ من عروق النعناع المتشابكة، وأوراق البقدونس المخملية، إلى رؤوس الفجل الضاحكة وحبات البندورة التي غازلها الندى البيروتي. كان المزارع الشيّاحي يُودع الأرض عرقه صبيحة كل يوم، ليُنبت هذا العرق خُضارًا طازجة تزيّن موائد الجيران في الشياح وعين الرمانة، وتُحمل إلى أسواق العاصمة لتُطعم ناسها. كانت حياة هادئة، تسير ببطء دافئ، يتقاسم فيها الناس الخبز والملح، وتتداخل فيها الروابط الاجتماعية، حتى تخال المنطقة بأسرها عائلة واحدة ممتدة على جيرة الرصيف وحب الأرض.
الأحد الأسود:
حين حُبست الأنفاس في حرش بيروت
كان يوم أحدٍ عاديًّا من أيام نيسان اللبنانية عام ١٩٧٥. شمس الثالث عشر من ذلك الشهر كانت دافئة، تليق بضحكات الشباب وسعيهم وراء الفرح الصافي. كنا في حرش بيروت، نركض مع كرة القدم بنشوة العمر الغضّ، لا يشغل بالنا غير تسجيل هدفٍ أو الفوز بمباراة رفاقية تجمعنا تحت ظلال أشجار الصنوبر الوارفة. لم نكن نعلم، ونحن نتبادل الركلات والركض، أننا كنا نودّع، دون أن ندري، آخر ساعات عهدنا بزمن الأمان الساذج، وأن حياتنا على وشك أن تنقسم إلى ضفتين: ما قبل ذلك الأحد وما بعده.
في طريق العودة، بدأت ملامح الهواء تتغير، وصار للنسيم ثقل غريب. الشياح، التي ضجت دائمًا بالحياة والحركة وأصوات الباعة وصخب الجيران العفوي، كانت تغرق في صمت مريب ومفاجئ. الطرقات شبه خالية، الأرصفة مهجورة، والوجوه الواجمة تتطلع بوَجَل من خلف الشقوق والنوافذ المواربة. كان الخبر المشؤوم قد سبقنا وزلزل الأرجاء: «مجزرة البوسطة» في عين الرمانة المجاورة قد وقعت قبل نحو ساعة من وصولنا. بضع رصاصات غادرة كانت كفيلة بأن تفصم عروق الجوار، وتهزّ أركان الوطن. سقطت الكرة من بين أيدينا، وتوقفت اللعبة إلى الأبد. في ذلك الأحد، دخل الشياح تاريخ جديد، لا بل دخل كل لبنان تاريخًا جديدًا عُمّد بالمآسي والدم والموت، لتنتهي طفولة جيل كامل في لمحة عين، وتُعلن ولادة خطوط التماس اللعينة.
حرب السنتين:
عمال ومقاتلون على خط النار
لم تكن تلك المعركة عابرة، بل كانت فاتحة لدوّامة عبثية لا تنتهي. توالت الأحداث بإيقاع مرعب؛ جولة قتال أولى تتبعها ثانية، وصار الناس يعدّون الأيام بجولات الموت: قتال، ثم هدنة هشّة لا تصمد لساعات، ثم قتال أشرس، حتى تحوّل القتال إلى حالة مقيمة ودائمة بين البيوت. عُرفت تلك المرحلة بـ«حرب السنتين»، والتي انتهت بدخول قوات الردع العربية (الجيش السوري) كقوة لجم لكُرات النار المتدحرجة، لكن الجرح كان قد غار في لحم المدينة.
وقعت الشياح في قلب العاصفة وجهًا لوجه مع جارتها عين الرمانة. شهدت المنطقة جولات من المعارك الضارية التي لا ترحم؛ وصار القصف العشوائي المركّز خبز الأهالي اليومي، وتحوّل القنص المتبادل إلى شبح يترصّد بكل عين ترمش أو قدَم تخطو بين الأزقّة. أمام هذا الموت الزاحف الذي صار يطرق الأبواب، بدأت حركة هجرة معاكسة وقاسية؛ فنزح قسم واسع من عائلات الشياح، ميمّمين وجوههم شطر قراهم في الجنوب أو البقاع، بحثًا عن أمانٍ افتقدوه في بيوتهم التي هجرها الأمان واستوطنها الخوف.
هنا، انكسرت أجنحة الأحلام؛ فالشباب الذين كانوا بالأمس يتنافسون بروح رياضية ويدافعون عن ألوان «نادي النصر الرياضي - الشياح»، تحوّل معظمهم إلى حمل السلاح دفاعًا عن أحيائهم وعائلاتهم. ويتألم القلب حين يستذكر المرء رفاق الملاعب والملعب الذي قفِر؛ حيث استشهد معظم لاعبي هذا النادي العريق على خطوط التماس، لتتحول كؤوسهم الرياضية إلى تذكارات يكسوها رماد الحرب. ولم تسلَم الدورة الاقتصادية التي كانت فخر المنطقة وتؤمّن لقمة عيش الكادحين؛ فالتهمت النيران المعالم الصناعية للشياح، واحترق «معمل لافروتا» و«معمل غندور» و«معمل الرد شوز» (Red Shoes). ومع تصاعد دخان المصانع المحترقة، توقف هدير الآلات، وبشكل تراجيدي، تحوّل العمال والكسَبة من صنّاع حجر وبشر إلى مقاتلين مجبرين على خوض غمار حرب فُرضت عليهم أدواتها القاسية بعد أن سُرقت منهم مصادر رزقهم.
استراحة المحارب:
زمن «الدرابزين» وخلايا اليسار الصاخبة
بعد أن وضعت حرب السنتين أوزارها، التقطت الشياح أنفاسها المثقلة، ودخلت في مرحلة من الهدوء النسبي الذي امتد لثلاث أو أربع سنوات. لم يكن هدوءًا عقيمًا، بل كان حافلًا بحراك فكري، ثقافي وسياسي غير مسبوق في تاريخ المنطقة. تحولت الشياح إلى ساحة مفتوحة ومورِقة للتنافس الإيديولوجي؛ وصارت الأحزاب اليسارية والقومية هي صاحبة الصوت الأعلى والحضور الأقوى في الشوارع، والمقاهي والزواريب.
تنقّل الشباب بحماس ونهَم فكري بين أدبيات «الحزب الشيوعي اللبناني»، و«منظمة العمل الشيوعي»، و«حزب البعث العراقي»، و«حزب العمل الاشتراكي العربي». وفي الوقت نفسه، بزغ نجم «اللجان الثورية» (حركة الشغيلة) التي كان النائب السابق ناصر قنديل أحد أبرز رموزها الشابة والخطابية في الشياح آنذاك. وفي هذا المناخ المشتعل بالأمل والتغيير، تحولت ثانوية الحرش الرسمية من صرح تربوي تقليدي إلى خلية نحل طلابية صاخبة، شكلت امتدادًا طبيعيًّا وعصبًا نابضًا لليسار اللبناني، في مرحلة شهدت تراجعًا ملحوظًا لدور وحرية حركة «حركة فتح» وفصائل المقاومة الفلسطينية تحت وطأة المتابعة والقبضة المخابراتية للجيش السوري.
في تلك السنين، كانت السياسة تُصنع في الشارع وتُناقَش على الأرصفة، ولم يكن هناك منبر أصدق ولا أشهر من «درابزين المختار». كان هذا المحل المتواضع والشهير، المتخصص في بيع الألبان والأجبان الطازجة، يتحوّل في وهج الصيف إلى مقصد وملاذ لجميع أهالي المنطقة بفضل البوظة اللذيذة التي اشتهر بصناعتها. أمام المحل الواسع، كان يمتد ترّاس واسع يحيط به درابزين حديدي، تحوّل بمرور الوقت إلى صالون سياسي وثقافي يومي وعفوي. هناك، وفي كل عصر، كان يجتمع شباب المنطقة من مختلف الانتماءات الفكرية؛ ترقد بوظة الصيف الباردة على الطاولات، بينما تغلي الرؤوس بنقاشات ساخنة وطروحات تداخلت فيها آراء الماركسيين اللينينيين بنظريات القوميين والبعثيين. كان مشهدًا إنسانيًّا ساحرًا يجسّد حيوية جيل كان يظن، بكثير من النقاء والوعي، أن الكلمة، والكتاب والحوار، أدوات قادرة على إعادة صياغة الوطن وتغيير العالم نحو الأفضل.
عاصفة الثمانينات:
حين انكسر السيف وتبدّلت الهوية
لكن أحلام «الدرابزين» لم تدُم طويلًا؛ ومع إشراقة ثمانينات القرن الماضي، بدأت الرياح السياسية تهبّ من اتجاهات إقليمية ومحلية جديدة، وبدأت موازين القوى على الأرض تتشكل بلغة أكثر عنفًا وأُحادية. رويدًا رويدًا، بدأت «حركة أمل» تتصدّر المشهد السياسي والعسكري في الشياح، ودخلت في سلسلة من المعارك الجانبية الطاحنة ضد «حزب البعث - العراق»، وهي المواجهات التي انتهت تمامًا بإنهاء دور البعث وحضوره في المنطقة.
ولم يكد الغبار ينقشع، حتى دارت رحى معارك شرسة أخرى أخذت طابع تصفية الحسابات الإيديولوجية ضد «الحزب الشيوعي اللبناني». وبعد جولات قاسية ودامية من القتال في الشوارع والزواريب، اضطر «الحزب الشيوعي»، الحزب الذي ملأ الدنيا بنشاطه الثقافي والسياسي، إلى الانكفاء التام عن علانية الشارع والتحوّل نحو العمل السري والتنظيمي البعيد عن الأنظار.
ومع صعود ونمو البريق العسكري والتنظيمي لـ«حزب الله» على الساحة اللبنانية، دخلت الشياح الفصل الأكثر إيلامًا ومرارة في تاريخها الحديث. تفجّر الصراع الداخلي الضاري بين الإخوة؛ ودارت بين أزقة المنطقة الواحدة معارك طاحنة عُرفت بـ«حرب الإخوة» (بين «حركة أمل» و«حزب الله»). في تلك السنين العجاف، حُبس الأهالي في منازلهم وتحت أسرَّتهم، ليس بفعل قذائف الغرباء هذه المرة، بل بفعل خطوط تماس جديدة رُسمت بدم الأخوة داخل البيت الواحد والحيّ الواحد. طالت هذه الحقبة المأساوية واستنزفت أرواح الناس وأمنهم، ولم تنتهِ تلك الغصة إلّا باتفاق سياسي شائك بعد سنوات من القتال المرير الذي غيّر وجه الشياح، وهويّتها السياسية، ونسيجها الفكري إلى الأبد، مخلّفًا جراحًا عميقة في الوجدان الإنساني للمنطقة.
التسعينات وما بعدها:
الانبعاث من الرماد والغابة الإسمنتية
امتدت تداعيات تلك الحروب والصراعات الداخلية والخطوط العسكرية حتى مطلع التسعينات. لسنوات طويلة، لم تكن الشياح سوى منطقة عسكرية مغلقة، مسرحًا لخطوط التماس المتقدمة، ومشاهد يومية لا تتوقف من الألم والموت والدمار. في تلك الأيام، اضمحل أي نشاط اقتصادي، وأُقفرت الأسواق، وشُلّت الحياة تمامًا. وكان أولئك الذين أُجبروا على البقاء في منازلهم تحت وطأة هذا الكابوس، يقطعون الحواجز يوميًا في مغامرة محفوفة بالموت، لكي يجدوا لهم عملًا يقتاتون منه خارج حدود الشياح التي خنَقها الحصار والصراع.
ومع مطلع التسعينات، حانت لحظة الفرج التي انتظرها الناس طويلًا؛ طُويت صفحة الحرب الأهلية، ورُفعت السواتر الترابية والإسمنتية التي فصلت الشوارع عن بعضها وفصلت الإخوة عن جيرانهم. فُتحت الطرقات المغلقة، وعادت الحياة تتدفق تدريجيًّا في العروق الناشفة. لكن هذا الانبعاث حمل معه وجهًا آخر، ووجعًا من نوع مختلف. فالسنوات الطويلة من الحرب، مترافقة مع شحّ المياه الجوفية، دفعت مُلّاك الأراضي والحواكير الصغيرة إلى هجر الزراعة نهائيًّا. وبسبب غياب التخطيط التنظيمي المدني الموجّه من الدولة، برز نشاط عمراني وحشي وواسع النطاق اجتاح الشياح كالسَّيل العارم.
في غضون سنوات قليلة، اختفت المساحات الخضراء تمامًا؛ ومعها حواكير النعناع والبقدونس والفجل التي كانت تصنع «صحن الفتوش» الشياحي الشهير. وانحسرت المساحات المفتوحة والملاعب العفوية التي كانت تحتضن أحلام الصغار وشباب كرة القدم، لتتحوّل الشياح إلى غابة متراصة من الإسمنت والحديد. اختنقت الطرقات، واتكاثرت الأبنية الشاهقة، حتى غدا العثور على بضعة أمتار لركن سيارة في زواريبها أشبه بمعجزة يومية تتطلّب الكثير من الصبر.
ورغم هذا الاختناق العمراني والبصري القاسي، شهدت المنطقة في الحقبة التي عُرفت بـ«فترة رفيق الحريري» ورشة تأهيل وإعمار ضخمة للبُنى التحتية. نُفض غبار السنين وقذائف المدافع عن وجه الشياح؛ فجُدِّدت شبكات البُنى التحتية: كالكهرباء، والمياه، والاتصالات الحديثة، وأرصفة المشاة التي لم تكن تعرفها الشياح، وعُبِّدت الطرقات التي نهشت أجسادها الحرب.
خاتمة: الشياح اليوم
لقد عادت الشياح بقوة إلى قلب الدورة المدنية والحيوية لبيروت وضاحيتها، متخلّية عن ثوب الحرب الملطخ بالدماء، ومتأقلمة مع واقعها الجديد كمدينة مصغرة صاخبة ومزدحمة بالبشر والمباني. تلاشت الحواكير، وغاب «درابزين المختار» وبوظته، واستشهد شباب «نادي النصر»، لكن روح الشياح السمراء، بذاكرتها المثقلة بالقصص والتحوّلات، وبإصرار أهلها على الحياة والنهوض من تحت الرماد، تظلّ حية ونابضة، تحكي لكل عابر في شوارعها حكاية أرض زَرعت يومًا خضار «الفتوش»، فجنَت فصولًا من الإيديولوجيا، والنار، والباطون.





