03・05・2026
من العدد ٣٣
تقرير شهري – نيسان ٢٠٢٦: لبنان بين الحرب المفتوحة ومعركة تفسير وقف إطلاق النار


شهد شهر نيسان ٢٠٢٦ أكثر المراحل تعقيداً منذ بدء التصعيد الأخير على الجبهة اللبنانية. فبعد انتقال المواجهة خلال آذار إلى مستوى الحرب المفتوحة بين إسرائيل و«حزب الله»، دخلت العمليات العسكرية خلال النصف الأول من نيسان مرحلة شديدة الكثافة، اتسمت بتوسع نطاق الضربات الإسرائيلية وتزايد وتيرة العمليات التي أعلنها الحزب داخل الجبهة الشمالية الإسرائيلية.

لكن التحول الأبرز لم يكن ميدانياً فقط، بل سياسياً أيضاً، مع ظهور مسار جديد مرتبط بالحرب الإقليمية الأوسع. فبعد إعلان وقف إطلاق النار بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، برز خلاف حول ما إذا كان لبنان مشمولاً بهذا الاتفاق. ثم جاء إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ١٦ نيسان، وقف إطلاق النار في لبنان ليضيف طبقة جديدة من التعقيد، إذ اعتبرت إسرائيل أن استمرار استهداف «حزب الله» يدخل ضمن متطلبات الاتفاق ولا يشكل خرقاً له، فيما تمسك الحزب وحلفاؤه بأن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل كامل الأراضي اللبنانية.

هكذا انتقل الشهر من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق الصراع على تفسير وقف إطلاق النار وحدوده وآليات تطبيقه.

أولاً: التطورات الميدانية

شهد نيسان أعلى مستويات التصعيد منذ أشهر، مع اتساع رقعة الغارات الإسرائيلية لتشمل الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع وأجزاء من العاصمة ومحيطها.

اعتمدت إسرائيل نمطاً عملياتياً يقوم على:

  • غارات جوية كثيفة ومتزامنة على عشرات الأهداف. 
  • استهدافات دقيقة بواسطة المسيّرات. 
  • توسيع نطاق الإنذارات والإخلاءات. 
  • قصف جسور وبنى تحتية ومبانٍ سكنية. 
  • تفجير منازل وأحياء في القرى الحدودية. 
  • تعزيز العمليات البرية حول بنت جبيل والخيام والقطاع الأوسط. 

وبرزت بصورة خاصة غارات ٨ نيسان التي استهدفت أكثر من مئة هدف في أنحاء لبنان، وخصوصاً في العاصمة بيروت، وشكلت إحدى أكبر موجات القصف خلال الحرب.

في المقابل، أعلن «حزب الله» بصورة يومية تقريباً تنفيذ عشرات العمليات العسكرية، شملت استهداف مواقع وقواعد عسكرية إسرائيلية ومستعمرات في الجليل والجولان، واستخدام الصواريخ والمسيّرات الانقضاضية والصواريخ الموجهة. كما ركز الحزب على إبراز الاشتباكات البرية في بنت جبيل والخيام ومحيطهما، وتقديمها بوصفها دليلاً على استمرار القدرة القتالية.

ورغم إعلان وقف إطلاق النار في النصف الثاني من الشهر، استمرت الاستهدافات والغارات الإسرائيلية بوتيرة متفاوتة، ما أبقى الجبهة في حالة اشتباك فعلي، وإن كان أقل اتساعاً من الأيام الأولى.

ثانياً: موقف «حزب الله»

شهد خطاب الحزب خلال نيسان مزيجاً من التعبئة العسكرية والمواجهة السياسية.

فعلى المستوى العسكري، واصل الحزب التأكيد أن عملياته تأتي رداً على الاعتداءات الإسرائيلية، مع إبراز قدرته على الاستمرار في إطلاق الصواريخ وتنفيذ العمليات النوعية رغم اتساع الضربات الإسرائيلية.

أما سياسياً، فتركز الخطاب على عدة عناصر:

  • رفض التفاوض المباشر مع إسرائيل. 
  • رفض ربط وقف الحرب بأي نقاش حول السلاح. 
  • اعتبار أن الدولة اللبنانية تجاوزت صلاحياتها في بعض المسارات التفاوضية. 
  • تحميل الولايات المتحدة مسؤولية دعم العمليات الإسرائيلية. 
  • التأكيد أن المقاومة ما زالت تمثل ضمانة الدفاع عن لبنان. 

ومع طرح اتفاق وقف إطلاق النار، ركز الحزب على فكرة أن لبنان يجب أن يكون مشمولاً بالكامل بأي اتفاق إقليمي، وأن أي استثناء للبنان يعني استمرار الحرب.

ثالثاً: موقف حركة «أمل»

حافظت حركة «أمل» على موقعها الداعم لما تسميه «خيار المقاومة»، لكنها استمرت في لعب دور أكثر حذراً على المستوى الداخلي.

ركزت الحركة على:

  • الدعوة إلى الوحدة الوطنية. 
  • منع الانزلاق إلى الفتنة الداخلية. 
  • دعم النازحين والمتضررين. 
  • رفض التفاوض المباشر مع إسرائيل. 
  • الدفاع عن شمول لبنان بأي وقف لإطلاق النار. 

كما برز دور رئيس مجلس النواب نبيه بري في متابعة الاتصالات السياسية والدبلوماسية، وفي محاولة إدارة التوازن بين ضرورات المواجهة ومتطلبات الاستقرار الداخلي.

رابعاً: البيئة الشيعية المحلية

هيمن ملف النزوح على المشهد الاجتماعي خلال نيسان، مع اتساع نطاق الاستهدافات ليشمل الضاحية الجنوبية والبقاع ومناطق إضافية في الجنوب.

برزت أنشطة البلديات والجمعيات الكشفية والمؤسسات الاجتماعية والدينية المرتبطة بالبيئة الشيعية في دعم النازحين وتأمين المساعدات والخدمات الأساسية.

في المقابل، ظهرت مؤشرات على تنامي النقاش الداخلي حول كلفة الحرب وتداعياتها، خصوصاً مع اتساع حجم الدمار والخسائر البشرية واستمرار النزوح.

كما برزت دعوات دينية متكررة للحفاظ على السلم الأهلي ومنع الاحتقان المذهبي والسياسي.

خامساً: مواقف المعارضين الشيعة

واصلت الشخصيات والمجموعات الشيعية المعارضة انتقاد ربط الساحة اللبنانية بالمواجهة الإقليمية.

وركز خطابها على:

  • رفض استمرار الحرب. 
  • الدعوة إلى حصرية السلاح بيد الدولة. 
  • انتقاد التفاوض من خارج المؤسسات الرسمية. 
  • التحذير من الكلفة الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة. 

كما برزت خلال الشهر تغطيات إعلامية تناولت شخصيات وتيارات شيعية معارضة، وقدمت نفسها بوصفها تعبيراً عن تنوع داخل البيئة الشيعية.

سادساً: مواقف الدولة والقوى السيادية

تمسكت الدولة اللبنانية بخيار التفاوض ووقف إطلاق النار، مع استمرار الدعوات إلى حصر قرار السلم والحرب بمؤسسات الدولة.

وشهد الشهر تصاعداً في الخطاب الرسمي المرتبط ببسط سلطة الدولة وتعزيز دور الجيش والمؤسسات الأمنية.

أما القوى السيادية والمعارضة لـ«حزب الله»، فاعتبرت أن الحرب تؤكد ضرورة معالجة ملف السلاح وتنفيذ القرارات الدولية، وربطت أي استقرار طويل الأمد بإعادة احتكار الدولة للقرار الأمني والعسكري.

سابعاً: السرديات الإعلامية

إعلام «حزب الله»

ركز على:

  • الصمود والثبات. 
  • فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها. 
  • فعالية العمليات العسكرية. 
  • شمول لبنان باتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة. 
  • تصوير الحرب بوصفها جزءاً من مواجهة أوسع مع المشروع الإسرائيلي. 

الإعلام المعارض لـ«حزب الله»

ركز على:

  • كلفة الحرب البشرية والاقتصادية. 
  • مسؤولية الحزب عن ربط لبنان بالصراع الإقليمي. 
  • ضرورة التفاوض. 
  • أولوية الدولة على التنظيمات المسلحة. 
  • اعتبار وقف إطلاق النار فرصة لإعادة طرح ملف السلاح. 

الخلاصة

يمكن توصيف شهر نيسان ٢٠٢٦ بأنه شهر الانتقال من الحرب المفتوحة إلى الصراع السياسي حول معنى وقف إطلاق النار وحدوده.

فميدانياً، شهد الشهر أعلى مستويات التصعيد منذ بداية المواجهة، مع اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية واستمرار النشاط العسكري لـ«حزب الله». أما سياسياً، فقد تحول النقاش تدريجياً من إدارة الحرب إلى إدارة مرحلة ما بعدها، وخصوصاً مع إعلان وقف إطلاق النار وظهور تفسيرات متعارضة لطبيعته.

وبذلك لم يكن نيسان شهر إنهاء الحرب بقدر ما كان شهر بدء الصراع على شروط المرحلة التالية لها.

مقالات مشابهة
03・04・2026
تقرير شهري-آذار ٢٠٢٦: لبنان بين معركة «العصف المأكول» و«زئير الأسد»: من الحرب الإقليمية إلى الانقسام الأهلي
شهد شهر آذار انتقال المواجهة من مستوى الضربات الموضعية في الجنوب وأحيانًا البقاع والضاحية الضاحية ضمن ما كانت تصفه إسرائيل بـ«حرية الحركة» ضد «حزب الله» في لبنان. إلى ما يمكن توصيفه كحرب مفتوحة بين إسرائيل و«حزب الله»، مع اتساع نطاق العمليات وتعدد ساحات الاستهداف في الجنوب والضاحية والبقاع وبيروت...
03・03・2026
تقرير شهري- شباط ٢٠٢٦: ستاتيكو ميداني وتصاعد خطابي… وصولًا إلى لحظة حرب إيران
شهد شهر شباط ٢٠٢٦ استمرار نمط الاشتباك المحدود على الجبهة اللبنانية، من دون تسجيل تحوّل نوعي كبير في طبيعة المواجهة. فقد بقيت الضربات الإسرائيلية ضمن إطار ضغط شبه يومي، محدود النطاق، يقوم على الغارات الجوية المتفرقة، الاستهدافات الدقيقة، القصف المدفعي، والتحليق المكثف للمسيّرات.
01・02・2026
تقرير شهري- كانون الثاني ٢٠٢٦: تصعيد ميداني واستمرار المراوحة حول سلاح «حزب الله».
شهد شهر كانون الثاني ٢٠٢٦ ارتفاعًا ملحوظًا في وتيرة الضربات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، ترافَق مع احتدام السجال السياسي الداخلي، خصوصًا حول سلاح «حزب الله» ودور الدولة، وسط تباين حاد في مواقف القوى السياسية.