.jpg)
ما نشهده اليوم في لبنان ليس مجرّد تدهور سياسي أو أمني، بل انحدار واضح في مستوى اللغة نفسها. لم يعد الخلاف يُعبَّر بالأفكار، بل بالشتيمة. ولم يعد النقاش ساحة لتبادل الآراء، بل مساحة مفتوحة للشتّامين.
هناك وهْم واسع الانتشار بأن الشتائم يمكن أن تكون موقفًا، وأن رفع الصوت، واستخدام أقسى العبارات وأقذعها، كافٍ لإثبات الجرأة أو صدْق القول. لكن الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: الشتيمة ليست موقفًا، بل عجز عن إنتاج موقف. هو بديل رخيص عن التفكير، وأقصر الطرق للظهور، وأسرعها سقوطًا.
الأخطر أن هذا الخطاب لم يعد هامشيًّا. لم تعد لغة الشارع مقصورةً عليه؛ بل تسلّلت إلى الإعلام والسياسة، ووصلت حتى إلى الفضاء الأكاديمي. الجميع بات يتحدّث اللغة نفسها، وكأننا أمام عملية تعميم للشتائم بوصفها أداة وحيدة للتعبير. وهكذا، يتحول النقاش العام إلى ساحة صراع لفظي بين شتّامين، لا بين أصحاب أفكار.
في ظلِّ العنف الدائر اليوم، وارتفاع منسوب التوتُّر والانقسام، يصبح هذا الانحدار أكثر خطورة؛ لأن اللغة ليست منفصلة عن الواقع، بل جزء منه. حين تُصبح الشتائم هي القاعدة، يصبح العنف أكثر قابلية للتبرير. وحين تُختزل المواقف إلى إهانات، يسهل الانتقال من الكلام إلى الفعل.
يبرّر البعض هذا السلوك بأنه «ردّ فعل». يقولون: نحن نشتم لأننا نُشتَم. كأن الشتيمة تُصبح مشروعة لمجرد أنها ردُّ فعلٍ على شتيمة أخرى. لكن بهذا المنطق، لا يعود هناك فرق بين فعل وردّة فعل. كلاهما ينحدر إلى المستوى نفسه. كلاهما يساهم في تعميم الرداءة نفسها. وكلاهما يلغي أي إمكانية للارتقاء بالنقاش.
ولا يقف الأمر عند الشتيمة فقط، بل يتجاوزه إلى الشماتة والاستهزاء بالخصم، مهما بلغ مستوى الخصومة، وحتى في حالات العداء المطلق. هذا السلوك لا يغيّر موقف أحد، ولا يقرّب أي مسافة، ولا يُسهم في تعديل ميزان واقع. على العكس تمامًا، هو يدفع الخصم إلى مزيد من الانغلاق والتصلّب، ويحوّل المواجهة إلى سباق في الإهانة: مَن يشتم أكثر، مَن يستهزئ أكثر، ومَن صوته أعلى.
وهنا تتكرّس المشكلة: لا يعود النقاش حول القضايا، بل حول الأسلوب؛ لا حول ما يُقال، بل كيف يُقال، ومَن قاله بحدّة وعنف أكبر. ومع الوقت، نُصبح جميعًا أسرى هذا الانحدار، ندور في حلقة مفرغة من خطاب كراهية وتفاهة في آن واحد، لا يُنتج إلّا مزيدًا من تغذية العنف القائم، ويمنحه شرعية لغوية راسخة.
هذا ليس دفاعًا عن «التهذيب» بالمعنى السطحي، ولا دعوة إلى لغة منمَّقة. بل رفض واضح لتحويل الشتيمة والسُباب إلى معيار للنقاش؛ لأن الاستمرار في هذا المسار لا ينتج إلّا مزيدًا من الفراغ. الشتّام، مهما علا صوته، يبقى محدود الأدوات. يكرّر نفسه، يستهلك مفرداته، ويستنزف تأثيره بسرعة. وما قد يبدو في البداية قويًّا، يتحول مع الوقت إلى ضجيج مكرور لا يُثير إلّا الاشمئزاز والملل أو السخرية.
المشكلة أن هذا النمط لا يكتفي بإفراغ الخطاب من مضمونه، بل يُعيد تشكيل الفضاء العام على صورته. يُصبح السُباب هو اللغة المشتركة، ويُقصى كل مَن يحاول التفكير خارج هذا القالب. وهكذا، لا نخسر فقط مستوى النقاش، بل نخسر أيضًا القدرة على إنتاج بدائل، أو حتى تخيّلها.
في النهاية، إما الاستمرار في هذا الانحدار، حيث يتحوّل الجميع إلى شتّامين فارغين، يتبادلون الإهانات والتهديد والوعيد، عاجزين عن إنتاج أي فكرة، وعديمي الأثر، لا وظيفة لهم سوى الضجيج، ليتحوّلوا إلى مجموعة لا تستحق أكثر من منصات الشارع ولغته؛ أو إعادة الاعتبار للّغة بوصفها أداة تفكير، لا مجرد وسيلة مبتذَلة لتفريغ عُقد النقص وإشباع هوَس الظهور.


