.jpg)
داخل البيئة الشيعية في لبنان، لم يتبدّل الموقف السياسي فحسب، بل تبدّلت المعايير التي يُبنى عليها أي موقف: ما الذي يُعتبر كرامة، وما الذي يُحتمل كإذلال، وكيف يُفهم الانتصار، ومتى يُسمح بالاعتراف بالخسارة. هذا التحوّل لم يأتِ دفعةً واحدة، ولم يكن نتيجة خطاب عابر، بل تراكُم تدريجي أعاد تشكيل العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين التجربة المباشرة والسردية المفروضة عليها.
في هذا المسار، تراجَع موقع الفرد لصالح كيان جماعي مجرّد. لم يعد الإنسان مرجعيةً لذاته، بل أصبح متلقّيًا ينتظر خطابًا يزوّده بالتفسير الجاهز مع مفرداته وحدوده وحتى طريقة التعبير عنه. لم تعُد السردية تُطرح كوجهة نظر قابلة للنقاش، بل كإطار مكتمل يُفترض الانضواء فيه، وبالتالي لم يعد المطلوب أن يقتنع الفرد، بل أن يلتزم.
ما حصل لم يتكوّن عبر الخطاب وحده، بل بُني بالتدريج عبر مؤسسات وطقوس وحوافز يومية، عبر مدارس تُقدّم الولاء شرطًا للانتماء، وإعلام يحوّل كل سؤال إلى موقف، واحتفاليات دينية تُعيد إنتاج السردية في الجسد قبل العقل، وشبكة مكافآت اجتماعية واقتصادية تجعل الامتثال مربحًا والخروج مكلفًا. لم يكن غسيل دماغ بالمعنى المبسَّط، بل بناء بيئة كاملة يغدو فيها التفكير المستقل خسارةً محسوبة لا فضيلةً مجانية.
كان الأثر واضحًا في اللحظات التي غاب فيها الخطاب نفسه. في بدايات «حرب الإسناد»، لم يكشف تأخّر الموقف الرسمي مجرّد فراغ سياسي، بل حالة شللٍ حقيقية: تردُّد وضَياع وعجز عن إنتاج موقف مستقل. لم يكن الأمر انتظار توجيه فقط، بل توقّف القدرة على التفسير حين يغيب مَن يحتكره.
ولاءٌ يشلّ صاحبه ليس ولاءً، بل تبعية
الحرب السورية كانت الاختبار الأول والأعمق. حين أعلن «حزب الله» انخراطه العسكري فيها عام ٢٠١٣، وُضعت البيئة الحاضنة أمام تناقض صريح لا يمكن القفز فوقه: كيف تقاتل قوةٌ قدّمت نفسها حاميةً للمستضعفين إلى جانب نظام يقتل شعبه؟ الإجابة لم تكن اعترافًا بالتناقض، بل إعادة تعريف للواقع: سُمّيت الحرب «جهادًا دفاعيًّا» عن المقدّسات، أُعيد توصيف الخصوم من ثوار إلى تكفيريين، واستُحضرت سردية المظلومية التاريخية لتحويل أي اعتراض إلى طعن في الجماعة نفسها.
لم يقبل الجميع بهذه الصياغة. ثمة أصوات رفضت، ورجال دين تحفّظوا، وعائلات اعترضت. لكن ما حسم الموقف لم يكن الإقناع، بل الكلفة. من اعترض دفع ثمنًا واضحًا: اجتماعيًّا، مهنيًّا، وأحيانًا أمنيًّا. هكذا لم يعد الصمت دليل قناعة، بل نتيجة حساب.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين جماعة تلتزم لأنها مقتنعة، وجماعة تلتزم لأن كلفة الخروج أعلى من كلفة البقاء.
الناس لم يفقدوا القدرة على التفكير، بل وجدوا أن تفكيرهم يصطدم بجدار من التكاليف يجعل الصمت خيارًا عقلانيًّا حتى حين يتعارض مع ما يُدركون ويقتنعون.
جاءت انتفاضة ١٧ تشرين ٢٠١٩ لتفتح نافذة مغايرة. للمرة الأولى منذ سنوات، نزل عدد من أبناء البيئة الشيعية إلى الشارع في بيروت والجنوب والبقاع، ورفعوا شعارات ظلّت همسًا خلف أبواب موصدة. لكن ما كشفته هذه اللحظة لم يكن حجم الاعتراض المكبوت فحسب، بل الثمن الذي يُدفع داخل الجماعة قبل خارجها. الرد لم يأتِ فقط من مؤسسات الدولة أو الحزب، بل من الجيران والأقارب وشبكات العلاقات اليومية. الرسالة لم تكن سياسية، كانت اجتماعية في جوهرها: الخروج له ثمن، وأنت مَن يدفعه وحدك.
ثم جاء الرابع من آب ٢٠٢٠.
انفجار المرفأ لم يكن مجرد كارثة، بل كان كاشفًا.
في المدينة نفسها التي تحتضن جميع اللبنانيين، دُمّرت أحياء بأكملها بنيترات الأمونيوم التي ظلّ مصدرها ومسار تخزينها واستخدامها موضع جدَل واتهامات لم تُحسم. لكن، بمعزل عن هذه التفاصيل، ثمّة أمر لا يقبل الجدل: أن الحزب لم يسعَ إلى الحقيقة، بل حاربها، وسعى إلى إقفال التحقيق بكل الوسائل. كل مسعى قضائي جدّي، وكل قاضٍ اقترب من الملف، واجَه عرقلة ممنهجة وصلت إلى حدّ التهديد. وهذا ليس سلوك مَن لا يعرف ولا يخشى، بل سلوك مَن يرى في التحقيق تهديدًا بحد ذاته.
هذه المرة، لم تقع الكلفة على «الآخرين» فقط، بل طالت البيئة الحاضنة نفسها، وعلى ثلاثة مستويات دفعةً واحدة:
ضحايا مباشرون في المرفأ وأحياء بيروت وضواحيها؛
مدينة لطالما احتضنت الحزب وبيئته، تحوّلت بعض أحيائها ومبانيها إلى ركام؛
جماعة وجدت نفسها مرةً أخرى في موقع المتّهم أمام كل اللبنانيين - مضطرةً للدفاع عن نفسها في لحظة كانت هي أيضًا ضحيّتها.
ما تلا ذلك لم يكن انتفاضةً داخلية، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا أيضًا. كان صمتًا مُثقَلًا بأسئلة لا تجد طريقها إلى العلن. في مجالس العزاء، واجتماعات العائلات، طُرحت أسئلة لم تُطرح من قبل.
لكن الإجابة لم تأتِ.
لا لأن الحقيقة غائبة، بل لأن مَن يملك مفاتيح الوصول إليها آثر إغلاق الأبواب.
في هذه اللحظة تحديدًا، لم تكن المهمة إقناع الناس برواية محدّدة، بل جَعل السؤال نفسه مكلفًا بما يكفي ليبقى في حدوده الدنيا.
مع كل هذا، تغيّر موقع المظلومية، صحيح أن الشيعة اللبنانيين عاشوا تهميشًا حقيقيًّا، سياسيًّا واقتصاديًّا، كما باقي الجماعات اللبنانية وبدرجات مختلفة. إلّا أن النسخة الشيعية من هذا التهميش شكّلت أرضًا خصبة لخطاب الحزب. هذا التاريخ ليس اختراعًا، لكنه بالضبط ما جرى توظيفه لاحقًا للهروب من المساءلة لا للمطالبة بها. ثمة فارق جوهري بين مظلومية تجربة ومظلومية خطاب. الأولى تستحضر الظلم لتُنتج مطالبةً بالتغيير، وتستدعي محاسبةً لمن أخطأ بمن فيهم أبناء الجماعة أنفسهم. الثانية تستحضر الظلم لتُنتج حصانةً من المحاسبة، فتحوّل كل سؤال داخلي إلى طعنة في الظهر، وكل نقد إلى خدمة للعدو. الانتقال من الأولى إلى الثانية لم يكن حتميًّا، كان خيارًا سياسيًّا واعيًا دفعت ثمنه البيئة الشيعية أكثر من غيرها.
حين تتحوّل المظلومية من تجربة تدفع نحو المطالبة إلى قناع يمنع المراجعة، لا تعود أداة تحرير، بل أداة تثبيت.
بالتوازي، جرى تفريغ مفهومَي الانتصار والهزيمة من معناهما. لم يعودا مرتبطين بالنتائج الفعلية، بل بسردية مفروضة سلفًا. أصبح البقاء على قيد الحياة يُقدَّم كـ«انتصار» مهما كانت الكلفة، فيما يُمنع الاعتراف بالخسارة كأن مجرد تسميتها يُعتير تهديدًا.
حين تُلغى معايير الربح والخسارة، لا يختفي الواقع؛ بل تُمحى القدرة على قراءته.
والمفارقة المؤلمة هنا، أن هذا التناقض محسوس. الناس يرون الكلفة بأعينهم ويعيشون الخسارة في بيوتهم. لكن المنظومة توفّر دائمًا تفسيرًا جاهزًا يحوّل الشكّ إلى ضعف والتساؤل إلى خيانة. ليست القضية جهلًا يُعالَج بالمعلومة، بل بُنية سلطة تُعيد إنتاج نفسها بموافقة مَن يدفعون ثمنها، لأن ثمن الرفض أعلى.
المجتمعات لا تنهار فقط تحت وطأة الهزائم، بل حين تفقد القدرة على تسميتها. وما بناه هذا النموذج على مدى عقود ليس فقط جمهورًا مواليًا، بل جمهور يخاف السؤال أكثر مما يخاف الواقع، ويجد في الصمت ملاذًا أكثر أمانًا من الكلام، حتى حين يكون الكلام عن بيته الذي انهار وأبنائه الذين ماتوا.
فحين يصبح إنكار الواقع فضيلة، والمراجعة خيانة، والنقد تهديدًا، لا يعود السؤال إن كان الانهيار سيحدث، بل مَن سيبقى ليعترف به.





