18・06・2026
من العدد ٣٥
من احتلال العقول ومصادرة القرار إلى احتلال الأرض


إن مفهوم الاحتلال ليس محصورًا في بُعده العسكري التقليدي كما هو شائع في الأذهان والإعلام، بل تتنوّع أدواته وأشكال سيطرته لتشمل في ما تشمله وعي الإنسان وإرادته. وحين تخضع العقول والإرادات، يصبح المجتمع هشًّا وقابلًا لكل سقوط، فتصبح السيطرة على الأرض نتيجة شبه حتميّة. إنّها سنّة التاريخ، وها نحن اليوم في لبنان نعاني من هكذا احتلالات عديدة ومترابطة تستحق الإضاءة عليها...

أولى هذه الاحتلالات وأهمها هو ذلك المصادِر للعقول. هو احتلال غيّب الجماعة عن واقعها، وفصلها عنه. أصبح بنو البشر آلات يُتحكَّم بعقولهم ولغتهم، وحتى بمشاعرهم وأحاسيسهم. باتت الناس مسيّرة لا مخيّرة، وغائبة عن كل منطق وعقلانية وواقعية. هذا هو أصعب الاحتلالات، لأن الأفراد يمارسونها بكل اختيار ظاهري، فيعيشون القلق والخوف والتشرّد والموت والدمار والانكسار والذلّ، لكن بكل طمأنينة وقبول! وفوق كل ذلك يقفون بكل خسائرهم وهزائمهم بكبرياء، ليواجهوا كل ما ذُكر بصدر عارٍ، يقدّمون فيه الغالي والنفيس قُربةً لشعارات وهمية أدخلها محتلّهم المقدّس في قاموس يومياتهم، لتصبح جزءًا مهمًّا من شخصياتهم ووجودهم، ولا ينفكّ المواطن عنها كي يُرضي محتله ويسجل موقفًا عنده، فيَحظى برتبة عبدٍ لا يتجاوز ثمنه الموت، لكن طبعًا بكل فخر واعتزاز. إنّ هذا المحتل يوظّف كل ما يملك لأجل غايته هذه، مستغلًّا حتى أقدس المقدسات لدى وعي ولاوعي الجماعة. يوظّف إعلامه السَمعي والبصري، ويحوّل شعاراته إلى مسلّمات مقدّسة يحميها بمنع الوصول إلى أيّ رواية أخرى، وعبر التشويه الفكري والروحي للآخر وشيئيّاته.

ثانيها: مصادرة القرار. فالمغيَّب عقله هو فرد قاصر لا يدرك مصلحته ويحتاج لوليّ يسيّر أموره. لذا كيف له أن يتخذ قرارًا بحق أرضه ونفسه وشعبه؟ أرأيت قاصرًا يُؤخَذ برأيه وقوله وفعله؟ القاصر يحتاج إلى رعاية واهتمام، ولاتخاذ القرار عنه كونه لا يعرف أين مصلحته. ولربما كانت مصلحته أحيانًا بتأديبه، عبر سلبه الأرض وترحيله وتشريده وإفقاده روح حياته، عدا عن سلبه صوته وحريته.

إن الاحتلال الأول سيترتب عليه تلقائيًّا الاحتلال الثاني. ولشرعنة هذه الصورة، يصبح هذا الاحتلال واجبًا، بل حكمًا إلهيًّا وتكليفًا شرعيًّا يُحرَّم مخالفته أو التخلف عن أدائه. وهذا المحتل يحمي احتلاله هذا بالترهيب والتخويف لأي رأي أو قرار آخر، وبخلق بيئة تضغط على الأفراد فيها، وبإلهاء الناس بيومياتها الحياتية بحيث تنهمك بها ولا تعود تهتم لشيء آخر، وبالاتهام بالتخوين والعمالة، وبتحويل الاعتراض إلى تهمة أخلاقيّة أو وطنيّة أو دينيّة.

إن الاحتلالين السابقين هما تحضيران ممنهجان، وبخطة مدروسة ومُحكمة، لتعبيد الطريق أمام الاحتلال الثالث: احتلال الأرض. فالأرض لا يزرعها الفلاح دون تأهيل لتربتها، فيدخل إلى أحشائها ويحرثها حراثة عميقة، ويفككها عن بعضها، ويرمي الأسمدة العضوية فيها، ثم يعزز خصوبتها ونعومتها، فتصبح سهلة الزراعة ووفيرة الإنتاج. هكذا تتمّ تهيئة المجتمع قبل السيطرة عليه، عبر تفكيكه وحراثته وتليينه، فيتحول إلى بيئة مفتوحة وأرض خصبة صالحة وقابلة للسيطرة عليها بكل سهولة.

إن هذا الاحتلال الثالث ليس سوى النتيجة الطبيعية للاحتلالين السابقين اللذين مهّدا الطريق إليه. هي إذًا سلسلة مترابطة. فحين يُحتل العقل ويُصادَر القرار، تصبح الأرض بلا حرّاس حقيقيين. وعندها لا يعود المحتل بحاجة إلى ارتقاء الأسوار وكسر الأبواب، لأن الأسوار قد هُدمت، والأبواب قد فُتحت له من الداخل. وهذا مصير الإنسان الذي يحوّل نفسه من صاحب قضية إلى أداة لا واعية في مشروع تمدّد دولة همّها الأول والأخير، وباعترافها، مصالحها الخاصة على حساب أرواح غيرها وأرضهم، حاميةً أرضها وشعبها بإبادة أرض وشعب من وظّفتهم لديها أربعين عامًا لخدمتها وبانتظار يوم كهذا.

هاتان المقدمتان، أي مصادرة العقل والقرار، كانتا حجر الأساس الذي ثبّته المحتل ليبني عليه نهجه ومنهجه. وكيف لا يفعل ذلك، إن كانت لديه كل الأسباب والمسببات والغايات والمعطيات!

قد يصعب علينا التصديق، ويصعب تخيّل المشهد المؤلم، لكنّها الحقيقة المطلقة الصارخة والصادقة والموجعة. فنحن لسنا في احتلال واحد، بل في احتلالات مرتبطة بعضها ببعض، لا ينفك فيها احتلال عن الآخر. لذا لا يمكن تحرير الأرض بمعزل عن تحرير الإنسان عبر تحرير عقله وروحه من الأفكار التي يحملها، وبالتالي تحرير إرادته وخياره. والخروج من الهيمنة يبدأ من الداخل لا من الخارج، فإصلاح النفوس خطوة أولى، بل هو الركن الأساس في تحرير الأرض. الأرض لا تُستعاد بعقل محاصَر وقرار مُصادَر. وإن أي محاولة للتحرير تبقى ناقصة ما لم تسبقها أو ترافقها، عملية إنهاء لاحتلال الفكر عبر تشكيل الوعي ولاحتلال القرار عبر توجيه الإرادة. ويتمّ ذلك عبر بناء دولة يطبّق شعبها القانون بحذافيره، وينتمي انتماءً جذريًّا لوطنه، ويسعى لأن يكون وطنه وطنًا نموذجيًّا، يعيش فيه مؤدّيًا لواجباته، ويأخذ حقوقه المواطنيّة دون مِنّة من أحد، ودون اضطراره لتقبيل جبهة لهذا، وتمسيح جوخ لذاك، وإغداق آخرين بالشكر والامتنان.

من هنا يكون تحرير الأرض من تحرير العقول والتفرّد بالقرار الحرّ دون إملاءات الآخرين. هنا يصبح تحرير الأرض نتيجة طبيعية لتحرر الإنسان من هذين القيدَين.

مقالات مشابهة
17・09・2026
عن ثوار ١٧ تشرين والثورة التي لم تعرف أعداءها...
فراس حمية
إنه لأمر مثير للملاحظة أن نجد مُطلقي جريدة «١٧ تشرين» إبان الحراك الشعبي عام ٢٠١٩، والتي حملت شعارات مثل «فليَكن خرابًا»، و«كلن يعني كلن»، و«إسقاط النظام»، و«إسقاط الحكومة»، و«إسقاط تحالف المال البورجوازي الطبقي»، ورفعت صور الزعماء مجتمعين، كونهم ممثلين عن الفساد والكارثة التي حلّت بأموال الناس ونهَبت مدّخراتهم، قد أعادوا التموضع خلف «حزب الله» في الحرب، على اعتبار أنه فصيل مقاوم....
16・09・2026
حين يسأل الجنوب عن ثمن الحرب: هل يتغيّر المزاج الشيعي تجاه «حزب الله»؟
رنا شمص
لأعوام طويلة، كان «حزب الله» قادرًا على تقديم الحرب باعتبارها معركة وجود، وعلى ربط سلاحه بحماية الشيعة ومواجهة إسرائيل. وكان هذا الخطاب يجد قبولًا واسعًا داخل بيئة رأت في الحزب قوة عسكرية وسياسية وفّرت لها في مراحل مختلفة، شعورًا بالحماية وقُدرة على الردع. لكن طول أمَد الحرب والنتائج الواضحة لها بدأ يفرض أسئلة مختلفة، بعدما أصبحت الحرب تجربة يومية من النزوح والدمار والخوف والخسارة.
13・09・2026
هل يتحَمّلُ «حزبُ اللهِ» وِزْرَ تدميرِ لبنان ؟!
علي مازح
لقد قلتُ منذ سنواتٍ وقبل اندلاعِ الحربِ الإسرائيليَّةِ على «حزبِ اللهِ»، ردًّا على ما يُسمَّى «مساندةَ غزَّة»، قلتُ: «إذا أرادَ "حزبُ اللهِ" تجنيبَ لبنانَ الدّمارَ والخرابَ في حالِ أرادت إسرائيلُ فعلًا مهاجمتَه (الحزب) لتدميرِهِ والقضاءِ عليه فعليْهِ تسليمُ أسلحتِه إلى الجيشِ اللبنانيّ والانخراطُ "إنْ سَنَحَت له الفرصةُ" في صفوفِهِ وصفوفِ الأجهزةِ الأمنيّةِ والعسكريّةِ الأُخرى...
أيضاً للكاتب/ة
09・09・2026
تغريبة امرأة حرّة
زينب سعد
كلّ صباح، أحضّر قهوتي وأجلس أمام نافذتي، أرتشف من فنجاني رشفة، وأبتلع كلّ ما تراه عيني. شجرة وحيدة تقف في مسافة ضيّقة بين البيوت. المكان ليس مكانها! هل دفعتها الحياة إلى هنا ثم نسيتها؟ هذه ليست شجرة، هذه أنا، أو لربّما تتشابه حكاياتنا أكثر ممّا يجب. هي ليست بين أهلها، ولا مع شجر يشبهها، ولا الأرض تشبه الأرض التي كان يجب أن تكبر فيها. لا أشباه لها، ولا رفاق حولها، ولا فسحة واسعة تمدّد فيها أغصانه
21・08・2026
من «انظروا إليها تحترق» إلى «موشي يائير» الهروب من هزيمة الواقع إلى رواية الوَهم
زينب سعد
ومؤخّرًا، خرج علينا الشيخ نعيم قاسم في خطابه مستندًا إلى مفكّر يُدعى «موشي يائير»، وهي شخصية لا وجود لها بهذا الوصف في المصادر الإسرائيلية المعروفة، مما جعل الاستناد إليها مثالًا صارخًا على صناعة المرجع الوهمي. وهنا يحق لنا أن نستفسر: هل كان قاسم يخاطب أصحاب العقول والمفكرين حين اختار هذا الاسم؟ أم كان يراهن على جمهور يكتفي بتلقّي الرواية من دون بحث أو نقاش أو تدقيق؟