19・06・2026
من العدد ٣٥
«الإسناد»… حرب بلا عدّة ولا مقومات صمود


إن الله عزّ وجلّ أمَر بالتوكل عليه، لكنه كذلك فرض علينا الأخذ بالأسباب وإعداد العدّة، فهما وجهان لا ينفصلان في ميزان الشريعة والعقل. قال تعالى:

{وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}

(سورة الأنفال: ٦٠)

 

وهنا يكمن جوهر الأزمة.

في ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣، وبعد يوم واحد فقط من انطلاق عملية «طوفان الأقصى»، دخل «حزب الله» الحرب بشكل منفرد، مُدخلًا لبنان واللبنانيين قسرًا إلى مواجهة تحت شعار «إسناد غزة» و«وحدة الساحات» الممتدة من اليمن إلى سوريا والعراق. انطلقت حينها ما سمّيت بعملية الإسناد والمشاغلة، والتي تبيّن لاحقًا أنها كانت - وربما ما زالت - أسوأ قرار استراتيجي اتخذه الحزب ومعه إيران.

فالحرب، أيّ حرب، لا تُخاض بالشعارات، بل بمقومات صمود ومواجهة على مختلف المستويات: السياسية، العسكرية، الاقتصادية، الصحية وحتى الاجتماعية. ولبنان، المنهك أصلًا، لم يكن مؤهّلًا ولا مهيّأ لأي من هذه التحديات. فمنذ عام ٢٠١٩ يعاني من انهيار مصرفي كارثي شلّ مؤسساته، وأفلس شعبه وحجره، وترك موظفيه من عسكريين ومدنيين تحت رحمة رواتب منهارة، وبطالة متفشية، وتضخّم خنق الجميع.

فكيف لبلد عاجز عن مواجهة هزة أرضية، أن يتحمّل ارتدادات زلزال ٧ تشرين، الذي ضرب إسرائيل والمنطقة والعالم، وفرض على إسرائيل واقعًا وجوديًّا غير مسبوق، لتجد نفسها في قلب حرب دموية تدميرية غير تقليدية.

تعامل العدو الإسرائيلي مع المسألة على أنها ليست ترَفًا، وحشدت دعمًا دوليًّا غير مسبوق لمواجهتها، بينما «حزب الله» كان يعلم علم اليقين أن لبنان غير قادر على الصمود في شتى المجالات. 

وعلى الرغم من هذه الحقائق الصارخة، أصرّ الحزب، بقرار من أمينه العام الأسبق وتحت مظلة القرار الإيراني، على الدخول في مغامرة لا يملك لها أدوات المواجهة، ولا حتى الحد الأدنى من مقومات البقاء.

لقد مرَّ ٢٠ عامًا على حرب تموز، وخلالها انصرف العدو الإسرائيلي إلى تطبيق حرفي لقول الله تعالى: «وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة»، فجهَّز نفسه واستخدم الزمن لصالحه، بينما غرق »حزب الله» في الداخل اللبناني، في مواجهات سياسية وطائفية أنهكت بيئته وحلفاءه وعمّقت عزلته حتى عن عمقه العربي والإسلامي. 

وبينما خصمه يستعد، انصرف هو إلى الغرور والعنجهية، متجاهلًا مسؤولية التحضير لبيئته وجمهوره، ومتخلّيًا عن أبسط قواعد التخطيط، فانكشف أنه لم يأخذ بالأسباب، ولم يعد هو القوة، بل زجّ بالبلد في مأساة كبرى.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...