(2).jpg)
لم تعُد الهجرة في لبنان مجرد خَيار لتحسين الوضع المعيشي، بل أصبحت عند كثير من الشباب مشروع نجاة وهروب من واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم. شباب يحملون الشهادات والطموحات، لكنهم يصطدمون بدولة عاجزة، واقتصاد منهار، وطبقة سياسية ما زالت تعيش خارج معاناة الناس، وكأن الوطن لم يعد يتّسع لأحلام أبنائه.
المؤلم أن لبنان لا يخسر فقط أعدادًا من شبابه، بل يخسر العقول والكفاءات والطاقة التي كان يمكن أن تبني مستقبل البلد. الطبيب، المهندس، الأستاذ، الحرفي وحتى العامل البسيط، جميعهم باتوا يفكرون بالرحيل لأنهم فقدوا الثقة بإمكانية قيام دولة تؤمّن الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار.
الأخطر أن هذا النزيف لا يترك أثرًا اقتصاديًّا فقط، بل يضرب الهوية الوطنية والانتماء. فعندما يشعر الشاب أن الغربة أرحم من وطنه، فهذه ليست أزمة فرد، بل أزمة وطن بأكمله. الأوطان لا تُبنى بالشعارات والخطابات، بل ببناء دولة قانون ومؤسسات تمنح أبناءها الأمان وفرصة الحياة الكريمة.
وفي المقابل، تستمر الصراعات السياسية والطائفية وكأن البلد بخير، فيما الجيل الشاب يدفع الثمن من عمره ومستقبله. بدل أن تكون طاقات الشباب في الجامعات والمصانع والمؤسسات، أصبحت في المطارات والسفارات وصفوف الانتظار للهجرة.
لبنان لا ينقصه الشباب، بل ينقصه مَن يحمي هذا الشباب من اليأس. فالدول التي تخسر أبناءها المتعلمين والمنتجين تخسر مستقبلها تدريجيًّا، لأن الثروة الحقيقية لأي وطن ليست النفط ولا المال، بل الإنسان.
ويبقى السؤال المؤلم: هل يأتي يوم يعود فيه الشباب إلى وطن يشعرهم أنهم مواطنون لا مجرد أرقام مهملة في دولة تتآكلها الأزمات؟





