.jpg)
لا يمكن اختزال تاريخ ١٣ نيسان في كونه ذكرى اندلاع الحرب الأهليّة عام ١٩٧٥، لأنّ ما بدأ في ذلك اليوم لم ينتهِ فعليًّا، بل تغيّر شكله فقط. فالحرب في لبنان لم تُحسم، ولم تُقفل، ولم تتحوّل إلى ماضٍ، بل استمرّت كامنة في بُنية النظام السياسي، تظهر تارةً على شكل انفجارات أمنية، وطورًا على شكل أزمات سياسيّة واقتصاديّة متلاحقة، إلى أن بلغت اليوم مستوى أكثر خطورة مع انخراط «حزب الله» في صراعات إقليمية مفتوحة.
المشكلة في التجربة اللبنانيّة ليست في الحرب نفسها بقدَر ما هي في الطريقة التي أُديرت بها نهايتها. إذ لم تُبنَ تسوية ما بعد ١٩٩٠ على مراجعة نقديّة أو على إعادة تأسيس الدولة، بل على إعادة توزيع السلطة بين القوى التي خاضت الحرب، بحيث انتقلت هذه القوى من الميدان إلى المؤسسات من دون أن تتخلّى عن منطقها. هكذا، لم تنتصر الدولة على الميليشيا، بل استوعبتها، ولم يُهزم منطق الغلَبة، بل أُعيد إنتاجه بصيغ سياسيّة.
هذا الواقع أنتج نظامًا مشوّهًا: دولة قائمة شكليًّا لكنّها فاقدة للسيادة الكاملة، ومؤسّسات تعمل ضمن توازنات طائفيّة دقيقة، وسلطة تستمدّ شرعيّتها من ماضيها القتالي أكثر مما تستند إلى مشروع وطني جامع. وبذلك، لم يخرج لبنان من الحرب، بل دخل في مرحلة إدارتها بوسائل مختلفة، حيث حلّ الصراع السياسي محل المواجهة العسكريّة، من دون أن يختفي جوهر النزاع.
في موازاة ذلك، لم يكن المسار الاقتصادي منفصلًا عن هذا التكوين السياسي. فالنموذج الذي تكرّس بعد الحرب لم يكن مشروع إعادة بناء بقدَر ما كان امتدادًا لمنطق تقاسُم النفوذ، حيث تحوّلت الدولة إلى أداة توزيع للمغانم، وتحوّل الاقتصاد إلى نظام ريعي هشّ، قائم على الدِّين والزبائنيّة. هذا النموذج لم يؤسّس لاستقرار، بل راكم هشاشة انفجرت لاحقًا في انهيار شامل، كشف حدود النظام وقدرته على الاستمرار.
غير أنّ الأخطر من كل ذلك، هو أنّ الحرب لم تُفهم ولم تُراجع. لم تُكتب رواية وطنيّة مشتركة، ولم تحصل مساءلة حقيقيّة، بل جرى استبدال ذلك بسرديّات متناقضة، يبرّر فيها كل طرف نفسه، ويلقي بالمسؤولية على الآخرين. هذه الثقافة، التي يمكن وصفها بثقافة الإنكار، جعلت الحرب قابلة للتكرار، لأن أسبابها النفسيّة والسياسيّة بقيت في الوجدان، من دون أي محاولة جدّيّة لمعالجتها.
في هذا السياق، لم تعد الطائفيّة مجرّد سبب من أسباب الحرب، بل تحوّلت إلى نظام حكم متكامل. فهي لم تعد تعبيرًا عن انقسام اجتماعي فحسب، بل أصبحت الأداة التي تُدار من خلالها الدولة، وتُوزّع عبرها السلطة والثروة. وهكذا، باتت الطائفيّة شرطًا لاستمرار النظام، لا مشكلة يسعى إلى حلّها، ما جعل أي محاولة إصلاح تصطدم بجدار بنيته العميقة.
لكن ما يجعل لحظة اليوم أكثر خطورة من أي وقت مضى، هو انتقال لبنان من كونه ساحة صراع داخلي إلى كونه جزءًا من صراع إقليمي مفتوح. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل لم تعد بعيدة عن لبنان، بل باتت تجري على أرضه، من خلال دور متقدم يلعبه «حزب الله» ضمن استراتيجيّة اقليميّة أوسع. هذا التحوّل نقَل مركز القرار الاستراتيجي من الدولة إلى محور خارجي، وربط مصير لبنان بحسابات تتجاوز قدرته على التحكُّم بها.
لم يعد السؤال اليوم فقط عن التوازنات الداخليّة، بل عن موقع لبنان في صراع كبير لا يملك أدوات التأثير فيه. ومع تصاعد المواجهات، تتكشف هشاشة المعادلات التي سادت في السنوات الماضية، وفي مقدَّمها معادلة «توازن الردع»، التي كانت تُقدّم كضمانة للاستقرار. فالواقع الحالي يشي بأنه لا وجود لهذه المعادلة في ظلّ تفوّق عسكري إسرائيلي واضح، ودعم دولي واسع له، مقابل غياب أي مظلّة حماية فعليّة للبنان.
في ظلّ هذا الاختلال، يتحوّل أي تصعيد إلى خطر وجودي، لا سيما أنّ لبنان لم يعد يمتلك مقوّمات الصمود: دولة منهارة، اقتصاد مدمّر، ومجتمع مثقَل بالأزمات. وهنا تتكشّف المفارقة القاسية: بلد عاجز عن إدارة شؤونه اليوميّة، يجد نفسه منخرطًا في واحدة من أخطر صراعات المنطقة.
هذ الواقع يُعيد طرح مسألة أساسيّة: مَن يملك قرار الحرب والسلم؟ فالدولة، التي يفترض أن تكون المرجعيّة الوحيدة، لم تعد كذلك في الواقع، حيث يتوزّع القرار بين قوى متعدّدة، داخليّة وخارجيّة. هذا التعدّد لا يُضعف الدولة فقط، بل يضرب فكرة السيادة من أساسها، ويجعل المجتمع بأكمله عُرضة لنتائج قرارات لا يشارك في صنعها.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال يطرح نفسه ضمن النقاش السياسي، أحيانًا بصوت منخفض وأحيانًا بشكل مباشر: هل نحن أمام مرحلة إعادة رسم موازين القوى في الداخل اللبناني بعد أي تسوية إقليميّة محتملة؟ وهل يمكن أن تفتح هذه التحوّلات الباب أمام فرض وقائع جديدة تتجاوز التوازنات القائمة؟
هذا السؤال لا ينطلق من فرضيّات مجرّدة، بل من تجربة لبنانيّة سابقة، حيث غالبًا ما كانت التحولات الإقليميّة تنعكس مباشرة على الداخل، سواء عبر إعادة توزيع السلطة أو عبر استخدام فائض القوّة لفرض معادلات جديدة. ومع وجود قوّة عسكريّة منظّمة خارج إطار الدولة، يصبح هذا الاحتمال جزءًا من النقاش الواقعي.
ومع ذلك، فإنّ اختزال المسألة بفكرة «انقلاب عسكري» بالمعنى التقليدي قد يكون تبسيطًا مضلّلًا. فلبنان، بحُكم تركيبته، لا يشهد انقلابات كلاسيكيّة، بل تحوّلات تدريجيّة في موازين القوى، تُفرض عبر السياسة حينًا، وعبر الوقائع الميدانيّة حينًا آخر. وهذا ما يجعل الخطر أكثر تعقيدًا: ليس في حدث مفاجئ، بل في مسار تراكمي يؤدي إلى تكريس واقع جديد، تتراجع فيه الدولة أكثر لمصلحة قوى الأمر الواقع.
هنا تحديدًا، تتقاطع هذه الهواجس مع جوهر أزمة النظام. فالمشكلة لا تكمن فقط في نيّات الطرف الآخر، بل في غياب الضوابط الوطنيّة التي تمنع استخدام القوّة في الداخل، أو توظيفها في إعادة تشكيل السلطة. وعندما يغيب هذا السقف، يصبح كل توازن مؤقتًا، وكل تسوية قابلة للتحوّل إلى محطّة انتقال نحو اختلال أكبر.
بهذا المعنى، يعود لبنان إلى أحد أخطر أخطاء تجربته السابقة: تحميل نفسه أكلاف صراعات تفوق قدرته، والارتهان لمحاور خارجية، على حساب المصلحة الوطنيّة. الفارق أنّ هذا الانخراط اليوم أكثر عمقًا، وأكثر ارتباطًا ببُنية النظام نفسه، ما يجعل الخروج منه أكثر تعقيدًا.
في قلب هذا المشهد، تبرز إشكاليّة العلاقة بين المقاومة والدولة، التي لم تُحسم منذ عقود. فبينما يُطرح دور المقاومة في مواجهة إسرائيل كحاجة وطنيّة، يبقى غياب إطار جامع ينظّم هذا الدور ضمن استراتيجيّة دولة، مصدرًا دائمًا للتوتّر. إذ لا يمكن لدولة أن تستقيم في ظل إزدواجيّة السلاح والقرار، كما لا يمكن تجاهل تعقيدات الصراع الإقليمي الذي يفرض نفسه على لبنان.
هذا التناقض غير المحسوم يضع البلد أمام مأزق مفتوح: كيف يمكن الجمع بين منطق الدولة ومنطق المحور؟ وكيف يمكن حماية السيادة في ظلِّ تعدّد مصادر القرار؟ وهي أسئلة لا يمكن الهروب منها، لأنّها تمسّ جوهر الكيان نفسه.
وإذا كانت الحرب الأهلية التي بدأت عام ١٩٧٥ قد كشفت أزمة نظام، فإنّ الأزمة الحاليّة تتجاوز ذلك إلى تهديد وجودي. فلبنان اليوم لا يواجه فقط خللًا في توازناته، بل يعيش انهيارًا شاملًا يطال مؤسّساته واقتصاده ونسيجه الاجتماعي، بالتوازي مع انخراطه في صراعات اقليميّة. هذا التداخل يجعل أي اهتزاز قابلًا للتحوّل إلى انفجار كبير، في بلد فقَد قدرته على امتصاص الصدَمات.
رغم ذلك، لا تزال الدعوات إلى الإصلاح تتكرّر، من دون أن تتمكّن من تحقيق اختراق حقيقي. والسبب أن المشكلة لا تكمن فقط في السياسات، بل في القواعد التي تحكم النظام. فكل محاولة تغيير تصطدم بمصالح متشابكة، وببنية طائفيّة مغلقة، وبارتباطات خارجيّة تحدّ من إمكان اتّخاذ قرار مستقل.
لذلك، لم يعد كافيًا الحديث عن إصلاحات جزئيّة، لأنّ الأزمة أعمق من أن تُعالج بتعديلات محدودة. المطلوب هو إعادة طرح السؤال الأساسي حول طبيعة الدولة نفسها: هل يبقى لبنان نظامًا قائمًا على المحاصصة والتوازنات الهشّة، أم يتحوّل إلى دولة فعليّة تحتكر القرار والسيادة؟
الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة، لكنّها تبدأ من مسلّمة واضحة: لا يمكن قيام دولة من دون حصريّة السلاح، ولا سيادة من دون قرار وطني مستقل، ولا استقرار من دون نظام سياسي يتجاوز القيد الطائفي. ومن دون ذلك، سيبقى لبنان عالقًا في الدوّامة نفسها، حيث تتكرّر الأزمات بأشكال مختلفة، من دون أفق للخروج منها.
في المحصّلة، لا تبدو ذكرى ١٣ نيسان مجرّد استعادة لماضٍ مأساوي، بل تحذيرًا مستمرًّا. فلبنان لم يتعافَ من الحرب، بل انتقل من حرب أهليّة إلى حروب متداخلة، داخليّة وإقليميّة، تجعل مستقبله أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
السؤال اليوم لم يعد كيف نتجنّب حربًا جديدة، بل كيف نخرج من الحرب المستمرّة منذ نصف قرن. لأنّ الحرب التي لا تُحسم، لا تنتهي، بل تعود في كلّ مرة بشكل أكثر قسوة. وإذا لم يتحوّل هذا الإدراك إلى مشروع سياسي واضح، سيبقى لبنان يدور في الداوّامة نفسها، ساحة لصراعات الآخرين، وأسير تناقضاته، يدفع كلفة حربٍ لم ينجح يومًا في إنهائها.





