.jpg)
بدأت الحكاية من النزوح، من عائلات خرجت من قراها على عجَل تحت وقْع الغارات، تاركة بيوتها ومواسمها وذكرياتها وكل ما راكَمته سنوات طويلة من تعب يومي. خرج الناس حاملين ما خفّ وزنه من الأغراض وما ثقُل من الخوف، ومضوا نحو أماكن لا يعرفون إن كانت ستمنحهم الأمان أو مجرد انتظار جديد. أطفال ناموا على الأرض في مدارس مكتظّة، أمهات حاولن حماية أُسَرهن وسط القلق ونقص الحاجات الأساسية، وكبار سنٍّ غادروا بيوتًا ظنّوا أنهم سيُكملون أعمارهم فيها. في مراكز الإيواء عاش الناس ضيق المكان، انعدام الخصوصية، نقص المياه والطعام والدواء، والقلق الدائم على مَن بقي تحت النار. هناك اكتشف كثيرون أن الحرب لا تسلب البيت فقط، وإنما تسلب الإحساس بالأمان والكرامة أيضًا.
في تلك المراكز، تقاسمت عائلات عدة غرفة واحدة، وانتظر المرضى ساعات للحصول على دواء، وواجه الأشخاص ذوو الإعاقة أماكن غير مهيأة لحاجاتهم، فيما تحمّلت النساء العبء الأكبر في رعاية الأطفال وتأمين متطلبات البقاء في ظروف قاسية. تحولت الأيام إلى صفوف انتظار ومساعدات غير منتظمة وخوف مفتوح على مستقبل مجهول. وكثيرون وصلوا إلى تلك الأماكن وهم يحملون صدمة مباشرة: استشهاد قريب، تدمير منزل، أو نجاة من غارة بفارق دقائق. لذلك لم يكن النزوح انتقالًا من الخطر إلى الأمان، وإنما انتقالًا من رعب إلى رعب آخر، ومن خسارة إلى انتظار طويل.
ثم جاءت العودة مع إعلان هدنة الأيام العشرة. غير أن ليست كل عودة عودة فعلية، ولا يكفي فتح الطرقات أو إعلان هدنة مؤقتة كي يعود الناس إلى حياتهم. ما يجري اليوم في جنوب لبنان يبدو أقرب إلى حركة نزوح معكوسة من عودة حقيقية. يعود الناس إلى قراهم وبلداتهم ليجدوا فراغًا واسعًا: بيوتًا مهدّمة، محلات مشلّعة أبوابها، بُنى تحتية مُدمَّرة، وحقولًا متضررة، وأرضًا ما زالت تحت التهديد المباشر بالنار والاحتلال. عاد كثيرون ليتفقدوا الركام أكثر مما عادوا ليستأنفوا الحياة. وعاد آخرون لأن كلفة النزوح باتت فوق قدرتهم، لا لأن شروط الاستقرار توافرت.
في هذا المشهد، تبدو العودة محاطة بأسئلة أكبر من القدرة على الاحتمال. خمسة وأربعون يومًا كانت كافية كي يطرح اللبنانيون السؤال الأوضح والأكثر إيلامًا: لماذا أُدخل الجنوبيون، ومعظم مناطق لبنان، في هذه الحرب؟ ولماذا لم يحسب مَن اتخذ قرار المواجهة حساب الناس، وحيواتهم، وكراماتهم، ومصيرهم؟
الحروب التي تُخاض باسم الشعارات من دون حماية البشر تتحول سريعًا إلى عبء على أصحاب الأرض أنفسهم. وما جرى كشَف مرة جديدة الفجوة بين مَن يقرر ومَن يدفع الثمن، بين مَن يتحدث بلغة الحرب ومَن يفتش عن مأوى أو دواء أو بيت نجا من القصف. وكان يفترض بأي جهة تزجُّ مجتمعًا كاملًا في حرب أن تملك تصوُّرًا لما بعدها: كيف سيحتمي الناس، أين سينزحون، كيف ستُصان كراماتهم، مَن سيعوض خسائرهم، وكيف ستُحمى أرزاقهم ومستقبل أولادهم. ما ظهر هو أن الناس تُركوا لمصائرهم يواجهون النار والاقتلاع والخوف.
لقد كان نموذج غزة كافيًا لإدراك حجم التوحش الذي يمارسه هذا العدو حين تُفتح أبواب الحرب. كان واضحًا أن إسرائيل لا تفرق بين مدني وعسكري، بين صحافي ومُسعف، بين طفل وعجوز، وأنها تمضي في مشروعها الدموي والتوسعي من دون التفات للقانون أو للإنسان. ومع ذلك جرى إدخال لبنان في مواجهة من دون استعداد فعلي لحماية الناس أو تقليل الخسائر.
بعد نحو خمسين يومًا، صار السؤال أخلاقيًّا وسياسيًّا وإنسانيًّا: مَن يملك حق تقرير مصير مجتمع كامل من دون تفويض منه ثم يتركه تحت الركام؟ ورغم كل ما عاشه أبناء هذا الوطن من قتل ونزوح وخسارات، ما زالت الأبواق مفتوحة لتبرير الحرب والتحريض على أبناء البلد الواحد وتكرار خطابات رنانة منفصلة عن وجع الناس.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقلّ خطورة: كيف جرت عملية تربية وأدلجة بيئة كاملة على الخضوع لقرار «حزب الله»، وعلى تقديم الولاء لفكره على فكرة المواطنة والدولة؟ هذا الخضوع لا يمكن فصله عن الدور الإيراني في الجنوب اللبناني وفي مجمل هذه الحرب. فالمسألة مرتبطة ببنية نفوذ إقليمية جعلت الجنوب ساحة متقدمة في مشروع يتجاوز لبنان وحدوده. وعلى مدى سنوات جرى ربط مصير هذه البيئة بخيارات المحور حتى باتت أولويات طهران تُقدَّم بوصفها جزءًا من المصلحة المحلية.
عندما دخلت إيران المواجهة الإقليمية، أدخلت لبنان معها، بحُكم هذا الارتباط. لم يُطرح الأمر على اللبنانيين ولم يُتخذ القرار عبر مؤسسات الدولة، وإنما جاء نتيجة تموضع «حزب الله» داخل استراتيجية أوسع تعتبر الجنوب خط تماسٍ ورسالة ضغط وأداة تفاوض. وهكذا وجد اللبنانيون أنفسهم مرة جديدة يدفعون ثمن حرب لا يملكون قرارها الكامل.
في هذا السياق، يصبح الخضوع الأيديولوجي وظيفة سياسية. حين يُربّى المجتمع على أن سلاح الحزب يحميه، وأن قرار الحرب مقدَّس، وأن الاعتراض خيانة، يسهل تحويل الناس إلى جمهور يتحمل الكلفة من دون مساءلة. وتصبح الخسائر تضحيات، والدمار صمودًا، والنزوح امتحانًا للوفاء، فيما يغيب السؤال الأساسي: مَن قرر، ولمصلحة مَن؟
لقد خاضت إيران الحرب من بعيد، وخاضها «حزب الله» من الداخل، ودفع اللبنانيون ثمنها على أرض الواقع. الجنوب تهدّم، والناس نزحوا، والاقتصاد ازداد انهيارًا، فيما بقي القرار موزّعًا بين مَن يدير الصراع ومَن يتحمل نتائجه. لذلك لا تبدو العودة اليوم مجرد عودة إلى قرى مدمّرة، وإنما عودة إلى أزمة أعمق تتعلق بالسيادة ومعنى الدولة وحق الناس في تقرير مصيرهم. الجنوب لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر، وإنما إلى إعادة بناء السياسة نفسها بحيث يصبح قرار الحرب والسلم شأنًا وطنيًّا لا وظيفة إقليمية.
لكن خلف هذا التحليل السياسي، يظهر الوجه الأكثر قسوة للحرب، وهو الوجه الإنساني. فالنقاش حول السيادة والمحاور والقرارات الكبرى يفقد معناه حين يُقاس بحياة الناس اليومية وبما خلّفته الحرب على أجسادهم وذاكرتهم وبيوتهم. الناس لا يعودون فقط إلى قرى مدمَّرة، وإنما يعودون من تجربة قاسية كشفت هشاشة الحماية الاجتماعية وعمق الإهمال وحجم الأثمان التي يدفعها المدنيون كلما اتُّخذت قرارات الحرب بعيدًا عنهم.
في النهاية، تمتد آثار الحرب إلى ما هو أخطر، انقسام الداخل اللبناني نفسه. جرّ «حزب الله» لبنان مرة جديدة إلى مواجهة لم تكن محل إجماع وطني، ثم إلى انقسام حاد بين مَن يؤيّد قراره ومَن يرفض زجِّ البلد في حرب لا يملك قرارها. خلال الحرب ظهرت موجات واسعة من التخوين لكل صوت معترض، فصار مَن يطالب بحماية المدنيين متّهمًا، ومَن يسأل عن جدوى المعركة مشكوكًا بولائه، ومَن يرفض ربط لبنان بمحاور الخارج مُدرجًا على خانة الخصومة. بهذه الممارسة لم تعد الأزمة محصورة بالعدو على الحدود، وإنما انتقلت إلى داخل المجتمع نفسه. وحين يُفرض قرار الحرب على اللبنانيين من دون توافق ويُمنع النقاش الحر تحت سطوة التخوين والتهديد، يتراجع الشعور بالمصير المشترك ويتعمق الشرخ بين أبناء البلد الواحد. الخطر اليوم يهدّد وطنًا ينجرف نحو تقسيم داخلي سياسي واجتماعي ونفسي. وما لم يُستعد القرار الوطني الجامع وحق اللبنانيين في الاختلاف من دون ترهيب، سيبقى البلد مهدَّدًا بحروب تبدأ من الخارج وتتفاعل في الداخل.




