
في عام ١٩٢٦، وُلد الدستور اللبناني في لحظة إقليمية معقَّدة، وسط انهيار الإمبراطورية العثمانية وإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط تحت الانتداب الفرنسي. وبعد مئة عام، يبدو هذا الدستور، رغم كل ما أصابه من تعطيل وتشويه وتعديلات، واحدًا من أقدم الدساتير المعمول بها في المنطقة العربية. ليست المفارقة فقط في عمره الزمني، بل في المقارنة مع دول محيطة لم تعرف دستورًا ثابتًا أصلًا، أو دول لا تزال تُعيد كتابة دساتيرها للمرة السادسة والسابعة تبعًا للانقلابات أو الحروب أو تبدّل موازين القوى.
لبنان، بكل أزَماته وانهياراته، حافظ على فكرة الدستور كمرجعية للدولة، حتى عندما انتُهكت هذه المرجعية مرارًا. وهذه حقيقة تستحق التوقف عندها في المئوية الأولى للدستور اللبناني، ليس من باب الاحتفال العاطفي، بل من باب قراءة معنى أن يبقى نص دستوري قائمًا قرنًا كاملًا في منطقة عاشت على إيقاع الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، وسقوط الجمهوريات، وصعود الأنظمة الأمنية.
الدستور اللبناني لم يكن مجرد وثيقة إدارية لتنظيم السلطات. لقد مثّل منذ البداية محاولة لبناء عقد سياسي بين جماعات متعددة دينيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا. ولهذا السبب بالذات كان هشًّا أحيانًا، لكنه كان أيضًا قابلًا للاستمرار. ففي الوقت الذي اعتمدت فيه أنظمة كثيرة في المنطقة على حكم الفرد أو الحزب أو الجيش، حاول لبنان، ولو بشكل ناقص، أن يؤسّس لفكرة الدولة التوافقية والمؤسّساتية.
في الدول المحيطة بلبنان، تبدو الصورة مختلفة تمامًا. هناك دول لم تستقر يومًا على دستور فعلي، لأن السلطة فيها كانت أقوى من النص، والحاكم أقوى من المؤسسات. وهناك دول عاشت سلسلة دساتير متعاقبة، يكتب كل نظام دستورًا جديدًا يناسب ميزان القوة الذي أوصله إلى الحكم. بعض هذه الدساتير سقط مع أول انقلاب، وبعضها وُلد من رحم الحرب أو الاحتلال أو الصراع الأهلي. وهكذا تحولت الدساتير في كثير من دول المنطقة إلى أدوات ظرفية، لا إلى عقود وطنية طويلة الأمد.
أما في لبنان، فرغم الحرب الأهلية والوصايات الخارجية والانقسامات الحادة، بقي الدستور مرجعية العودة الدائمة عند كل أزمة. حتى اتفاق الطائف عام ١٩٨٩ الذي عدّل جوهر النظام السياسي، لم يُسقط دستور ١٩٢٦ بل أعاد صياغته وإدخال تعديلات عليه. وهذا في حد ذاته يعكس وجود فكرة دستورية متجذّرة في الحياة السياسية اللبنانية، حتى وإن جرى انتهاكها مرارًا.
لكن الاحتفال بمئوية الدستور لا يجب أن يتحوّل إلى إنكار للواقع. فالدستور اللبناني عاش مئة عام، نعم، لكنه عاش أيضًا مئة عام من التعطيل المستمر. كم مرة جرى تجاوز مبدأ فصل السلطات؟ كم مرة أُفرغت المؤسسات من دورها؟ كم مرة عُلّقت الحياة الدستورية بفعل السلاح أو الوصاية أو التسويات الخارجية؟ وكم مرة تحول النص الدستوري إلى مجرد واجهة شكلية فيما القرار الحقيقي يُتّخذ خارج الدولة؟
المشكلة في لبنان لم تكن غياب الدستور، بل غياب الالتزام به. فالدساتير لا تحمي نفسها بنفسها، بل تحتاج إلى ثقافة سياسية تؤمن بالدولة، وإلى طبقة حاكمة ترى في المؤسسات مرجعية نهائية لا مجرد أدوات ظرفية. وهنا تكمن المعضلة اللبنانية الكبرى: وجود نص متقدِّم نسبيًّا، يقابله انهيار مزمن في الممارسة السياسية.
ورغم ذلك، فإن مجرد بقاء فكرة الدستور حية طوال قرن كامل يحمل دلالة عميقة. ففي منطقة غالبًا ما انتصرت فيها القوة على القانون، بقي لبنان، ولو بصعوبة، متمسّكًا بفكرة الشرعية الدستورية. حتى القوى التي انقلبت على الدولة أو عطلت المؤسسات كانت دائمًا تحاول تبرير طروحاتها بلغة دستورية، لأن الشرعية في الوعي اللبناني بقيت مرتبطة بالدستور، لا بالقوة المجردة فقط.
إن المقارنة بين لبنان ومحيطه لا تعني الادّعاء بأن التجربة اللبنانية ناجحة بالكامل. على العكس، فلبنان يعيش اليوم واحدة من أخطر أزماته السياسية والاقتصادية والمؤسساتية منذ تأسيسه. لكن الفرق أن اللبنانيين، عند كل انهيار، يعودون إلى السؤال الدستوري: كيف ننتخب رئيسًا؟ كيف نعيد انتظام المؤسسات؟ كيف نحمي صلاحيات الدولة؟ كيف نطبّق الدستور؟ بينما في دول كثيرة أخرى، لا يكون النقاش حول تطبيق الدستور، بل حول مَن يملك القوة لكتابة دستور جديد بالكامل.
وهنا تظهر القيمة الرمزية والسياسية لمئوية الدستور اللبناني. إنها ليست مجرد ذكرى قانونية، بل شهادة على صمود فكرة الدولة، رغم كل محاولات تقويضها. فالدستور اللبناني نجا من الاحتلالات والحروب والانقسامات والاغتيالات والوصايات، لأنه يعكس، بطريقة أو بأخرى، حاجة اللبنانيين الدائمة إلى إطار ينظّم العيش المشترك، حتى عندما يفشلون في احترام هذا الإطار.
بعد مئة عام، لم يعد السؤال فقط كيف نحافظ على الدستور، بل كيف نعيد إليه معناه الحقيقي. فالنصوص وحدها لا تبني دولة، إذا كانت السلطة الفعلية خارج المؤسسات. والدساتير لا تصبح قوية بطول عمرها فقط، بل بقدرتها على إنتاج دولة عادلة وفاعلة وقادرة على حماية مواطنيها.
المئوية الأولى للدستور اللبناني يجب أن تكون مناسبة لإعادة طرح السؤال الأساسي: هل يريد اللبنانيون فعلًا دولة دستورية، أم أنهم لا يزالون أسرى الطوائف والمحاور والسلاح والتوازنات الخارجية؟ لأن مستقبل الدستور في القرن الثاني لن يتحدد بما كُتب عام ١٩٢٦، بل بما إذا كان اللبنانيون مستعدين أخيرًا للانتقال من ثقافة التسوية المؤقتة إلى ثقافة الدولة الدائمة.
وربما تكون هذه هي المفارقة اللبنانية الكبرى: بلد صغير، مُنهك بالأزمات، لكنه لا يزال يحتفظ بأقدم تقليد دستوري مستمر في المنطقة. وهذا ليس إنجاز السلطة، بل إنجاز فكرة لبنان نفسها؛ فكرة أن الدولة، مهما ضعفت، تبقى أقوى من الفراغ، وأن الدستور، مهما انتُهك، يبقى آخر ما يمنع السقوط الكامل في منطق الغلَبة والفوضى.





