01・05・2026
من العدد ٣٣
لبنان في مهلة وقف إطلاق النار بين اختبار الدولة وخطر تثبيت العجز


في المراحل التي تلي الحروب، لا تُقاس اللحظة بما توقّف، بل بما يُبنى عليه. والمهلة التي مُنحت للبنان لثلاثة أسابيع ليست تفصيلًا تقنيًّا، بل نافذة ضيّقة تختصر صراعًا عميقًا على هوية البلد ودوره. هي ليست استراحة، بل اختبار مكثّف هل لبنان قادر على الانتقال من ساحة إلى دولة، أم أنه سيُعاد تدويره داخل منطق الجبهات المفتوحة؟

هذه الأيام تُشبه بعضها. كل يوم يمرّ من دون تقدّم سياسي فعلي، يرفع احتمالات الانزلاق بدل أن يخفضها.

أولًا - هدنة مشروطة بالوقت لا بالثقة

ما يميّز هذه الهدنة أنها لا تقوم على تسوية، بل على «تعليق نزاع». الفارق جوهري.

- لا اتفاق سياسيًّا واضحًا؛

- لا ضمانات متبادلة؛

- لا مرجعية تنفيذية حاسمة.

بالتالي، نحن أمام هدنة محكومة بعاملَين:

١ - الوقت كلما اقتربت النهاية من دون نتائج، زادت الهشاشة؛

٢ - الاختبار المتبادَل كل طرف يراقب الآخر أكثر مما يلتزم تجاهه.

هذا النوع من الهُدن لا ينهار دفعة واحدة، بل يتآكل تدريجيًّا، خرق صغير، ردّ محسوب، ثم تراكم يقود إلى الانفجار.

ثانيًا - وهْم «السلام السريع»

الحديث عن اتفاق سلام خلال ثلاثة أسابيع ليس فقط غير واقعي، بل قد يكون مضلّلًِا سياسيًّا.

المشكلة ليست تقنية، بل بُنيوية. 

فداخليًّا لا إجماع على مفهوم السلام أصلًا، والسلاح خارج إطار الدولة لا يزال عنصرًا حاسمًا والقرار السيادي موزّع، لا مركزي.

أمّا إقليميًّا، فلبنان جزء من شبكة نزاعات، لا حالة منفصلة وأي تحوّل جذري مرتبط بتوازنات أوسع لم تنضج بعد.

وعمليًّا، فإن السلام ليس إعلانًا، بل مسار حدود، أمن، اقتصاد، اعتراف متبادل، وكلها ملفات تحتاج إلى سنوات لا إلى أيام.

الأرجح فإن الأمر ليس سلامًا، بل «إدارة نزاع محسّنة».

ثالثًا - خطر الانزلاق من الخطأ إلى الحرب

السيناريو الأخطر ليس قرار الحرب، بل غياب القرار.

حين تتعدّد الجهات المسلّحة وتتضارب الحسابات، تصبح الحرب نتيجة «خطأ في التقدير» لا خيارًا استراتيجيًّا.

فما يزيد الخطر هو فائض السلاح مقابل نقص القرار والبيئة المشحونة قابلة للاشتعال والأطراف تحتاج إلى «إثبات حضور».

وهنا يظهر أخطر شكل من النزاعات.

الحرب بلا هدف: حرب لا تغيّر المعادلات، لكنها تُعيد إنتاج الخسائر نفسها: دمار، استنزاف، ثم عودة إلى نقطة الصفر مع خطاب نصر متناقض مع الواقع.

رابعًا - الدولة أمام اختبار وجودي فعلي

هذه ليست لحظة تحسين أداء، بل لحظة تعريف دَور. فإما أن تتحوّل الدولة إلى مرجعية فعلية، أو تُكرَّس كغطاء شكلي.

لذا يكون المطلوب ليس شعارات، بل خطوات وانتقال واضح نحو احتكار القرار الأمني وتمكين فعلي للمؤسسة العسكرية سياسيًّا قبل أن يكون عسكريًّا. إطلاق مسار جدّي للاستراتيجية الدفاعية، لا إعادة تدوير نقاشاتها.

الفارق هذه المرة أن الفشل لن يُفسَّر كعجز ظرفي، بل كخيار ضمني بترك الأمور خارج الدولة.

خامسًا - الاقتصاد كعامل كبح… أو تفجير

لبنان لم يعد يحتمل حربًا جديدة هذه حقيقة شبه محسومة.

لكن الخطورة تكمن في منطق موازٍ بدأ يطلُّ برأسه: «إذا كان الانهيار قائمًا، فما الذي سنخسره؟».

هذا التفكير يحوّل الأزمة الاقتصادية من عامل ردع إلى عامل تبرير، وهو تحوّل بالغ الخطورة.

في المقابل، المجتمع الدولي يقدّم معادلة واضحة: استقرار مقابل دعم، لكن ضمن شروط تعني عمليًّا إعادة ترتيب موازين القوة داخل الدولة.

سادسًا - المزاج الشعبي - استقرار هش

المجتمع اللبناني ليس موحّدًا، بل منقسم بين رغبة حقيقية بالخروج من دوامة الحروب وقابلية دائمة للتعبئة تحت الضغط.

هذا التناقض يجعل الشارع عنصرًا غير قابل للتنبؤ فقد يكون عامل تهدئة… أو وقود تصعيد.

سابعًا - تقاطع النوايا: لا أحد يريد الحرب… ولا أحد يحسم السلام

إسرائيل تريد أمنًا مستقرًّا على حدودها، لا اتفاقًا مُكلفًا، و «حزب الله» يريد تثبيت موقعه دون خسائر استراتيجية. 

 لدولة اللبنانية تريد الإمساك بالملف دون امتلاك أدوات كافية، والمجتمع الدولي يريد تهدئة سريعة ضمن مسار طويل ومعقّد. ونتيجة ذلك يكون هو التقاطع على تجنّب الانفجار… من دون اتفاق على الحل.

ثامنًا - السيناريو المرجّح تثبيت «اللّاحل»

أكثر السيناريوهات واقعية ليس السلام ولا الحرب، بل استقرار هشّ يُدار خارجيًّا، وقف إطلاق نار مضبوط، تفاهمات غير معلنة؛ و استمرار الخلل الداخلي نفسه. أو بمعنى آخر: تجميد الأزمة بدل حلّها.

في النهاية المشكلة ليست في المهلة… بل في القرار، فالأسابيع الثلاثة لن تغيّر مصير لبنان، لكنها ستكشفه. هي ليست مهلة لصنع السلام، بل مهلة للإجابة عن سؤال واحد: هل هناك إرادة حقيقية لبناء دولة؟

إذا وُجدت الإرادة، تبدأ المسارات حتى لو طال الزمن. وإذا غابت، لن تمنع أي هدنة حربًا مقبلة.

لبنان لا يقف اليوم بين خيارَين، بل أمام مفترق أخطر: إما تثبيت منطق الدولة تدريجيًّا، أو تثبيت واقع أن الدولة نفسها ليست صاحبة القرار. وفي هذه الحالة، لن تكون الحروب استثناءً…

بل القاعدة التي تتكرَّر بأشكال مختلفة.

مقالات مشابهة
17・09・2026
عن ثوار ١٧ تشرين والثورة التي لم تعرف أعداءها...
فراس حمية
إنه لأمر مثير للملاحظة أن نجد مُطلقي جريدة «١٧ تشرين» إبان الحراك الشعبي عام ٢٠١٩، والتي حملت شعارات مثل «فليَكن خرابًا»، و«كلن يعني كلن»، و«إسقاط النظام»، و«إسقاط الحكومة»، و«إسقاط تحالف المال البورجوازي الطبقي»، ورفعت صور الزعماء مجتمعين، كونهم ممثلين عن الفساد والكارثة التي حلّت بأموال الناس ونهَبت مدّخراتهم، قد أعادوا التموضع خلف «حزب الله» في الحرب، على اعتبار أنه فصيل مقاوم....
16・09・2026
حين يسأل الجنوب عن ثمن الحرب: هل يتغيّر المزاج الشيعي تجاه «حزب الله»؟
رنا شمص
لأعوام طويلة، كان «حزب الله» قادرًا على تقديم الحرب باعتبارها معركة وجود، وعلى ربط سلاحه بحماية الشيعة ومواجهة إسرائيل. وكان هذا الخطاب يجد قبولًا واسعًا داخل بيئة رأت في الحزب قوة عسكرية وسياسية وفّرت لها في مراحل مختلفة، شعورًا بالحماية وقُدرة على الردع. لكن طول أمَد الحرب والنتائج الواضحة لها بدأ يفرض أسئلة مختلفة، بعدما أصبحت الحرب تجربة يومية من النزوح والدمار والخوف والخسارة.
13・09・2026
هل يتحَمّلُ «حزبُ اللهِ» وِزْرَ تدميرِ لبنان ؟!
علي مازح
لقد قلتُ منذ سنواتٍ وقبل اندلاعِ الحربِ الإسرائيليَّةِ على «حزبِ اللهِ»، ردًّا على ما يُسمَّى «مساندةَ غزَّة»، قلتُ: «إذا أرادَ "حزبُ اللهِ" تجنيبَ لبنانَ الدّمارَ والخرابَ في حالِ أرادت إسرائيلُ فعلًا مهاجمتَه (الحزب) لتدميرِهِ والقضاءِ عليه فعليْهِ تسليمُ أسلحتِه إلى الجيشِ اللبنانيّ والانخراطُ "إنْ سَنَحَت له الفرصةُ" في صفوفِهِ وصفوفِ الأجهزةِ الأمنيّةِ والعسكريّةِ الأُخرى...
أيضاً للكاتب/ة
01・09・2026
رسالة نعيم قاسم إلى دمشق: هل يُفتح الطريق مجدّدًا نحو طهران؟
جاد الأخوي
لم تكن عبارة الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، في الرابع من آب، حول عدم ممانعته عقد لقاء علني مع القيادة السورية الجديدة، عابرة في سياق خطاب سياسي طويل. فالقول إن «لا مانع» من لقاء دمشق، وإن «سوريا المستقرة سنَد للبنان ولبنان المستقر سند لسوريا»، يأتي بعد أشهر من التوتر الحاد بين الحزب والسلطة السورية الجديدة، وفي لحظة إقليمية شديدة التعقيد أعادت رسم خرائط النفوذ والحركة بين لبنان وسوريا وإيران
14・07・2026
لبنان بين مفاوضات واشنطن وسويسرا: استفادة محتملة أم ثمن مدفوع؟
جاد الأخوي
الخلاصة الأقرب إلى الواقع أن لبنان لا يقف اليوم في موقع المستفيد الأول ولا في موقع الضحية الكاملة، بل في منطقة وسطى بين المعادلتين. فهو يستفيد من كون مصلحة إيران في إنجاح تفاهماتها مع واشنطن تدفعها إلى ممارسة ضغوط لتثبيت وقف النار في لبنان، وهو زخم دولي لم يكن متوافرًا بهذا المستوى من قبل.
03・06・2026
مئة عام على الدستور اللبناني: بين ثبات النصّ وتقلُّبات الجغرافيا السياسية
جاد الأخوي
لبنان، بكل أزَماته وانهياراته، حافظ على فكرة الدستور كمرجعية للدولة، حتى عندما انتُهكت هذه المرجعية مرارًا. وهذه حقيقة تستحق التوقف عندها في المئوية الأولى للدستور اللبناني، ليس من باب الاحتفال العاطفي، بل من باب قراءة معنى أن يبقى نص دستوري قائمًا قرنًا كاملًا في منطقة عاشت على إيقاع الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، وسقوط الجمهوريات، وصعود الأنظمة الأمنية.