29・05・2026
من العدد ٣٤
الهجرة عندما تصبح مشروع النجاة الوحيد...

لم تعُد الهجرة في لبنان مجرد خَيار لتحسين الوضع المعيشي، بل أصبحت عند كثير من الشباب مشروع نجاة وهروب من واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم. شباب يحملون الشهادات والطموحات، لكنهم يصطدمون بدولة عاجزة، واقتصاد منهار، وطبقة سياسية ما زالت تعيش خارج معاناة الناس، وكأن الوطن لم يعد يتّسع لأحلام أبنائه.

المؤلم أن لبنان لا يخسر فقط أعدادًا من شبابه، بل يخسر العقول والكفاءات والطاقة التي كان يمكن أن تبني مستقبل البلد. الطبيب، المهندس، الأستاذ، الحرفي وحتى العامل البسيط، جميعهم باتوا يفكرون بالرحيل لأنهم فقدوا الثقة بإمكانية قيام دولة تؤمّن الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار.

الأخطر أن هذا النزيف لا يترك أثرًا اقتصاديًّا فقط، بل يضرب الهوية الوطنية والانتماء. فعندما يشعر الشاب أن الغربة أرحم من وطنه، فهذه ليست أزمة فرد، بل أزمة وطن بأكمله. الأوطان لا تُبنى بالشعارات والخطابات، بل ببناء دولة قانون ومؤسسات تمنح أبناءها الأمان وفرصة الحياة الكريمة.

وفي المقابل، تستمر الصراعات السياسية والطائفية وكأن البلد بخير، فيما الجيل الشاب يدفع الثمن من عمره ومستقبله. بدل أن تكون طاقات الشباب في الجامعات والمصانع والمؤسسات، أصبحت في المطارات والسفارات وصفوف الانتظار للهجرة.

لبنان لا ينقصه الشباب، بل ينقصه مَن يحمي هذا الشباب من اليأس. فالدول التي تخسر أبناءها المتعلمين والمنتجين تخسر مستقبلها تدريجيًّا، لأن الثروة الحقيقية لأي وطن ليست النفط ولا المال، بل الإنسان.

ويبقى السؤال المؤلم: هل يأتي يوم يعود فيه الشباب إلى وطن يشعرهم أنهم مواطنون لا مجرد أرقام مهملة في دولة تتآكلها الأزمات؟

مقالات مشابهة
04・06・2026
محمد رعد وخطاب إدارة الهزيمة
داود رمّال
في النداء الأخير لرئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» محمد رعد لا تظهر الأزمة بوصفها أزمة حرب فقط، بل أزمة معنى وهوية ووظيفة ودور تاريخ. ويمكن القول إن أخطر ما في نداء محمد رعد ليس مضمونه السياسي المباشر، بل روحه العامة. إنها روح جماعة تشعر في داخلها بأن مرحلة كاملة انتهت، لكنها لا تملك الجرأة على الاعتراف بذلك علنًا.
03・06・2026
مئة عام على الدستور اللبناني: بين ثبات النصّ وتقلُّبات الجغرافيا السياسية
جاد الأخوي
لبنان، بكل أزَماته وانهياراته، حافظ على فكرة الدستور كمرجعية للدولة، حتى عندما انتُهكت هذه المرجعية مرارًا. وهذه حقيقة تستحق التوقف عندها في المئوية الأولى للدستور اللبناني، ليس من باب الاحتفال العاطفي، بل من باب قراءة معنى أن يبقى نص دستوري قائمًا قرنًا كاملًا في منطقة عاشت على إيقاع الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، وسقوط الجمهوريات، وصعود الأنظمة الأمنية.
01・06・2026
الحرب على الذاكرة تقول: نريد اقتلاعكم
منى فياض
إذن إن استهداف القرى والبلدات في جنوب لبنان ليس مجرد عمل عسكري عابر أو مجرد حرب، ولا يمكن اختزاله بلغة الأرقام: عدد المباني المهدّمة، أو كلفة الخسائر. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة منظمة لضرب ما هو أثمن من الحجر: الذاكرة. المشكلة ليست فقط في ما يُهدم، بل في كيف نردّ نحن. تكرار العبارات الجاهزة مثل «سنعيد البناء أفضل مما كان» لا يكفي، بل قد يكون شكلًا من أشكال الهروب.
أيضاً للكاتب/ة
25・03・2026
لبنان بين بين فكيّ السلاح وضغط الانهيار؟
طارق عزت دندنش
في الأيام الأخيرة، انفجرت مجموعة مؤشّرات سياسية وأمنية توحي بأنّ لبنان يقف على مفترق تاريخي: حكومة تتحدّث عن حصر السلاح بالدولة، ضغوط دولية متصاعدة على «حزب الله»، محادثات مباشرة مع إسرائيل بعد أربعة عقود، واستنفار أممي للدفع نحو وقف التصعيد..
03・02・2026
بين ١٧ أيار و٢٧ تشرين وكاريش: أين ضاعت حقوق لبنان؟
طارق عزت دندنش
بين اتفاقٍ أُسقط بالشعارات، واتفاقات أُقرت بالتراضي، ضاعت حقوق لبنان تباعًا، لا بالهزيمة العسكرية بل بالتنازل السياسي المقنّع. المقارنة بين ١٧ أيار ١٩٨٣ و٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، وكاريش، ليست دفاعًا عن اتفاق ولا تبرئة لمرحلة...
03・02・2026
اغتيال لقمان… حلقة من سلسة تستهدف الفكر...
طارق عزت دندنش
أثبتت التجربة أن الأفكار لا تُغتال. يُقتل الجسد، يُسكت الصوت، لكن النهج يبقى. وكل ذكرى لقمان سليم، كما ذكرى مهدي عامل، تذكير بأن داخل هذه الطائفة، كما في كل لبنان، من لا يزال يؤمن بالدولة، بالقانون، وبأن المستقبل لا يُبنى بالخوف بل بالوعي.