.jpg)
لم أعجب بمدينة صور كسائحة تلتقط صورًا لبحرها وآثارها وعمرانها القديم والحديث...
لقد عرفتها عن قُرب مُذ كنت صبية متطوّعة في إحدى مؤسساتها المدنية لستِّ سنوات بالتمام والكمال. تفاعلت مع أهلها، مشيْت بشوارعها وجلست بمقاهيها حتى المخصصة منها للرجال. لستِّ سنوات أنزل إليها يوميًّا من قريتي بـ«سرفيس» قرب مفرق دوّار العلم لأكمل سيرًا إلى «مؤسسة عامل» قرب دوار أبو ذيب، أحفظ تفاصيل انعكاس شمسها الواطئة على زخرفة مبانيها دون ضجر. وذات مرة، استوقفني، على طريق نزهتي الصباحيّة، أحدُ أبنائها التربويين، الأستاذ أحمد محفوظ، المرابض في قهوة أبو العزّ، ليدعوني إلى جلسته الصباحية «لا تخجلي فشرب القهوة في قهوة الرجال ليس عيبًا» كانت تلك أولى خطواتي الفكرية على كسر تابو المألوف والمقدَّس.
لم تكن صُور لتغيب عن بالي وأن طال غيابي عن بحرها وبرّها. لقد أكَلَت زواريبُها وأزقتُها من أقدامنا، زملاء وأصدقاء، مشيًا على بلاط أرضها المسنّنةِ حوافيها، ولم نكن لنتعب. ولم نكن لنعرف ونحن «نكزدر» على شاطئها الصخري لجهة الغرب أن الحارة «المسيحية» هي فقط للمسيحيين!!! كنا نستمتع بالتجوال في أزقتها الضيقة المسيّجة حوائطُها بالقرنفل والياسمين، وبألوان دهان أبوابها المفتوحة على زرّيعة الحبَق وورد عيد الميلاد الأحمر، لتأخذَ من الزهوّ والفرح بهاءَها.
ندخل من الغرب لنخرج من الشرق المفتوح على ميناء يعجّ بأهله. تستقبلنا مقاهي الميناء وعمال نجارة السفن بتحية البحارة والصيادين، أصوات بعضهم تنادي على بيع سمك «الجاروفة» قبل أن يذهبوا لبيع رزقهم اليومي بالجملة في رُكن السمك من السوق القديم المتشعّب للمدينة، هناك المحلات والمطاعم والجزّارين متداخلة، لا صليبَ على باب محلٍ ولا قرآن... يتمازج أهلوها كحبّات رمل بحرها...
كم كانت، وما زالت، «فتايل» محفوظ شهية حين يبادرني سلوان وهو منهمك، أهلا «سِتْنا»، مفردة صُورية تُقال للمرأة بعفوية لطيفة. فليس غريبّا إذن أن تكون لهجة أهل صور واحدة، هي أقرب إلى لهجة فلسطينيي المخيمات المحيطة بالمدينة، حتى أن أمّي لاحظت تغييرًا في لهجتي ونُطقي للأحرف بعد تواصلي مع ناسها: يفتحون ألف المدّ مثل: «ناَس» او «كتاَب» بينما نكسر، نحن أهل القرى، فنقول «نيس، وكْتيب» . قد يُفهم فتح الحروف في المحكي من اللهجة الصوريّة على أنه صلة وصل وفتح نوافذ القلب على حبٍّ فلسطين، وبناء جسور إلفة مع مخيماتها. هذا ما تؤكده مواقفُ صُوريّة معارضة لحرب المخيمات سنة ١٩٨٧.
ولم يقتصر دعمها للقضية الفلسطينية بل تعدّاه إلى احتضان المدينة، برجالها ونسائها، لكل حركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وقد دفعت الثمن قصفًا متواصلًا وما زالت منذ السبعينات، تقصفها إسرائيل: أسواقها ومبانيها، بحرها وآثارها...
أذكر، كنّا صغارًا عندما أصابت قذيفة إسرائيلية فرقة أشبال «كشافة الجراح» في المدينة عام ١٩٧٨، لتطال صدمةُ مقتَلة الأطفال معظم القرى التي سارعت إلى التنديد بها وشاركت في تشييعهم ومنها مدرستنا الرسمية.
كانت تلك المرة الأولى التي نزلت فيها إلى صور ليس لأشتري ثياب العيد بل لأكون شاهدة على مقتَلة إسرائيل لأطفالنا...
كانت المرة الثانية عام ١٩٨٥ أثناء «القبضة الحديدية» في يوم عيد الأم، وكانت إسرائيل تمارس أسوأ عنف على حركة الناس في صور وقراها حتى نهر القاسمية. ولم نكن نحن طلاب ثانوية العباسية بمعزل عن هذه الأحداث، وبتحفيز
وتوجيه من أستاذ اللغة العربية ذيب الجسيم الذي اسىتقرّ في منطقة القاسمية بعد نزوحه من بلدته يارين الحدودية.
انطلقنا في بوسطة للتظاهر من أمام «مركز الإمام الصادق» نحو مركز «الصليب الأحمر الدولي» في منطقة حي الرمل ذي الأبنية الحديثة، للمطالبة بالإفراج عن معتقلي أنصار تضامنا مع أمهاتهم.
ومن الوفاء الاعتراف أن جزءًا كبيرًا من مهن أهل القرى كان لا يستقيم إلّا من خلال التشارك مع المدينة في كل المجالات. ومعظم مدارسنا كانت تستعين بمعلمي اللغة الفرنسية من مدينة صُور، وبناء على هذه الحاجة التحقت الأستاذة ليلى بثانويتنا. علّمتنا أدب موليير ولافونتان وشعرهما، فقلّدناها المنهج دينًا، وكان الشعر في نبرة صوتها يخرج على أسماعنا نغمًا موسيقيًّا، رفعنا فيها أصواتَنا كصلاة الجماعة. لم نسأل ما هو مذهبها ومن أية طائفة هي، كما يسأل جيل اليوم، عن اسمك وعائلتك ومنطقتك ليستدلّوا من خلالها على طائفتك. إحدى تلميذاتي قالت لي مرة: مِس البيولوجي كتير بتفهّمنا حتى لو كانت كذا «...» كان قصدها من طائفة أخرى. ما جعلني أختنق من التمادي في تعبئة الاجيال مذهبيًّا، كما في مقولات ساذجة قيلت عن تحييد حارة المسيحية اليوم وضمان أمنها من القصف لسبب طائفي وهي حاضنة البحر بناسه ونورَسه وتاريخه.
وعليّ ان أذكر أنني وقبل ان أنزل إلى صور، كنت أحفظ جملة كان يرددها أبي: «صور أمّ الغني والفقير». كان يذهب إلى «الحسبة» حيث يبيعون الخضار والفواكه بالجملة، يجلب لنا بثمن ما باعه ما نحتاجه بأرخص الأسعار. وفيها تعلّمت شقيقتاي الخياطة عند مدام رنّو وحتى الآن لا نعرف مذهب مدام رنّو، لم يكن أحد أحد يسأل. وإذا بدا لنا أن اِسم الشخص يدلّ على طائفته فلا نهتمّ، فكيف سنهتمّ وأستاذنا في متوسطة ديرقانون النهر اِسمه مارون ومتزوج من زينب؟
لا أبالغ إن قلت أن علاقتي بالمدينة لم تأتِ من انبهاري بالمدن كفلّاحة جاءت من القرية حسب ما يمازحني رفاقي من أهل صُور، «إنتو الفلاحين»، بل جاءت من ذاك الانفتاح الفكري الذي وجدت فيه نفسي تستجدي المعرفة كتابًا ونشاطًا تفاعليًّا في نادٍ أو جمعية، ليصحّ فيها توصيفُ «سيدة البحار وصخرة الأحرار».
هذه صور، المدينة التي تتعرض الآن لأسوأ هجمة إسرائيلية، قد أغوَت وألهمت الكتّاب والشعراء والفنانين توثيقا وشعرًا وغناءً ورسمًا، تغنّوا بها ونهَلوا من حضورها الكثيف قصائدَ ولوحاتٍ وكُتبًا ما لبثت أن أصبحت تعاويذَ تحرسَ لياليها من الظلاميين ومزوِّري تاريخها على مرّ العصور.
ولأنّ صُور مدينتي، لن أجرؤَ على رثائها.
يعزّيني وهمُ أنها طائر فينيق آخرُ، سينهض بنا من رمادنا.


