20・05・2026
من العدد ٣٤
جولة في رُكام الحُلم: عندما تهَرول زنزلختة القرية نحو الغياب

 


تحت وطأة الحنين، لا تعود المسافات تُقاس بالكيلومترات، بل بنبَضات القلب التي تتسارع كلما اقتربت السيارة من حدود الذاكرة. الرحلة إلى القرية اليوم ليست نزهة، بل هي اقتحام لمنطقة محرّمة، مهمة محفوفة بالمخاطر حيث يختلط فيها هدير المحرك بصوت الأنفاس المتهدّجة. تمرّ بالقرى المجاورة سريعًا، لا تنظر جانبًا، فكل تأخير هو استدراج لحدَث مفاجئ قد يقطع حبل الوصل قبل التمام.

 

رائحة الحرب وصمْت الشوارع

تتعثّر السيارة بحجارة تناثرت كأشلاء من جدران كانت يومًا تستر عائلات وتُخفي أسرارًا. الطريق الذي كان يضجّ بصيَحات الأطفال وسلام العابرين، صار الآن صامتًا إلّا من نحيب الريح. ما زالت رائحة الحرائق عابقة، تلتصق بالثياب وبالرئتين، كأنها ترفض أن تغادر المكان. الشوارع خالية من الحياة، لا يكسر وحشتها إلّا قطط جائعة تموء بكِسرة، أو كلاب شاردة تبحث في الركام عما يسدّ رمقها، وكأنها حراس الوفاء الأخير في زمن الهَجر.

 

انقباض الصدر وانفجار العواطف

مع ملامح أول مبنى في القرية، يبدأ الصدر بالانقباض. يرتسم أمامك مشهد سُريالي؛ بيوت مدمّرة تبدو كأنها وجوه بشرية صرخت ثم تجمّدت. هنا يختلط الرعب بالحزن، لكن من عمق هذا الركام، تنفجر كتلة من الأشواق. تتوسّل إلى عينيك أن تتوقف عن رصْد الدمار، لكن الذاكرة تأبى إلّا أن تُحيي الموتى:

 «هذا البيت أعرفه، هنا سهرنا حتى الفجر وغزَلنا الضحكات. وهذه الطريق شهدت خطواتي الأولى في الحب... وتحت تلك الشجرة، توارينا يومًا عن عيون الناس لنتبادل وعودًا ظننّا أنها أبدية». 

كل زاوية لها نكهة، وكل حجر له قصة، والرماد الذي يغطي المكان ليس إلّا غبار سنين سُرقت من أعمارنا.

 

الزنزلختة... الشاهدة والهاربة

وعندما تصل إلى البيت، يرتجف الوجود. هنا البيت الذي تعبت في بنائه، ذاك الحلم الذي بنَيته «بحصَة بحصَة» وشيّدته حجرًا حجرًا، على مرِّ السنين وصبْر الأيام، تراه الآن واقفًا بكرامة جريحة. في تلك اللحظة، شعرت بأن شجرة «الزنزلختة» العتيقة لم تعد ثابتة في الأرض، بل بدَت وكأنها تهَرول ناحيتي، تفتح أغصانها لتعانقني. لا أدري أهو قلبي الذي هروَل نحوها، أم أن الشجر يمتلك قلوبًا تشعر باليُتم حين يغيب أصحابها؟

هي لحظات من الوجع الصافي، تساؤلات حارقة تخنق الحنجرة: متى العودة الحقيقية؟ متى أسكن روحي الضائعة التي ترفض أن تغادر غبار الحرب؟

 

خاتمة الحلم

تنتهي الرحلة، أفتح عينيّ لأجد نفسي بعيدًا من الركام ومن الزنزلختة. لم تكن رحلة واقعية بالمعنى المادي، بل كانت حُلمًا زارني في ليل الغربة القسري. لكنني عشته بكل خفقة، وبكل دمعة، وبكل شعرة اهتزت في جسدي. فالمكان في قلوبنا لا يسقط بالمتفجرات، والبيت الذي بنَيناه بوجداننا يبقى قائمًا، ينتظرنا لننفض عنه غبار الحرب ونُعيد نبض الحياة إلى عروقه.

مقالات مشابهة
18・09・2026
النّكبَةُ الشِّيعيَّةُ: بين الماضي والحاضر
علي مازح
وبعد انتصارِ عامِ ٢٠٠٦ المزعومِ، بدأ الإمامُ شمس الدّين يُعبِّرُ بوضوحٍ عن قلقِهِ من استثمارِ هذا النّصرِ من جانبِ إيران و«حزبِ اللهِ»، لا بوصفِهِ نهايةَ صراعٍ دفاعيّ، بل بوصفِهِ بدايةَ مشروعٍ إقليميٍّ مفتوح، يجعلُ من الطّائفةِ الشّيعيَّةِ وَقودًا لا شريكًا، لذلك رفعَ الصَّوتَ عاليًا، إذ قالَ في إحدى وَصاياهُ:«أوصي الشِّيعةَ في لبنانَ بأن لا ينخرطُوا في مشروعٍ خاصّ، لا سياسيٍّ ولا أمنيٍّ ولا عسكري
15・09・2026
بين «تاريخي» والتاريخ: حين يُستدعى الماضي ويُبدَّل لخدمة خيارات الحاضر... سيرة ابن ملّي مثالًا
بهاء الحسيني العاملي
في «تاريخي»، وعلى خطى كتابات سبقت في هذا الخصوص، وأُلِّفت فيها العديد من الكتب، قُدِّمت بعض المحطات من تاريخنا على طريقة الحكواتي الشعبوي، لكن مع مفاهيم مختارة بدقة تترك آثارًا عاطفية عند المتلقّي. ومع استحضار لأسماء كتب ومصادر ومراجع تمّ استنباطها لتحصِّن المعروض وتثبِّته في أذهان مَن لا طاقة لهم على البحث.
14・09・2026
العودة إلى المدارس في الجنوب: عام دراسي على وقع النزوح والخوف
أحمد خواجة
لا يمكن قياس الضرر الذي أصاب قطاع التعليم في لبنان، وبالأخص في الجنوب، بعدد الأبنية المتضررة أو المدمرة فقط. فالعام الدراسي يبدأ هذه المرة مع آلاف التلامذة الذين عاشوا تجربة النزوح والخوف وفقدان المنازل، وما يرافق ذلك من آثار نفسية وتعليمية واجتماعية، ومع معلمين اضطروا هم أيضًا إلى ترك بلداتهم وحياتهم المعتادة، وواجهوا أنواعًا مختلفة من المصاعب
أيضاً للكاتب/ة
03・09・2026
الضاحية الجنوبية بين زنّانة السماء وحسابات الأرض: خريطة حيّة لمدينة تحبس أنفاسها
أكرم محمود
بين حركة الأرض الدائبة والترقب السياسي الكئيب، يبقى الصوت القادم من أعلى - صوت الطائرات المسيرة التي لا تهدأ ولا تغيب - يذكر الجميع في كل لحظة وكل حين بأن هذه المدينة، برغم ازدحام أسواقها وضحكات أطفالها على البسطات وحولها، ما زالت تعيش فصلًا استثنائيًّا وقاسيًّا من تاريخها، تحارب فيه الخوف بالاعتياد، وتداوي قلقها بالعمل، وتنتظر انقشاع الغموض لتستعيد كامل روحها وعافيتها.
10・08・2026
بلاغة الشعارات وفاتورة الرماد: حين تغدو الشعوب قرابين على مذبح الكلمة
أكرم محمود
ثمة لحظاتٌ فارقةٌ في تاريخ الأمم تُزانُ فيها القراراتُ بميزان الذهب، وتُقدَّر فيها الخيارات بمقدار ما تحقنه من دماءٍ وما تصونه من أرواح. غير أن التاريخ العربي المعاصر ما زال يرزح تحت وطأة مأساةٍ مكرّرة؛ مأساة تحويل السياسة والمواجهات الاستراتيجية من مضمارٍ للعقلانية والتخطيط البارد إلى حلبة للمبارزة الشعرية وخطاب البلاغة الفصيح.
21・07・2026
أوهام الانتصار الرمزي: كيف يهرب الخطاب الخشبي من كلفة الواقع؟
أكرم محمود
في أحد خطابات للشيخ نعيم قاسم اعتبر فيه أن «منع إسرائيل من الاستقرار في الأرض وقتلنا ليس بالشيء الهيِّن»، يمثل ذروة هذا النهج الهروبي. إنه منطق يعتمد بالدرجة الأولى على تزوير الحقائق القريبة، وقلب الأدوار، وصناعة ذرائع وهمية لتبرير كارثة استراتيجية دفع ثمنها، لبنان وجنوبه، من دمائه ومستقبله.