03・03・2026
من العدد ٣١
شباط ٢٠٢٦: ستاتيكو ميداني وتصاعد خطابي… وصولًا إلى لحظة حرب إيران


شهد شهر شباط ٢٠٢٦ استمرار نمط الاشتباك المحدود على الجبهة اللبنانية، من دون تسجيل تحوّل نوعي كبير في طبيعة المواجهة. فقد بقيت الضربات الإسرائيلية ضمن إطار ضغط شبه يومي، محدود النطاق، يقوم على الغارات الجوية المتفرقة، الاستهدافات الدقيقة، القصف المدفعي، والتحليق المكثف للمسيّرات.

لكن هذا التوازن بقي قائمًا حتى الأيام الأخيرة من الشهر، حين أدّى اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وايران من جهة أخرى إلى نقل المشهد من إدارة اشتباك يومي مضبوط داخل لبنان إلى ترقّب قرار إقليمي مفتوح، أعاد خلط الحسابات السياسية والعسكرية.

أولًا: طبيعة الضربات الإسرائيلية وتطورها

تُظهر المعطيات الميدانية خلال شباط نمطًا ثابتًا ومنخفض الوتيرة نسبيًا من العمليات الإسرائيلية، تميّز بالآتي:

 

-غارات جوية شبه يومية ومحدودة استهدفت قرى وبلدات في الجنوب والبقاع، من دون توسّع لافت في العمق أو في حجم التدمير.

-استهدافات لأفراد عبر الطائرات المسيّرة، خصوصًا ضد سيارات ودراجات نارية، بما يعكس تركيزًا على أهداف محددة بدل بنى تحتية واسعة.

-قصف مدفعي مستمر طال القرى الحدودية، ولا سيما القرى الأمامية، ضمن نمط ضغط دائم.

-تحليق كثيف ومنخفض للمسيّرات لأغراض الاستطلاع وفرض حضور جوي دائم.

-توغلات وأعمال هندسية محدودة شملت تجريفًا وتفجيرًا وتعزيزات موضعية على طول الحدود، من دون تغييرات ميدانية كبرى.

ثانيًا: موقف «حزب الله»

حافظ «حزب الله» خلال الشهر على خطاب ثابت، يقوم على التأكيد أن المقاومة ضرورة وأن السلاح غير قابل للنقاش في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية.

وقد ركّز خطابه على:

-استمرار خيار المقاومة.

-رفض البحث في نزع السلاح قبل وقف العدوان.

-اعتبار الاعتداءات الإسرائيلية دليلًا على الحاجة إلى السلاح.

-تجنّب إعلان نية واضحة بالتصعيد.

لكن التحول الأبرز جاء مع نهاية الشهر، بعد استهداف إيران، إذ دخل خطاب الحزب مرحلة من الغموض:

لا إعلان صريح بالرد.

ولا استبعاد واضح له.

مع انطباع بأن القرار لم يعد محليًا بالكامل.

 

وهذا عكس انتقالًا من قرار مضبوط إلى حسابات مرتبطة بالسياق الإقليمي الأوسع.

ثالثًا: موقف حركة «أمل»

بقيت حركة «أمل» ضمن الخط العام الداعم لما تسميه بخيار المقاومة، لكنها حافظت على نبرة أكثر توازنًا وحذرًا.

وقد شددت على:

-أن الاعتداءات الإسرائيلية تستهدف لبنان ككل.

-أهمية دور الدولة والجيش والمؤسسات الرسمية.

-ضرورة تفادي الانزلاق إلى حرب شاملة.

 

وابراز دور نبيه بري كعامل توازن سياسي، أو كـ«صمام أمان»، من خلال محاولة إبقاء قنوات التواصل مفتوحة وضبط الإيقاع الداخلي في ظل ارتفاع منسوب التوتر.

رابعًا: مواقف المعارضين الشيعة

شهد شباط تصاعدًا تدريجيًا في خطاب القوى والشخصيات الشيعية المعارضة، حيث ركزت على:

 

-أن السلاح خارج الدولة يعرّض لبنان للضربات.

-أن الجنوب يدفع الثمن الاجتماعي والاقتصادي للمواجهة.

-ضرورة تحييد لبنان عن صراعات المحاور.

-رفض احتكار التمثيل السياسي داخل البيئة الشيعية.

وبعد استهداف إيران، تحوّل هذا الخطاب إلى تحذير مباشر من جرّ لبنان إلى حرب لا يملك قرارها.

خامسًا: مواقف الحكومة والقوى السيادية

بقيت الحكومة والقوى السيادية على موقفها التقليدي، القائم على:

 

-ضرورة حصر السلاح بيد الدولة.

-تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالكامل.

-اعتبار استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة عامل خطر دائم على لبنان.

 

لكن مع نهاية الشهر، ارتفعت نبرة التحذير من خطر توسّع المواجهة، خصوصًا إذا قرر «حزب الله» الرد على استهداف إيران.

في المحصلة يمكن توصيف شهر شباط ٢٠٢٦ بأنه شهر ستاتيكو ميداني وتصاعد خطابي.

فميدانيًا، بقيت المواجهة ضمن اشتباك منخفض الوتيرة، قائم على ضربات إسرائيلية شبه يومية ومحدودة. أما سياسيًا، فقد تصاعد السجال حول السلاح ودور الدولة وكلفة المواجهة.

لكن نهاية الشهر شكّلت نقطة تحوّل، إذ انتقل المشهد من إطار لبناني مضبوط إلى أفق إقليمي مفتوح، جعل لبنان أمام مرحلة ترقّب وانتظار لقرار قد يعيد رسم مسار المواجهة.

مقالات مشابهة
03・09・2026
تقرير شهري – آب ٢٠٢٦: من وعود «اتفاق الإطار» إلى حصار علي الطاهر
انتهى الشهر من دون حسم. بقيت الجولة الثامنة من مفاوضات روما مطروحة لشهر أيلول، لكن موعدها وشروطها وآلية التحقق ظلّت موضع غموض. وتمسكت رئاسة الجمهورية والحكومة بالتفاوض باعتباره أقل كلفة من الحرب، مع تأكيد حصرية السلاح ودور الجيش، فيما صعّد «حزب الله» رفضه للمسار ووصفه بأنه يشرعن العدوان. أما «حركة أمل»، فجمعت بين رفض «اتفاق الإطار» كما طُبّق، والتشديد على الجيش والدولة والوحدة الوطنية والحضور الدو
03・08・2026
تموز ٢٠٢٦: الجنوب اللبناني بين «اتفاق الإطار» والتفجيرات الهائلة
دخل لبنان شهر تموز و«اتفاق الإطار» الذي أُعلن في نهاية حزيران يتصدر المشهد السياسي، بوصفه محاولة لنقل المواجهة مع إسرائيل من الحرب المفتوحة إلى مسار تفاوضي تقوده الدولة اللبنانية برعاية أميركية. إلا أن الشهر لم يكن شهر تطبيق مستقر للاتفاق بقدر ما كان شهر اختبار لشروطه وحدوده: استمرت الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب.
03・07・2026
حزيران ٢٠٢٦: من الحرب إلى الانقسام حول «اتفاق الإطار»
دخل لبنان شهر حزيران ٢٠٢٦ وهو يحمل إرث وقف إطلاق النار غير المطبّق، ومفاوضات عسكرية وأمنية لم تُنتج انسحابًا إسرائيليًا، ومعارك برية امتدت نحو دبين والشقيف وشمال نهر الليطاني، وانقسامًا داخليًا متصاعدًا حول التفاوض والسلاح. استمرت، خلال الأيام الأولى من حزيران، العمليات البرية التي كانت قد بدأت في أواخر أيار حول دبين وقلعة الشقيف ووادي السلوقي...