(1).jpg)
نزح علي من بلدته بنت جبيل باتجاه بيروت في الثاني من آذار الماضي، بعد ساعات من إطلاق «حزب الله» ستة صواريخ باتجاه الشمال الإسرائيلي، لم يحمل معه سوى حقيبة فيها بعض الملابس وعدة الحلاقة الخاصة به.
الحرب تقضي على حلم الصالون
كان علي قد افتتح صالون حلاقة في بنت جبيل قبل أشهر من اندلاع الحرب الحالية، بعدما استدان مبلغًا من المال من بعض أقاربه، ليُنهي بذلك سنوات عمِل فيها كأجير في أحد الصالونات وبمدخول بالكاد يكفيه.
يقول علي إن الأمور كانت تتحسن بشكل تدريجي والناس يعتادون على صالونه الجديد، وكان يفكر بإضافة كرسي حلاقة آخر عندما بدأت الحرب، فاضطر للهرب مع عائلته والسكن عند أقاربهم في محلة الأوزاعي عند المدخل الجنوبي لمدينة بيروت.
كرسي حلاقة في الأوزاعي بالكاد يسدّ الرمق
عرف علي لاحقًا أن المبنى الذي يضمّ الصالون في بنت جبيل تدمّر بالكامل، ابتسم له الحظ قليلًا عندما سمح له أحد أصحاب الصالونات في الأوزاعي باستخدام أحد الكراسي داخل المحل والحصول على نسبة خمسين بالمئة من كل حلاقة ينجزها، المبلغ القليل الذي كان يحصل عليه استخدمه لإعالة والديه وأخوته الصغار. والده يعمل بالأساس في البناء في الجنوب وهو اليوم بلا أي دخل منذ أسابيع طويلة.
قصة علي هي واحدة من آلاف الحالات لشبّان ورجال ونساء جنوبيين خسروا مصدر دخلهم بسبب الحرب، وهم يعيشون اليوم على التقديمات الاجتماعية وعلى المساعدات التي يحوّلها أقاربهم في الخارج، إن وُجدوا.
منذ حوالى الشهر وزّع «حزب الله» عبر جمعية «صامدون» التابعة له، مبلغ ٢٠٠ دولار أميركي لكل عائلة. يقول علي معلّقًا : «نحن مهجرون منذ مئة يوم بسبب حرب لا تعنينا، هذا المبلغ لا يكفي عائلة من خمسة أشخاص لأربعة أيام حتى».
جزء كبير من الجنوبيين يعمل في الزراعة وتربية المواشي وأعمال البناء بالإضافة إلى أصحاب المصالح التجارية من متاجر ومطاعم ومراكز خدمات صحية والموظفين في المؤسسات الخاصة والمتاجر الكبيرة وغيرها، وقد فقدوا بمعظمهم وظائفهم اليوم بسبب الابتعاد القسري عن الالتحاق بأعمالهم وعدم انتظام الأعمال في الجنوب بعد دخول الهدنة حيّز التنفيذ.
العاملون في مجالات تحتاج لمهارات فردية خاصة، كالأطباء والحلاقين والكتّاب والحرفيين، ربما نجح البعض منهم، بسبب طبيعة عملهم، بمزاولة عمل جزئي في أماكن نزوحهم ما أمّن لهم بعض المدخول، فيما بقي السواد الأعظم من القوة العاملة بلا أي عمل.
المزارع مزروع بأرضه
قال أحد المزارعين والنقابيين المعروفين في قضاء بنت جبيل في مقابلة سابقة مع «فان رقم ٤» في الفترة التي تلَت حرب الإسناد الأولى: «السنكري والحلاق ومصلّح التلفزيونات فيهن يحطوا عدتهم بالشنطة بس يهربوا ووين ما راحوا بلاقوا شغل، بس المزارع ما في يلف الأرض ويحطّها بالسيارة، المزارع مزروع بالأرض وما في يبعد عنها».
استمرت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» حوالى اربعة اشهر، وهي الحرب الأطول على الإطلاق بين الطرفين، وهي تأتي بعد ١٥ شهرًا من حرب عام ٢٠٢٤ أو ما عُرف يومها باسم «حرب إسناد غزة». فخلال هذه الأشهر كان الجيش الإسرائيلي يشن غارات ويقوم باستهداف لعناصر «حزب الله» ويدمِّر منازل، يزعم أن الحزب يستخدمها كمقارّ عسكرية أو كمستودعات أسلحة.
حرب جديدة أكثر ضراوة
لم يتعافَ لبنان من تداعيات الحرب الماضية، عشرات آلاف الشقق السكنية والمحال التجارية دُمرت بشكل كامل أو جزئي يومها، ولم تحصل أي عمليات إعادة إعمار باستثناء بعض المبادرات الفردية، ليفاجأ اللبنانيون، والجنوبيون بشكل خاص، بحرب إسناد جديدة بدءًا من الثاني من آذار ٢٠٢٦، أكثر ضراوة وعنفًا وأطول مدّة.
لا يمكن اليوم حصر الأضرار ونتائج الحرب الكارثية على الاقتصاد اللبناني بأرقام ومعطيات ثابتة، مع استمرار العمليات العسكرية وما ينجم عنها من تدمير يومي للمنازل والمؤسسات التجارية والبُنى التحتية والخسائر في الممتلكات والأرزاق.
في حرب العام ٢٠٢٤، قدّرت خسائر الاقتصاد اللبناني بما بين ٧ و٨ مليار دولار أميركي، ومثلها تقريبًا الخسائر غير المباشرة نتيجة تراجع الناتج المحلي وانكماش الاقتصاد، فيما تبدو أرقام الحرب الحالية أكبر من ذلك بكثير.
اليوم تتحدث الأرقام غير الرسمية عن أكثر من مئة ألف وحدة سكنية دُمرت بشكل كامل أو جزئي، فيما دُمرت وأزيلت أحياء وقرى بأكملها من الوجود بسبب أعمال التفخيخ والترميد والجرف، ما يعني أن مئات آلاف المواطنين سيكونون بلا مأوى عند توقف الحرب، مع العلم أن عدّاد البيوت المدمرة لا يتوقف مع استمرار العمليات العسكرية.
وزير المالية اللبناني ياسين جابر قدّر الخسائر المباشرة للحرب منذ عام ٢٠٢٤ حتى اليوم بأكثر من عشرين مليار دولار، مشيرًا إلى أن الخسائر لم تقتصر على الممتلكات الخاصة والعامة بل أضرّت بشكل كبير بالقطاعات الخدماتية والإنتاجية.
أكّد الوزير جابر في حديث صحافي أن حجم المساعدات التي تصل إلى لبنان تراجعت كثيرًا عن الحرب الماضية، ففي حين بلغت نحو ٧٠٠ مليون دولار في حرب عام ٢٠٢٤، بالإضافة إلى عشرات طائرات المساعدات الإنسانية، فإنها لم تتجاوز اليوم ١٥٠ مليون يورو في ظلِّ الضغوطات الاقتصادية التي تعاني منها الدول المانحة.
الأمن الغذائي بخطر
منذ فترة قريبة ذكر وزير الزراعة اللبناني نزار هاني إن نحو ٢٢.٥ بالمئة من الأراضي الزراعية في لبنان تضرّرت بسبب الغارات والقصف المدفعي والحرائق، ما من شأنه أن يؤثر على الأمن الغذائي بشكل كبير، مع الإشارة إلى أن تقرير وزارة الزراعة بالتعاون مع برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة يظهر أن ٢٤ % من اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين المقيمين في لبنان، يحتاجون إلى مساعدات غذائية وهم يقعون اليوم ضمن المرحلة الثالثة من التصنيف العالمي للأمن الغذائي.
على مستوى القطاع الصحي، تحدّثت مصادر وزارة الصحة مؤخرًا عن استشهاد ١٢٩ عاملًا صحيًّا وإصابة ٣٧٩ آخرين، واستهداف ١٦٤ سيارة إسعاف، وتضرّر ١٧ مستشفى وإقفال ٤٥ مركز رعاية صحية.
توقفَ عمل كافة المستشفيات داخل الشريط الأصفر، فيما تعرّضت مستشفيات أساسية كمستشفيات صور والنبطية ومستشفى تبنين لأضرار كبيرة بعد سقوط مقذوفات بالقرب منها، والعاملون فيها يواجهون اليوم ظروف عمل صعبة وخطرًا داهمًا على حياتهم.
الخسائر طالت أيضًا قطاع السياحة الذي توقف تمامًا، وقطاع التربية والتعليم، سواء بالمباني المتضررة أو نتيجة تحويل عدد كبير من المدارس إلى مراكز إيواء، وتعذّر حصول عدد كبير من الطلاب على الخدمات التعليمية.
رحلة تهجير لا تنتهي
في العاشر من تشرين الأول ٢٠٢٣، أي بعد ثلاثة أيام فقط من بدء ما سمِّي «إسناد غزة»، نزح أحمد مع زوجته وأولاده الأربعة إلى بلدة كفر دونين في قضاء بنت جبيل.
يقول في حديثه مع «الفان رقم ٤» :«قالوا لنا في البداية إن خروجنا من عيترون مؤقّت ولن يستمر إلّا لبضعة أسابيع، كانوا يعطوننا بدل الإيجار وبعض المساعدات، ثم توسعت الحرب وهُجّرنا إلى الشمال وعدنا بعدها إلى كفردونين».
يشير أحمد إلى أن «حرب إسناد غزة» أتت على منزله والدكان الذي كان يملكه في عيترون، وعاد بعد توقف الحرب إلى قريته ومكث فيها طوال مدة الـ١٥ شهرًا في ظروف إنسانية ومعيشية غاية في الصعوبة، قبل أن يعود وينزح في الثاني من آذار الماضي إثر قيام «حزب الله» بإطلاق ستة صواريخ على الشمال الإسرائيلي، وصدور إنذارات إسرائيلية بالإخلاء للجنوب اللبناني.
عندما قابلنا أحمد، وكان يقطن في أحد مراكز الإيواء في بيروت، كان يخشى ألّا يجد مكانًا يعود إليه بعد انتهاء الحرب؛ تلك الحرب التي كان يتخوّف من أن تمتد لأشهر طويلة، وربما لسنوات. ويضيف: «إن المنزل الذي كان يستأجره في كفردونين قد تدمّر في الحرب الحالية، ومعه الأثاث الذي لم يكن قد استكمل سداد ثمنه حتى الآن». لا نعلم مصير أحمد اليوم؛ هل غادر مركز الإيواء، أم ما زال يبحث عن منزل جديد في قرية جديدة؟
كان أحمد يرجّح، شأنه شأن كثيرين من أبناء الجنوب، ولا سيما أبناء منطقة الشريط الحدودي، أن هذه الحرب لا تشبه سابقاتها، وأنهم ربما خسروا جبل عامل إلى الأبد، ولن يتمكنوا من العودة إلى قراهم مرة أخرى.





