19・05・2026
من العدد ٣٤
وطن يأكل أبناءه، بعلبك الهرمل... ساحة العزاء المفتوحة

إنها الجنائز التي لا تنتهي والمواكب التي تشقُّ صمت البقاع لتزرع في ترابه غصّة لا تُمحى. تمتد الطريق من بعلبك إلى الهرمل كشريط من الوجع المعلّق فوق هامات الجبال، هناك حيث يسير الموت متبخترًا ببدلته المرقطة، يخطف شبابنا الذين ما زالوا في عمر الورد ويقتلعهم من أحضان أمهاتهم ومن بين يدَي أطفالهم ليُعيدهم إلينا جثامين باردة وصوَرًا تُعلَّق على الجدران الصامتة. وفي كل يوم نفتح فيه أعيننا نجد القائمة تطول والأسماء تتزاحم والدموع تجفّ في المآقي من فرْط هوْل المشهد.

شباب في ربيع العمر كان الأجدر بهم أن يزرعوا الأرض حبًّا وحياة، أصبحوا اليوم وقودًا لمعارك لا تنتهي وقرابين تُقدَّم على مذبح سياسات عابرة للحدود، تدفع ثمنها البيوت البقاعية من لحمها الحي ومن مستقبل أبنائها. خلْف كل شهيد قصة تُدمي القلوب وطفل لا يزال ينتظر على عتبة الدار عودة أبيه حاملًا له قطعة حلوى أو يحضنه بحنان، وأرملة شابة وجدت نفسها فجأةً تواجه غدْر الزمان ووحشة الفقْد وهي في مقتبل العمر تحمل على كتفيها حمل الجبال وترعى يتامى لا ذنب لهم سوى أن والدهم كان جنديًّا في معركة «الإسناد».

وهناك آباء وأمهات شابت شعورهم قبل الأوان وهم يوارون في الثَّرى مَن كان يُفترض أن يُواريهم في خريف العمر. فأي وجع هذا الذي يسكن قرانا؟! وأي ضمير لا يهتزّ أمام صرخات الثكالى وأنين اليتامى!؟ إنها مأساة تتكرر فصولها كل يوم حيث تتحول بعلبك - الهرمل إلى ساحة عزاء مفتوح وإلى خزّان لا ينضب من الدماء التي تُراق في سبيل أجندات إقليمية لا تلتفت إلى حجم الفجيعة التي تتركها خلفها.

فإلى متى سيظل هذا النزيف مستمرًا؟ وإلى متى سنبقى نشيّع الورود تلو الورود لخدمة مصالح غريبة عن أوجاعنا اليومية وعن حاجتنا للأمان والاستقرار؟ إن القلب لينفطر حين نرى تلك الوجوه الشابة وهي تُحمل على الأكتاف مغلّفة برايات الصمت بينما تضجّ البيوت بالعويل المكتوم وبالأسئلة التي لا يجرؤ أحد على الجهْر بها. أسئلة عن جدوى هذا الثمن الباهظ وعن ذنب هؤلاء الأطفال الذين سيكبرون وهم لا يعرفون عن آبائهم سوى صورة جامدة على الحائط، وعن ذنب الأمهات اللواتي جفّت دموعهن وهن ينظرن إلى مقاعد فارغه لن تمتلئ أبدًا.

إنها صرخة وجدانية تخرج من أعماق المعاناة، صرخة تهزّ الضمائر النائمة وتطالب بوقف هذا المسار الانتحاري. فالبقاع ليس مجرد خزان للمقاتلين بل أرض للحياة والكرامة والعيش الكريم، ومن حق أبنائه أن يحلموا بمستقبل لا ينتهي في كفن، ومن حق أطفاله أن يكبروا في ظل آبائهم لا في ظل صورهم.

كفى هدرًا لهذه الدماء الطاهرة وكفى متاجرة بمشاعر الناس وأوجاعهم. فالحزن الذي يسكن بيوتنا اليوم أكبر من أن تصفه الكلمات والوجع الذي يعصر القلوب أعمق من كل الشعارات. إننا نشيّع قطعًا من أرواحنا، ونواري في الثَّرى أحلامًا كان يُفترض أن تبني وطنًا لا أن تُهدم في سبيل مساندة لا تجلب سوى المزيد من الموت واليُتم والخراب. فهل مَن يسمع؟ وهل مَن يدرك أن خلف كل جنازة وطنًا ينزف وأمةً تُذبح من الوريد إلى الوريد في محراب الطاعة العمياء؟!

مقالات مشابهة
29・07・2026
تقديرات أوَّلية: فاتورة الدمار ٢٥ مليار دولار وخسارة غير مسبوقة في القدرة الإنتاجية
داود رمّال
تشير تقديرات أولية وتقارير اقتصادية دولية يجري إعدادها إلى أن نحو ٣٠ في المئة من القدرة الإنتاجية للبنان أصبحت عمليًّا خارج دائرة العمل نتيجة الواقع العسكري في الجنوب، حيث أدّت السيطرة الإسرائيلية المباشرة أو بالنيران على مساحات واسعة منه إلى تعطيل النشاط الاقتصادي في منطقة تمثّل أحد أهم محركات الاقتصاد الحقيقي. ولا يتعلق الأمر فقط بتوقف المؤسسات عن العمل..
21・07・2026
أوهام الانتصار الرمزي: كيف يهرب الخطاب الخشبي من كلفة الواقع؟
أكرم محمود
في أحد خطابات للشيخ نعيم قاسم اعتبر فيه أن «منع إسرائيل من الاستقرار في الأرض وقتلنا ليس بالشيء الهيِّن»، يمثل ذروة هذا النهج الهروبي. إنه منطق يعتمد بالدرجة الأولى على تزوير الحقائق القريبة، وقلب الأدوار، وصناعة ذرائع وهمية لتبرير كارثة استراتيجية دفع ثمنها، لبنان وجنوبه، من دمائه ومستقبله.
14・07・2026
لبنان بين مفاوضات واشنطن وسويسرا: استفادة محتملة أم ثمن مدفوع؟
جاد الأخوي
الخلاصة الأقرب إلى الواقع أن لبنان لا يقف اليوم في موقع المستفيد الأول ولا في موقع الضحية الكاملة، بل في منطقة وسطى بين المعادلتين. فهو يستفيد من كون مصلحة إيران في إنجاح تفاهماتها مع واشنطن تدفعها إلى ممارسة ضغوط لتثبيت وقف النار في لبنان، وهو زخم دولي لم يكن متوافرًا بهذا المستوى من قبل.
أيضاً للكاتب/ة
09・07・2026
الدويلة تلتهم الدولة أو معادلة الوطن في خدمة «المقاومة»
علي الضيقة
أسّس هذا التحالف الميليشياوي لـ«دولة الفساد العميقة» التي حمَت الكارتيلات الاحتكارية والمصارف وهرّبت الثروات والمواد الأساسية عبر الحدود. هذا النهب المنظَّم لم يكن طعنة في ظهر الوطن فحسب بل كان، للمفارقة، الطعنة الأكبر الموجهة لـ«جمهور المقاومة» نفسه، للـ«بيئة الحاضنة» والجمهور العام الشيعي.
16・04・2026
عن المقامرة بالدماء اللبنانية في ساحات التفاوض الاقليمي
علي الضيقة
لقد حان الوقت لنزع القناع عن الوجوه التي باعت بيروت في سوق النخاسة الإقليمي والاعتراف بأن العدو الحقيقي للقمة عيشنا هو ذلك الفكر الظلامي الذي يقدم مصالح «الولي الفقيه» على مصلحة العامل والفلاح والطالب. إن البركان الذي يغلي في صدور الجائعين لن تُخمده الخطابات الرنانة والزلزال الذي بدأ في أمعاء الأطفال الخاوية سيهدم عروش كل الذين تاجروا بآلامنا ليرضوا أسيادهم...
25・03・2026
خراب الإسناد الثالث
علي الضيقة
في تاريخ لبنان الحديث سلسلة طويلة من الشعارات الكبيرة التي انتهت دائمًا بالنتيجة نفسها: الخراب. في كل مرة كان يُقال للبنانيين إن المعركة ليست هنا بل هناك، وإن الواجب القومي يفرض عليهم أن يتحول بلدهم إلى ساحة حرب مفتوحة....