01・06・2026
من العدد ٣٤
الحرب على الذاكرة تقول: نريد اقتلاعكم

عندما كنت أذهب إلى كندا، كانت تستفزني الدعاية الإسرائيلية التي تُصوّر الفلافل والتبولة والحمّص بالطحينة على أنها من التراث الإسرائيلي التقليدي، لأن ذلك يُعدّ استيلاءً على تراث الطّهو الذي تميّزت به بلاد الشام منذ قرون. ولم يكن الأمر مجرد سَطو على تراث، بل على هوية وذاكرة.

ليس هناك شعب في التاريخ استثمر في الذاكرة كما فعل اليهود بعد الهولوكوست. بنوا واحدة من أقوى منظومات حفظ الذاكرة في العالم. جعلوا من الذاكرة منظومة كاملة: مادية، تربوية وقانونية، بحيث لا تُمحى. لقد وثَّقوا المقتنيات الشخصية في متاحف، حيث جُمعت آلاف الأغراض التي كانت بحوزة الضحايا:

الأحذية، الحقائب التي كُتبت عليها أسماء أصحابها، النظّارات، الشعر الذي قُصّ من شعر رأس السجناء، الملابس وأدوات شخصية صغيرة (أمشاط، ساعات، خواتم)؛ وذلك لإثبات أن الضحايا كانوا أفرادًا حقيقيين، وليس مجرد أرقام.

رجعوا الى الأرشيف والوثائق من سجلّات النقل بالقطارات، لوائح الأسماء، وثائق رسمية نازية، ورسائل ويوميات... وذلك لتحويل الذاكرة إلى دليل قانوني وتاريخي لا يمكن إنكاره. كما حافظوا على أماكن الجريمة وأقاموا النُّصب التذكارية وسجلوا شهادات الناجين بالصوت والصورة. أدخلوا كل ذلك في المناهج التعليمية، وأنتجوا أفلامًا وأدبًا. حوَّلوا الذاكرة إلى تجربة شعورية وثقافية، وحموها بالقانون وليس بالعاطفة.

فهل يمكن لمن يعرف كل هذا عن قوة وأهمية الذاكرة، أن يجهل ما يعنيه تدميرها عند الآخرين؟ 

إذا كانت الذاكرة هي ما يمنح الإنسان اسمه، وتاريخه، وحقه في أن يقول «كنت هنا»، فإن محوها هو الطريق الأقصر لتحويله إلى رقم، من قِبل مَن حارب من أجل تحويل الضحايا من أرقام إلى أسماء.

إذن إن استهداف القرى والبلدات في جنوب لبنان ليس مجرد عمل عسكري عابر أو مجرد حرب، ولا يمكن اختزاله بلغة الأرقام: عدد المباني المهدّمة، أو كلفة الخسائر. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة منظمة لضرب ما هو أثمن من الحجر: الذاكرة.

فحين يُسوّى الجامع الكبير أو البيوت التراثية بالأرض وحتى المقابر، فالمقصود ليس فقط إزالة معالم، بل محو الشاهد. هذا ليس دمارًا عشوائيًّا. هو اعتداء ممنهج على الحياة نفسها: على البيوت، على المدارس، على المساجد، على الاسواق، وعلى كل ما يشهد أن بشرًا عاشوا هنا وأحبّوا وتعلّموا وبنوا معنى لوجودهم ودُفنوا أيضًا.

إنه فعل اقتلاع مُعلن: اقتلاع البشر من أمكنتهم، واقتلاع الأمكنة من ذاكرتها.

إنها عملية محو للسيرة الجماعية: لأجيال عاشت وتعلّمت، لأصوات طلاب، لمعلمين حملوا رسالة، وتاريخ محلي تشكّل بصمت عبر عقود وقرون. وحين يُدمَّر جامع أو بيت تراثي، فإن الخسارة لا تُقاس بالإسمنت، بل بما كان يختزنه من تاريخ ومعنى وانتماء.

الذاكرة، على عكس ما يُعتقد، ليست فكرة مجردة. هي مرتبطة بالمكان: بالحجر، بالمقام والقبر، بالدرج والحيّ، وبالأسماء التي تتكرر جيلًا بعد جيل. ولذلك، فإن تدمير المكان هو في جوهره تدمير للذاكرة.

التاريخ يعلِّمنا أن الشعوب التي تشعر بعدم الاستقرار في علاقتها بالأرض، كما هي حال الإسرائيليين في أرض فلسطين المحتلة، تميل إلى إعادة تشكيل المكان بما يتناسب مع روايتها الخاصة. ليس فقط عبر البناء، بل عبر المحو خصوصًا. فإزالة آثار الآخرين ليست عملًا عشوائيًّا، بل جزء من صراع على السردية: مَن كان هنا؟ ومَن له الحق في أن يقول «هذه أرضي»؟

نحن أمام نمط واضح من العنف يتجاوز الحرب إلى ما هو أعمق: اعتداء على الإنسان، وعلى ذاكرته، وعلى القيَم التي تجعل من العيش المشترك ممكنًا. إننا أمام انهيار أخلاقي يُعيد تعريف العلاقة مع الآخر على أساس القوة والعنف وحدهما.

إن استهداف الأماكن المدنية، يُعدّ خرقًا واضحًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني. فحين تُهدم وتدمّر الممتلكات الثقافية والدينية، لا يمكن ان تُصنَّف إلّا ضمن انتهاكات جسيمة، تَرقى إلى جريمة حرب وفق المعايير المعتمدة دوليًّا.

ثم تأتي وقائع النهب التي تحدثت عنها وسائل إعلام إسرائيلية: جنود يدخلون البيوت ويخرجون بمقتنيات شخصية، بمجوهرات، وحتى بصوَر عائلية. هذا الفعل ليس تفصيلًا.

أي انحدار أخلاقي هذا الذي يجعل صورة عائلة، أو غطاء سرير، أو ذكرى خاصة، غنيمة حرب؟ نحن هنا لا نتحدث عن تجاوزات فردية، بل عن سلوك يكشف ذهنية: التعامل مع المكان كفراغ، ومع أهله كأنهم لم يكونوا. يسمي القانون هذا الفعل «النهب» (Pillage)، وهو محظور بشكل صريح ويُعدّ جريمة حرب بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف. لأنه لا يتعلق فقط بالممتلكات، بل بانتهاك كرامة المدنيين وحقوقهم الأساسية.

الصورة العائلية ليست غَرضًا يُسرق، إنها وثيقة هوية. سرقتها ليست فعلًا ماديًّا فقط، بل اعتداء على الحياة الخاصة، وهو ما يتقاطع أيضًا مع انتهاك الحق في الكرامة الإنسانية.

الرسالة هنا تقول: لا نريد فقط أرضكم، بل نريد محو آثاركم عليها.

ثم تأتي الضربة الأكثر خطورة: ضياع الحدود العقارية، واختفاء المعالم، والمَساس بسجلات الملكية جراء تدمير الوثائق والسجلات العقارية. هنا يتحول الدمار إلى تهديد طويل الأمد للحقوق، لا يقل خطورة عن القصف نفسه. ويتحول التدمير إلى مشكلة قانونية مستقبلية: مَن يملك ماذا؟ وأين تبدأ الملكية وأين تنتهي؟ إنه تقويض ومحو للحقوق المدنية وللملكية الخاصة، وكأن الحرب التي يشنّها الاسرائيليون لا تكتفي بالدمار الفوري، بل تمتد لتزرع نزاعات طويلة الأمد داخل المجتمع نفسه.

تحول استهداف الذاكرة الى نمط يتكرر: استهداف البنية المدنية، وتدمير واسع النطاق لا تبرره ضرورة عسكرية واضحة، ونهب ممنهج، فإننا لا نتحدث فقط عن تجاوزات، بل عن أفعال تدخل ضمن إطار الجرائم ضد الإنسانية.

وهنا لا تعود المسألة تقنية أو قانونية فقط، بل أخلاقية أيضًا. لأن القيَم التي يفترض أن تضبط سلوك الحرب - حتى في أقسى ظروفها - تنهار عندما يُصبح المدني، وذاكرته، وممتلكاته، هدفًا مشروعًا.

لكن هذه المحاولات تصطدم بحقيقة أساسية: الذاكرة لا تُمحى بسهولة. يمكن كسْر الحجر، لكن من الصعب اقتلاع المعنى. صحيح أن الذاكرة مثل الزجاج، صدعُها صعب الترميم، لكنها أيضًا لا تختفي بالكامل. تبقى في الناس، في اللغة، في الحنين وفي إعادة البناء نفسها.

المشكلة ليست فقط في ما يُهدم، بل في كيف نردّ نحن. تكرار العبارات الجاهزة مثل «سنعيد البناء أفضل مما كان» لا يكفي، بل قد يكون شكلًا من أشكال الهروب. إعادة البناء الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالخسارة: هناك كْسر حقيقي، وهناك ما لا يمكن ترميمه بالكامل، وبأن شيئًا لا يُعوّض قد فُقد.

لذلك ما يحتاجه الجنوب اليوم ليس فقط إعادة إعمار، بل حماية ذاكرته: توثيق ما دُمّر وتوثيق الانتهاكات، حفظ الأسماء والأدلّة، وإعادة رسم الخرائط وتثبيت الحقوق قانونيًّا، وصَون القصص وملاحقة المسؤولين ضمن الأُطر والقوانين الدولية.

لأن المعركة، في النهاية، ليست فقط على الأرض، بل على معنى هذه الأرض.

ومَن ينجح في حماية ذاكرته، ينجح في البقاء.

مقالات مشابهة
04・06・2026
محمد رعد وخطاب إدارة الهزيمة
داود رمّال
في النداء الأخير لرئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» محمد رعد لا تظهر الأزمة بوصفها أزمة حرب فقط، بل أزمة معنى وهوية ووظيفة ودور تاريخ. ويمكن القول إن أخطر ما في نداء محمد رعد ليس مضمونه السياسي المباشر، بل روحه العامة. إنها روح جماعة تشعر في داخلها بأن مرحلة كاملة انتهت، لكنها لا تملك الجرأة على الاعتراف بذلك علنًا.
03・06・2026
مئة عام على الدستور اللبناني: بين ثبات النصّ وتقلُّبات الجغرافيا السياسية
جاد الأخوي
لبنان، بكل أزَماته وانهياراته، حافظ على فكرة الدستور كمرجعية للدولة، حتى عندما انتُهكت هذه المرجعية مرارًا. وهذه حقيقة تستحق التوقف عندها في المئوية الأولى للدستور اللبناني، ليس من باب الاحتفال العاطفي، بل من باب قراءة معنى أن يبقى نص دستوري قائمًا قرنًا كاملًا في منطقة عاشت على إيقاع الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، وسقوط الجمهوريات، وصعود الأنظمة الأمنية.
29・05・2026
الهجرة عندما تصبح مشروع النجاة الوحيد...
طارق عزت دندنش
لم تعُد الهجرة في لبنان مجرد خَيار لتحسين الوضع المعيشي، بل أصبحت عند كثير من الشباب مشروع نجاة وهروب من واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم. شباب يحملون الشهادات والطموحات، لكنهم يصطدمون بدولة عاجزة، واقتصاد منهار، وطبقة سياسية ما زالت تعيش خارج معاناة الناس، وكأن الوطن لم يعد يتّسع لأحلام أبنائه.