(4).jpg)
إن مفهوم الاحتلال ليس محصورًا في بُعده العسكري التقليدي كما هو شائع في الأذهان والإعلام، بل تتنوّع أدواته وأشكال سيطرته لتشمل في ما تشمله وعي الإنسان وإرادته. وحين تخضع العقول والإرادات، يصبح المجتمع هشًّا وقابلًا لكل سقوط، فتصبح السيطرة على الأرض نتيجة شبه حتميّة. إنّها سنّة التاريخ، وها نحن اليوم في لبنان نعاني من هكذا احتلالات عديدة ومترابطة تستحق الإضاءة عليها...
أولى هذه الاحتلالات وأهمها هو ذلك المصادِر للعقول. هو احتلال غيّب الجماعة عن واقعها، وفصلها عنه. أصبح بنو البشر آلات يُتحكَّم بعقولهم ولغتهم، وحتى بمشاعرهم وأحاسيسهم. باتت الناس مسيّرة لا مخيّرة، وغائبة عن كل منطق وعقلانية وواقعية. هذا هو أصعب الاحتلالات، لأن الأفراد يمارسونها بكل اختيار ظاهري، فيعيشون القلق والخوف والتشرّد والموت والدمار والانكسار والذلّ، لكن بكل طمأنينة وقبول! وفوق كل ذلك يقفون بكل خسائرهم وهزائمهم بكبرياء، ليواجهوا كل ما ذُكر بصدر عارٍ، يقدّمون فيه الغالي والنفيس قُربةً لشعارات وهمية أدخلها محتلّهم المقدّس في قاموس يومياتهم، لتصبح جزءًا مهمًّا من شخصياتهم ووجودهم، ولا ينفكّ المواطن عنها كي يُرضي محتله ويسجل موقفًا عنده، فيَحظى برتبة عبدٍ لا يتجاوز ثمنه الموت، لكن طبعًا بكل فخر واعتزاز. إنّ هذا المحتل يوظّف كل ما يملك لأجل غايته هذه، مستغلًّا حتى أقدس المقدسات لدى وعي ولاوعي الجماعة. يوظّف إعلامه السَمعي والبصري، ويحوّل شعاراته إلى مسلّمات مقدّسة يحميها بمنع الوصول إلى أيّ رواية أخرى، وعبر التشويه الفكري والروحي للآخر وشيئيّاته.
ثانيها: مصادرة القرار. فالمغيَّب عقله هو فرد قاصر لا يدرك مصلحته ويحتاج لوليّ يسيّر أموره. لذا كيف له أن يتخذ قرارًا بحق أرضه ونفسه وشعبه؟ أرأيت قاصرًا يُؤخَذ برأيه وقوله وفعله؟ القاصر يحتاج إلى رعاية واهتمام، ولاتخاذ القرار عنه كونه لا يعرف أين مصلحته. ولربما كانت مصلحته أحيانًا بتأديبه، عبر سلبه الأرض وترحيله وتشريده وإفقاده روح حياته، عدا عن سلبه صوته وحريته.
إن الاحتلال الأول سيترتب عليه تلقائيًّا الاحتلال الثاني. ولشرعنة هذه الصورة، يصبح هذا الاحتلال واجبًا، بل حكمًا إلهيًّا وتكليفًا شرعيًّا يُحرَّم مخالفته أو التخلف عن أدائه. وهذا المحتل يحمي احتلاله هذا بالترهيب والتخويف لأي رأي أو قرار آخر، وبخلق بيئة تضغط على الأفراد فيها، وبإلهاء الناس بيومياتها الحياتية بحيث تنهمك بها ولا تعود تهتم لشيء آخر، وبالاتهام بالتخوين والعمالة، وبتحويل الاعتراض إلى تهمة أخلاقيّة أو وطنيّة أو دينيّة.
إن الاحتلالين السابقين هما تحضيران ممنهجان، وبخطة مدروسة ومُحكمة، لتعبيد الطريق أمام الاحتلال الثالث: احتلال الأرض. فالأرض لا يزرعها الفلاح دون تأهيل لتربتها، فيدخل إلى أحشائها ويحرثها حراثة عميقة، ويفككها عن بعضها، ويرمي الأسمدة العضوية فيها، ثم يعزز خصوبتها ونعومتها، فتصبح سهلة الزراعة ووفيرة الإنتاج. هكذا تتمّ تهيئة المجتمع قبل السيطرة عليه، عبر تفكيكه وحراثته وتليينه، فيتحول إلى بيئة مفتوحة وأرض خصبة صالحة وقابلة للسيطرة عليها بكل سهولة.
إن هذا الاحتلال الثالث ليس سوى النتيجة الطبيعية للاحتلالين السابقين اللذين مهّدا الطريق إليه. هي إذًا سلسلة مترابطة. فحين يُحتل العقل ويُصادَر القرار، تصبح الأرض بلا حرّاس حقيقيين. وعندها لا يعود المحتل بحاجة إلى ارتقاء الأسوار وكسر الأبواب، لأن الأسوار قد هُدمت، والأبواب قد فُتحت له من الداخل. وهذا مصير الإنسان الذي يحوّل نفسه من صاحب قضية إلى أداة لا واعية في مشروع تمدّد دولة همّها الأول والأخير، وباعترافها، مصالحها الخاصة على حساب أرواح غيرها وأرضهم، حاميةً أرضها وشعبها بإبادة أرض وشعب من وظّفتهم لديها أربعين عامًا لخدمتها وبانتظار يوم كهذا.
هاتان المقدمتان، أي مصادرة العقل والقرار، كانتا حجر الأساس الذي ثبّته المحتل ليبني عليه نهجه ومنهجه. وكيف لا يفعل ذلك، إن كانت لديه كل الأسباب والمسببات والغايات والمعطيات!
قد يصعب علينا التصديق، ويصعب تخيّل المشهد المؤلم، لكنّها الحقيقة المطلقة الصارخة والصادقة والموجعة. فنحن لسنا في احتلال واحد، بل في احتلالات مرتبطة بعضها ببعض، لا ينفك فيها احتلال عن الآخر. لذا لا يمكن تحرير الأرض بمعزل عن تحرير الإنسان عبر تحرير عقله وروحه من الأفكار التي يحملها، وبالتالي تحرير إرادته وخياره. والخروج من الهيمنة يبدأ من الداخل لا من الخارج، فإصلاح النفوس خطوة أولى، بل هو الركن الأساس في تحرير الأرض. الأرض لا تُستعاد بعقل محاصَر وقرار مُصادَر. وإن أي محاولة للتحرير تبقى ناقصة ما لم تسبقها أو ترافقها، عملية إنهاء لاحتلال الفكر عبر تشكيل الوعي ولاحتلال القرار عبر توجيه الإرادة. ويتمّ ذلك عبر بناء دولة يطبّق شعبها القانون بحذافيره، وينتمي انتماءً جذريًّا لوطنه، ويسعى لأن يكون وطنه وطنًا نموذجيًّا، يعيش فيه مؤدّيًا لواجباته، ويأخذ حقوقه المواطنيّة دون مِنّة من أحد، ودون اضطراره لتقبيل جبهة لهذا، وتمسيح جوخ لذاك، وإغداق آخرين بالشكر والامتنان.
من هنا يكون تحرير الأرض من تحرير العقول والتفرّد بالقرار الحرّ دون إملاءات الآخرين. هنا يصبح تحرير الأرض نتيجة طبيعية لتحرر الإنسان من هذين القيدَين.


