04・05・2026
من العدد ٣٤
الجنوب... حين تغدو الذاكرة وطنًا من حجرٍ وروح


ما أصعب أن تستيقظ الذاكرة على مشهدِ قرىً كاملةٍ سُوِّيَت بالأرض، وكأنَّ يدًا غريبةً امتدّت لتمحو هوية المكان وتغتصب ملامح العمران. لم تكن تلك الجدران التي سقطت مجرد سواتر إسمنتية، بل كانت الملاذ الدافئ الذي بنيتموه حجرًا حجرًا، وسقيتم أساساته بمرارة التبغ وعرق الجبين وسنوات طويلة من الحرمان. هي حكاية أجيالٍ جبلَت أعمارها في التراب لتصنع بيتًا، وحياةً، وأمانًا.

 

بيادر العشق وعناقيد الضوء

تلك القرى التي كانت تتلألأ أضواؤها في سفوح الجنوب مثل حبّات عناقيد العنب، لم تكن مجرد تجمعات سكنية، بل كانت «مسارح» لقصص العشق البسيطة والأحلام المتواضعة. هناك، فوق البيادر التي غابت ملامحها اليوم، كبرت أحلام الشباب في تأسيس عائلة، وفي إنجاب جيلٍ يحمل الفرح لجيلٍ قادم. كانت الأرض هي المربّي، وكانت المواسم هي التقويم الحقيقي للحياة؛ حيث الكدّ والتعب لا يمنعان حلقة دبكة تهتزّ الأرض تحت أقدامها، ولا يُسكِتان صوت «المنجَيرة» الذي كان ينسلّ من بين القصب ليعبّر عن وجع الأرض وعنفوان أهلها.

 

أصالة «قوت اليوم» وعنفوان الفلّاح

في تلك البيوت، عاش فلّاحون بسطاء، ملكوا «القليل» من المادة لكنهم حازوا «الكثير» من السعادة. كانت البرَكة تحلّ مع جمع البيض الصباحي، وحلْب «المِعزاية» أو البقرة، وصناعة القوت كل يوم بيومه. كان للأكل طعم الأصالة، وللخبز رائحة الأرض، وللحياة استقلالٌ حقيقي ينبع من يدٍ لا تمتدّ إلّا لزرع أو حصاد. ورغم دخول التمدُّن، وارتفاع البيوت الجميلة المشيّدة بـ«دم القلب» ومدَّخرات المغتربين الذين طحنهم الشوق في بلاد الغربة، بقيت القرية وفيةًّ لروحها القديمة.

 

الأسواق... نبض القلوب المُداور

مَن ينسى تلك الأسواق الأسبوعية؟ سوق الثلاثاء، سوق الجمعة، وغيرهما من الأسواق التي كانت تدور بين القرى مُداورةً، كأنها نبضٌ ينتقل من جسد إلى آخر. هناك، كان التجار الصغار يفترشون الأرض مع بضائعهم، والناس يلتقون ليتبادلوا الأخبار قبل السِّلع. كانت الأسواق «عيدًا» مصغّرًا ينتظره الأطفال والكبار، ومساحةً للقاء العابر للقرى، قبل أن يعود الجميع مع غسَق المساء إلى بيوتهم، محمَّلين بالرزق وبحكايا جديدة.

 

الكارثة... ونبض الانبعاث

المؤلم اليوم، أننا أمام كارثة إنسانية تتجاوز هدْم الحجر؛ نحن أمام محاولة لـ«كيّ الذاكرة» ومحو إرثٍ إنساني لن تتوارثه الأجيال القادمة إذا سكَتنا. إن مشهد القرى الممسوحة مرعبٌ لا تتحمله المشاعر، والخشية من أن الجنوب «لن يعود كما كان» هي خشيةٌ مشروعة على تلك «النكهة» الفريدة التي ضاعت.

ولكن، يبقى الرهان على الإنسان الجنوبي الذي بنى من اللاشيء حضارةً من الكرامة. إن العودة ليست مجرَد سكن، بل هي فعل مقاومة بالبناء. العودة تعني أن يُبنى الحجر وتُبنى معه الذاكرة، أن يُحكى للأحفاد عن مكان كل بيدر، وعن رائحة كل دكان، وعن صدى كل زغرودة في عرسٍ قديم.

الأمل يبقى معقودًا على سواعدٍ اعتادت العطاء؛ ليعود الأبناء، وتعود الدوالي لتُظلل العتَبات، وتعود المنجَيرة لتعزف لحن البقاء... لأن الأرض التي جُبلت بعرق الجبين، لا يمكن لآلة دمار أن تمحو رائحة أهلها منها.

مقالات مشابهة
27・10・2026
توضيح وزارة البيئة حول أزمة النفايات في بعلبك
شهيرة زعيتر
كان لـ«الفان رقم ٤» لقاء بموظفة في وزارة البيئة وبالتحديد في مصلحة البيئة السكنيّة وهي مهندسة بيئية في الأربعينات من العمر طلبت عدم ذكر اسمها، وذلك لعدم حصولنا على كتاب خطّي من الإدارة، وقد خوّلت من قِبل الوزارة بالحديث عن الملف، تقول: «إن إدارة ملف النفايات الصلبة في لبنان ككل صعب، تحاول الوزارة التخفيف منه عبر الفرز من المصدر كلما أمكن ذلك، وبمعالجة أمر المطامر عبر التخفيف من الطمر ذات التكلفة
19・10・2026
بين مقاعد الدراسة وشاشات التعليم عن بُعد... كيف عمّقت الحرب الفجوة التعليمية بين أطفال لبنان؟
حسن سنديان
«كان وضعي النفسي مشتّتًا وممزّقًا. لم يكن ذهني منصبًّا على الدروس، بل كان معلّقًا ببيتنا في بيروت المهدَّد بالقصف في أي لحظة، وبعائلتي وأقاربنا وجيراننا الذين لم يتمكنوا من النزوح لعدم توفر مأوى لهم في المناطق الآمنة. عشنا تحت ضغط نفسي هائل وخوف دائم على من نحب».
13・10・2026
بيوت قليلة ونازحون كثر: الحرب ترفع الطلب على الإيجارات في جنوب لبنان
أحمد خواجة
وبالنتيجة، فإن معظم سكان الشريط الحدودي سابقًا، وبعد أن استحالت قراهم رمادًا، شرعوا فور توقف الحرب الموسّعة في البحث عن شقق ومنازل للإيجار في المناطق الجنوبية الواقعة خارج الشريط الأصفر، ما رفع الطلب على الإيجارات ورفع في الأسعار. مع الإشارة هنا إلى أن الدمار الذي لحق بالقرى الواقعة خارج الخط الأصفر، جعل آلاف العائلات فيها تخسر منازلها أيضًا، ما رفع الطلب على الإيجارات في هذه البلدات.
أيضاً للكاتب/ة
20・10・2026
العنوان الوحيد… حكاية من زوطر الغربية
أكرم محمود
لا يُقاس الزمن في جنوبي لبنان بالشهور أو بالسنوات، ولا يُحسب بتعاقب الفصول التقويمية المدوّنة على الورق؛ بل يُقاس بفصول الشجر والزيتون، وبمواعيد الفلاحين مع الأرض عند انبلاج الفجر، وبأصوات الضحكات التي تتردد في باحات البيوت العتيقة. لكن الحرب حين تعصف بالقسوة والحديد، تجرف معها التقويم بأكمله، وتقتلع سكينة الأيام من جذورها...
08・10・2026
بين حيوية الأمس وتغيُّرات اليوم: كيف تبدَّلت ملامح الحياة الاجتماعية في قرى الجنوب؟
أكرم محمود
عند العودة بالذاكرة إلى عقد الثمانينات وما قبله، وتحديدًا خلال عقدَي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كان الفضاء العام في قرى الجنوب يضجّ بحيوية فلكلورية وعفوية أصلية تعبّر عن روح المجتمع الريفي الأصيل. كانت ساحات القرى والمناسبات الاجتماعية، من أعراس ومواسم أعياد، تشهد حلقات الدبكة الشعبية المشتركة التي تجمع الشباب والشابات...
22・09・2026
جسر العبور: صك العودة والمطر من يوميات نازح
أكرم محمود
وتابع يهمس بكبرياءٍ مبلَّل بالوجع: «جدي لم يمت يا ابني، صار جزءًا من تراب عيناتا، هو هناك في بنت جبيل وفي الخيام، عين ماء تمشي في وادي الحجير، وتسمع صوته في ضحكات الصغار الذين يتفركشون بدمعة الفراق قبل أن يقوى عودهم ويشتد حنينهم. وإليك وصيّتي الكبرى: إذا كُتبت لك العودة وقُدر لي الغياب قبلها، ومررت بالليطاني، فاصمت قليلًا، اخلع نعلَيك واحنِ رأسك، ودع النهر يخبرك عن عطشنا للأرض...