24・04・2026
من العدد ٣٣
رحلة النزوح مستمرة… ٢٤ ساعة على حافة القلق في الطريق إلى الجنوب ومنه

انتظر الجنوبيون بفارغ الصبر دخول قرار وقف إطلاق النار بين «حزب الله» وإسرائيل حيِّز التنفيذ، وهو وقْف مؤقت لعشرة أيام قد يكون تمهيدًا لاتفاق شامل، بحسب ما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب. 

 البعض منهم انتظر عند منتصف ليل الخميس - الجمعة عند جسر القاسمية حتى يتم فتح الطريق للعودة إلى منازلهم، بينما انطلق الباقون منذ الصباح الباكر باتجاه قراهم وبلداتهم.

 انطلقنا بالسيارة باتجاه قريتنا في قضاء بنت جبيل عند الثامنة صباحًا، زحمة سير كان يمكن ملاحظتها ابتداءً من خلدة، سيارات وآليات ودراجات نارية، مواطنون حملوا بعض المقتنيات، ابتاعوا بعض الأطعمة، قاصدين بيوتهم التي تركوها على حين غرّة، حين استيقظوا منتصف أحد ليالي رمضان على أخبار إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، وإعلان الأخيرة شنّ هجوم وحشي على لبنان.

 

الازدحام المروري يزداد تدريجيًّا حتى الوصول إلى منطقة أبو الأسود حيث يفيض الشارع ببحر من السيارات، في مشهدية تذكّر بأيام التهجير المشؤومة في ٢٣ أيلول ٢٠٢٤ و٢ آذار ٢٠٢٦.

 الطريق المُفضي إلى جسر القاسمية الذي تمّ تدميره في اليوم الذي سبق وقف إطلاق النار، والمخصّص بالأساس للسيارات في الاتجاهين، استخدم بالكامل للسيارات المتجهة نحو الجنوب، ولم يخرق السير سوى بضع سيارات إسعاف كانت تأتي من الاتجاه المعاكس ما ساهم في تفاقم الزحمة.

مواطنون مسجونون داخل سياراتهم

مع توقّف السير لفترات طويلة، يترجل البعض من سياراتهم للاستراحة وإعادة تحريك دورة الدماء في أطرافهم المتعبة. نساء يأخذن بأطفالهن إلى جانب الطرقات لقضاء حاجاتهم، آخرون يبتعدون عن طابور السيارات لالتقاط إشارة إنترنت ومعرفة جديد الأخبار.

مشاعر الناس العالقين في الزحمة تبدو مختلطة، بين الفرحة بسبب العودة إلى بلداتهم، والخوف من أن لا تكون منازلهم صالحة للسكن، والقلق من أن تتجدّد الحرب في أي لحظة.

 

يقول أبو حسن، في حديث لـ«الفان رقم ٤» إنه تهجّر من بلدته جويا في اليوم الأول للحرب، وسكَن مع عائلته في أحد مراكز النزوح في بيروت، وهو يعود اليوم إلى جويا بعد انقطاع طويل ثانٍ عنها في خلال ثلاث سنوات، مع فارق أنه لا يعرف هذه المرة إن كان سيبقى هناك، أو سيُهجّر مرة أخرى بعد انتهاء مهلة الأيام العشرة.

حلٌّ مؤقت لجسر القاسمية

عند جسر القاسمية، قامت القوى الأمنية بوضع بعض الردم عند الجسر المستهدف لتأمين مرور السيارات والآليات، الطريق المستحدث وعرٌ وضيّق ولا يسمح إلّا بمرور سيارة واحدة، ما يضاعف من الزحمة والانتظار فيما تأخذ حرارة الشمس بالارتفاع ويصبح الانتظار معها لا يُطاق. 

عبَرنا الجسر بعد انتظار طال لعدة ساعات واتجهنا نحو مدينة صور. عند مدخلها الجنوبي وقف بعض الشبان يحملون الأعلام الحزبية فيما تصدح أناشيد «الانتصار» من مكبّرات الصوت، انتصار لا يمكنك أن ترى انعكاسه على الوجوه المتعبة داخل السيارات.

دمار كبير في كل مكان

مع التقدم باتجاه قضاء بنت جبيل بدأ مشهد الدمار يتضح بشكل تدريجي. في البازورية وجويا والشهابية بشكل خاص تبدو الصورة مأساوية، مبانٍ ومؤسسات تجارية مدمَّرة بشكل كامل على جانبي الطريق، ما سلم منها تضرر بشكل كبير، فتظهر المحلات المهشّم زجاجها كلّيًّا والبضائع داخلها، ما يسهِّل عمليات السرقة التي يشتكي منها الأهالي باستمرار.

لا مقوِّمات للحياة في معظم القرى

في السلطانية، حيث وصلنا بعد أكثر من عشر ساعات، لا توجد أي من مقوِّمات الحياة، الكهرباء مقطوعة، وشبكات مياه الخدمة معطّلة، وخدمة الانترنت بطيئة جدًّا بالكاد يمكن التقاطها. 

المحال التجارية مقفلة جميعها، فلا مطاعم، بطبيعة الحال، ولا محال بيع لحوم ومواد غذائية ومعجّنات، فيما أصوات القصف والتفجيرات لا تهدأ، وقد زاد من وحشة المشهدية الضباب الكثيف والأمطار التي هطلت بغزارة، مصحوبة بسُحب رعدية اختلطت مع أصوات التفجيرات.

أصوات التفجيرات لا تهدأ

القصف لم يتوقف طوال الليل، والطائرات المسيّرة والحربية لم تفارق السماء، بعد الاطمئنان على ممتلكاتنا ومعاينة الأضرار المؤلمة، جمعْنا بعض الأغراض وقصدنا بيروت مرة أخرى صباح السبت، هذه المرة من جهة بلدات برج قلاويه وصريفا وبرج رحال قبل الوصول إلى الاتوستراد السريع. 

طابور آخر في طريق العودة

لم يختلف المشهد في طريق العودة،  دمار كبير ومنازل ومؤسسات مهدّمة، في صريفا مثلًا التي استهدفت بسلسلة أحزمة نارية خلال الحرب، لا يمكن للكلمات وصف هَول المشهد، على جانبي الطريق ينتشر المواطنون متفقدين حطام منازلهم ومحالهم، فيما يتناثر الزجاج والحجارة على الطريق. 

بالتزامن، كانت تتوالى الإنذارات من الجيش الإسرائيلي لأهل الجنوب بعدم العودة إلى جنوب نهر الليطاني، فيما تتسرّب عبر أدوات «حزب الله» الإعلامية نصائح للمواطنين بعدم الاستقرار والعودة على عجل إلى أماكن النزوح، ليظهر طابور سيارات جديد، ورحلة شاقة طويلة مرة أخرى ولكن نحو مصير مجهول وقاتم هذه المرة، في ظلِّ ارتفاع منسوب الخوف والتشاؤم. 

التهجير الطويل وفقدان المنازل ومواجهة الدمار هي أمور يبدو أنها كُتبت على الجنوبيين، هم يحتاجون إلى حلول جذرية تُنقذهم من هذا الكابوس المتواصل، معظمهم لم يعد يعنيه ما يجري في أروقة المفاوضات وما ينجم عن لعبة الأمم، هم قدَّموا أثمانًا كبيرة ويريدون أن يرتاحوا في النهاية مهما كان الثمن. 

مقالات مشابهة
27・10・2026
توضيح وزارة البيئة حول أزمة النفايات في بعلبك
شهيرة زعيتر
كان لـ«الفان رقم ٤» لقاء بموظفة في وزارة البيئة وبالتحديد في مصلحة البيئة السكنيّة وهي مهندسة بيئية في الأربعينات من العمر طلبت عدم ذكر اسمها، وذلك لعدم حصولنا على كتاب خطّي من الإدارة، وقد خوّلت من قِبل الوزارة بالحديث عن الملف، تقول: «إن إدارة ملف النفايات الصلبة في لبنان ككل صعب، تحاول الوزارة التخفيف منه عبر الفرز من المصدر كلما أمكن ذلك، وبمعالجة أمر المطامر عبر التخفيف من الطمر ذات التكلفة
19・10・2026
بين مقاعد الدراسة وشاشات التعليم عن بُعد... كيف عمّقت الحرب الفجوة التعليمية بين أطفال لبنان؟
حسن سنديان
«كان وضعي النفسي مشتّتًا وممزّقًا. لم يكن ذهني منصبًّا على الدروس، بل كان معلّقًا ببيتنا في بيروت المهدَّد بالقصف في أي لحظة، وبعائلتي وأقاربنا وجيراننا الذين لم يتمكنوا من النزوح لعدم توفر مأوى لهم في المناطق الآمنة. عشنا تحت ضغط نفسي هائل وخوف دائم على من نحب».
13・10・2026
بيوت قليلة ونازحون كثر: الحرب ترفع الطلب على الإيجارات في جنوب لبنان
أحمد خواجة
وبالنتيجة، فإن معظم سكان الشريط الحدودي سابقًا، وبعد أن استحالت قراهم رمادًا، شرعوا فور توقف الحرب الموسّعة في البحث عن شقق ومنازل للإيجار في المناطق الجنوبية الواقعة خارج الشريط الأصفر، ما رفع الطلب على الإيجارات ورفع في الأسعار. مع الإشارة هنا إلى أن الدمار الذي لحق بالقرى الواقعة خارج الخط الأصفر، جعل آلاف العائلات فيها تخسر منازلها أيضًا، ما رفع الطلب على الإيجارات في هذه البلدات.
أيضاً للكاتب/ة
06・08・2026
العودة إلى الجنوب بعد الحرب… ظروف قاسية في ظل هدنة هشّة وقلق دائم
أحمد خواجة
يقف أبو حسين، ابن بلدة تبنين، أمام متجره لبيع المواد الغذائية، الذي أعاد فتحه بعد أسبوعين من توقف الحرب. يقول في حديث مع «فان رقم ٤» إنه لا يزال مترددًا في إعادة تعبئة متجره كما كان في السابق، بعدما خسر رأسماله في حرب الإسناد الأولى، ثم تلقى ضربة ثانية في الحرب الأخيرة، إذ دُمّرت بضائع لم يكن قد سدّد ثمن معظمها، ما راكم عليه ديونًا كبيرة.
30・06・2026
الجنوبيون بين فكّي النزوح والبطالة… والحرب تلتهم الاقتصاد اللبناني
أحمد خواجة
عندما قابلنا أحمد، وكان يقطن في أحد مراكز الإيواء في بيروت، كان يخشى ألّا يجد مكانًا يعود إليه بعد انتهاء الحرب؛ تلك الحرب التي كان يتخوّف من أن تمتد لأشهر طويلة، وربما لسنوات. ويضيف: «إن المنزل الذي كان يستأجره في كفردونين قد تدمّر في الحرب الحالية، ومعه الأثاث الذي لم يكن قد استكمل سداد ثمنه حتى الآن». لا نعلم مصير أحمد اليوم؛ هل غادر مركز الإيواء، أم ما زال يبحث عن منزل جديد في قرية جديدة؟
08・03・2026
رحلة الهروب من الموت: يوم كامل من الجنوب إلى بيروت
أحمد خواجة
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.