20・04・2026
من العدد ٣٣
في مواجهة «الترند» و«غرف الصدى»: لماذا يصبح الكلام في السياسة ضرورة في زمن الحرب؟


أبدأ هذه المقالة جوابًا على سؤالٍ يتكرّر بإلحاح: ما جدوى الكلام في السياسة اليوم، في ظلِّ هذه العبثية التي لا تُتيح لنا، نحن الأفراد، اتخاذ قرارات سياسية، ولا تغيير مسار الحروب أو حتى وقفها، ولا الحيلولة دون الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، والحرب الدائرة في لبنان؟

يظلُّ الكلام، حتى على مستوى الأفراد، ضرورةً - ولو في حدّه الأدنى - لمواجهة الرواية المهيمنة وكسر «غُرف الصدى»، تلك التي تحبس الناس في فقاعاتٍ، تتردّد داخلها الرواية نفسها، والسردية ذاتها، والأيديولوجيا عينها. وفي عصر «الترند» والنقر السريع، سرعان ما ترتفع هذه الفقاعات إلى الفضاء الافتراضي، مُشكِّلةً عشائر إلكترونية، تُرسّخ الاعتقاد بأنّ المختلف عدوّ ينبغي إقصاؤه، معنويًّا أو بالعنف. وهكذا يغدو الفضاء الافتراضي مرآة للواقع، كما يغدو الواقع امتدادًا له. وهذا ما شهدناه، ولا نزال نشهده في لبنان مثلًا، حين اعتدى عددٌ من الشبان في بلدة الدوير، على الصحافي داوود رمال لمعارضته وانتقاده حكم «حزب الله» وتحكُّمه، فضلًا عن أمثلةٍ أخرى مشابهة.

وفي مثل هذه السياقات، يغدو المجتمع أكثر محافظةً وانغلاقًا، وتبدأ الممارسات على مستوى فردي، قبل أن تتسع لتغدو سلوكًا مجتمعيًّا عامًّا. ومن هنا، تكتسب الكتابة والكلام أهميّتهما، إذ يتيحان تسليط الضوء على هذه القضايا القابلة للتغيير نسبيًّا، بخلاف القرارات التي تتخذها القوى الكبرى. ومع تحفّظي على الطروحات التي تتحدّث عن عودة القطب الواحد، أو الإمبراطورية الواحدة، وصعود الاستقطابات اليمينية المتطرفة، فإنني أرى، في موضعٍ آخر، أنّ كثيرًا من المظاهرات التي اجتاحت الدول الأوروبية دعمًا، لغزة على سبيل المثال، قد تماهت، في بعض جوانبها، مع خطاب أحزاب أقصى اليمين وشعاراته، إذ ظهرت شعارات تؤيّد «حماس» و«حزب الله»، والأذرُع الإيرانية، بل والنظام الإيراني أيضًا، على الرغم من مسؤولية الأخير عن انتهاكات جسيمة في حقِّ الشعب الإيراني، لم تُعرف أعداد ضحاياها على وجه الدقّة حتى الآن، في الاحتجاجات الأخيرة التي حصلت قبل بدء الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. وهذا ما أتاح للمسؤولين الإيرانيين شرعية أكبر لاستكمال مخططاتهم، ذلك أن ضغط الشارع لم يكن بجدِّيته يحمل شعار وقف إطلاق النار أولًا، إنما ومن وجهة نظري كان استقطابًا حادًّا من طرفين يلتقيان في النقطة عينها: التطرُّف.

وعلى المقلب الآخر، تصاعد في لبنان خطابٌ ينطوي، في جوهره، على قدرٍ من التواطؤ والقمع أيضًا، وإن بدا في ظاهره مفرطًا في إنسانيته. يصدر هذا الخطاب عن بعض الإعلاميين والمسؤولين، بل وحتى عن بعض المثقفين، داعيًا إلى تأجيل النقاش السياسي بحجّة أنّ البلاد في حالة حرب، وأنّ الأولوية ينبغي أن تُمنح للجانب الإنساني وحده، ولا سيّما في ظلِّ وجود نازحين، وأزماتٍ متفاقمة، وغياب خطط طوارئ واضحة، فضلًا عن أنّ المجتمع لم يتعافَ بعد من آثار الحرب السابقة.

غير أنّ هذا الطرح، على الرغم من وجاهة دوافعه الظاهرية، يُنتج مشكلة بين الإنساني والسياسي، إذْ يُختزل الواقع في مجرّد إدارة للأزمة، وتغدو الدولة كأنّها منظمة غير حكومية، ويُصبح النقاش محصور بالنتائج. وهكذا يصير التركيز على «الإنساني» إطارًا مريحًا يُعفي الطرف الذي بدأ الحرب من المسؤولية عن بدئها، ويؤجّل الأسئلة الأكثر إلحاحًا: لماذا لا تزال هذه الكوارث الإنسانية تتكرّر في لبنان؟

 

الإفراط في الخطاب الإنساني، نزْعٌ للأنْسنة؟

تنتشرُ الروايات الإنسانية مؤخرًا التي تركِّز على الألم والمعاناة، وهذا في حدِّ ذاته ليس موضع اعتراض، إذْ لا يعني ذلك التستُّر على الحديث عن العائلات الشيعية النازحة، حتى تلك التي قد تكون مؤيِّدة لـ«حزب الله»، لأنها لم تختر بالضرورة خوض هذه المعركة. 

الإشكالية تكمن في نوع الخطاب الذي يكتفي بعرض النتيجة - المعاناة - ويطمس القرارات السياسية والعسكرية التي قادت إلى هذا المشهد. فحين يُفصل الإنساني على السياسي، تظهر الصورة كأنها مجردة من السياق، وتصبح مشهدية النزوح كأنها حالة قائمة بذاتها، بدل أن تكون نتيجة خيارات قام بها «حزب الله»، انتقامًا لمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي والتي من الضروري أن تكون قابلة للنقد والمساءلة. 

 

وأحيانًا يصل الخطاب إلى حدِّ اختزال المشهد في الإشفاق على الضحايا، كما ظهرَ بوضوح في سياق الحرب على غزة، حيث ركّز كثير من الناشطين في ظهورهم على وسائل إعلام أجنبية على الكارثة الإنسانية، من دون توجيه نقد صريح لحركة «حماس» وخوضها حرب ما سُمِّي «طوفان الأقصى» في السابع من أوكتوبر. وطبعًا نسمع في المقابل، فورًا، اعتراضًا من نوع: «وماذا عن إسرائيل؟»، وكأن أي محاولة لتحديد المسؤوليات تُفهم تلقائيًّا كإنكار لجرائم إسرائيل. غير أن هذا الاعتراض في حدِّ ذاته يعكس منطقًا يفرضُ تكرار الإدانة كشرط مُسبق لأي نقاش، بدل التعامل معهُ كمعطًى معروفًا لا يحتاج إلى إعادة إثبات في كلّ مرةٍ.

يمكن الاستئناس، في هذا السياق، بطرح الفيلسوفة الألمانية حنّا أرندت، حول ما يمكن تسميته بـ«مشهدية المعاناة». إذ تشير إلى أنَّ ثمة سياسة تركزّ بشكلٍ مفرط على ما يُرى، والمقصود تحويل المعاناة إلى مشهدٍ قابل للمراقبة. ويصبح نمطًا من التعاطي يُختزل فيه الألم الإنساني في صورة تُشاهَد وتُستهلك.

وتقوم حجّة أرندت، إلى حدٍّ بعيد، على الكشف عن الدلالات الكامنة في هذا النمط من السياسة، فهي تتمحور بشكلٍ أساسيّ على المراقبة: مراقبة البائسين من قِبل أولئك الذين لا يشاركونهم معاناتهم، ولا يعيشونها بصورة مباشرة، ممّا يضعهم في موقع «المتفرّج» الميسور أو المحظوظ. 

وصلت النقاشات المعاصرة في الفلسفة السياسية إلى مأزق يتعلق أيضًا بمفهوم «التضامن». إذ يُعتبر التضامن ضرورة في دعم الشعوب التي تتعرض تاريخيًّا للاضطهاد، والقتل، والتهميش والتشرد. لكنه ينطوي - في صيغته التي تفترض التشابه مسبقًا - على خطر استيعاب الاختلاف ومَحوه، وقد ينقلب إلى ممارسة إقصائية.

في معرض نقاشهما، يرى كلّ من الفيلسوفين الألمانيّين هانز جورج غادامير وحنّا أرندت، أنَّ الخطاب أحيانًا ينزلقُ إلى اخترال الكارثة كما قلنا في مستوى «الشفقة على الضحايا» ويصبح التضامن مرتبطًا بهذا التعاطف الذي يُسهم، في الوقت عينه، بتفريغ الحدَث من طابعه السياسي. ويتّضح التوتر الذي تشير إليه نقاشات غادامير وأرندت: بين ضرورة التضامن مع ضحايا العنف، وخطر تحوّل هذا التضامن إلى صيغةٍ تُفرض فيها وحدةٌ مُسبقة، تمحو الاختلافات، وقد تُقصي أصواتًا نقدية.

وفي السياق عينه، يشير الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك إلى النمط الإيديولوجي الذي يفرض التعامل مع الأشياء كما «هي» في ظاهرها، ويقدّم هذا القبول باعتباره الموقف العقلاني الوحيد. غير أنّ هذه «الواقعية» تؤدي إلى إغلاق أفق التفكير في البدائل، وتجعل من الواقع معطًى نهائيًّا لا يُمسّ. وضمن هذا المنطق، يصبح التركيز الحصري على المعاناة، بمعزلٍ عن الأحداث التي أنتجتْها، جزءًا من آليةٍ إيديولوجية تثبّت الواقع دون مساءلته.

 

جورج أورويل على الطاولة اللبنانية؟

هناك خطاب، لا تزال تلاحقه تروما (الصدمة النفسية) الحرب الأهلية رغم اختلاف السياقات، يرى أن في لبنان معسكريْن متقابليْن: معسكرًا يطالب بالسلام مع إسرائيل، وآخر ينتمي إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ويذهب هذا الخطاب إلى مساواة المعسكرين ببعضهما البعض، في استعادةٍ لقراءة تقليدية داخل بعض التيارات المسيحية، تشكّلت جزئيًّا كردّة فعل على ممارسات اليمين المسيحي خلال الحرب الأهلية اللبنانية، تحمل نزعة مفرطة بالإنسانية.

ويقدّم هذا الطرح نفسه، باعتباره دعوة إلى السلام والمحبة، لكنه يحمل في جوهره خطورة، تتمثّل في هذه المساواة المضلِّلة بين معسكرَين غير متكافئين في الموقع والدور. 

وبغضّ النظر عن التبسيط الذي يختزل اللبنانيين في معسكرين فقط، يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن تجنّب كارثة إنسانية من دون الإشارة إلى أسبابها الفعلية أو مساءلة الجهة التي سبّبتها؟ وكيف يمكن تجاهل تاريخ حاملي السلاح، الذين مجّدوا «كاتم الصوت»، وقمعوا كلّ معارضة، وسَعوا إلى شيطنة كلّ محاولة لبناء لبنان خارج منطق الوصايات، سواء كانت أميركية أم إيرانية؟ وما زالوا إلى اليوم يهدّدون بخطاباتهم، قرارات الحكومة اللبنانية والمؤيّدين لها؟ ويُقصون ويُلاحقون ويعتدون، حتى على مَن هم من «بيئتهم» لمجرد معارضتهم لهُم؟

في ضوء تعليقه على المعركة البريطانية المثيرة للجدل ضد النازية، يقول الكاتب الإنجليزي جورج أورويل إنّ الأشخاص الذين نشأوا وعاشوا في دول ديمقراطية أو شبه ديمقراطية يجدون صعوبة بالغة في تخيّل المناخ الشمولي، ويميلون إلى ترجمة ما يحدث خارج تجاربهم إلى مفاهيم مستمدّة من خبرتهم الشخصية. وقد أضعفت هذه النزعة، بحسبه، الكثير مما كُتب عن الاتحاد السوفياتي، وعن الحرب الأهلية الإسبانية، وحتى عن النازية.

انطلاقًا من هذا التحليل، يمكن فهم حدود الخطاب الإنساني الذي يحمله أولئك الذين لم يعيشوا يومًا داخل هذه البيئة، أو لم يختبروها إلّا من الخارج. إذ يمارس هؤلاء قراءة تُسقِط على الواقع مفاهيم الحرية التي يعيشون في ظلّها، من دون إدراكٍ فعلي لشروط القمع التي تنظّمه. لا أتحدث هنا عن أوضاع الحريات العامة أو عن الفئات المهمَّشة أو النساء، بل عن مستوى آخر من القمع يطال حتى أولئك الذين يُفترض أنهم من داخل البيئة الحاضنة، أي المدافعين عن سلاح «حزب الله» أو المنخرطين ضمنه.

وقد أظهرت العديد من الفيديوهات في بداية الحرب مؤشرات واضحة على هذا المناخ: من انتشار عناصر «حزب الله» في محيط المدارس التي لجأ إليها النازحون، إلى قطْع بعض المقابلات الإعلامية، وصولًا إلى حمَلات الهجوم على وسائل التواصل الاجتماعي ضد أفراد عبّروا عن تذمّرهم من إطلاق الحزب صواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية. وتكشف هذه الوقائع عن ضيق هامش الاعتراض، حتى داخل الدوائر القريبة، وعن صعوبة التعبير عن أي موقف نقدي خارج الإطار المرسوم.

في تعليقه على حرب القرن العشرين بين بريطانيا وألمانيا النازية يقول جورج أورويل: «في السياسة، لا توجد خيارات صالحة بالكامل، هناك فقط درجات من الشر، وبغضِّ النظر، لا يمكن للمسالمين الهروب من السياسة».

مقالات مشابهة
28・04・2026
سوق الشتّامين: ضجيج بلا موقف
علي منصور
ما نشهده اليوم في لبنان ليس مجرّد تدهور سياسي أو أمني، بل انحدار واضح في مستوى اللغة نفسها. لم يعد الخلاف يُعبَّر بالأفكار، بل بالشتيمة. فهناك وهْم واسع الانتشار بأن الشتائم يمكن أن تكون موقفًا، وأن رفع الصوت، واستخدام أقسى العبارات وأقذعها، كافٍ لإثبات الجرأة أو صدْق القول. لم يعد النقاش ساحة لتبادل الآراء، بل مساحة مفتوحة للشتّامين.يبرّر البعض هذا السلوك بأنه «ردّ فعل».,,
21・04・2026
عن ذكرى ١٣ نيسان في ظلِّ حروب المحاور... لبنان وأخطار العنف المفتوح
رنا شمص
ما يجعل لحظة اليوم أكثر خطورة من أي وقت مضى، هو انتقال لبنان من كونه ساحة صراع داخلي إلى كونه جزءًا من صراع إقليمي مفتوح. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل لم تعد بعيدة عن لبنان، بل باتت تجري على أرضه، من خلال دور متقدم يلعبه «حزب الله» ضمن استراتيجيّة اقليميّة أوسع.
16・04・2026
عن المقامرة بالدماء اللبنانية في ساحات التفاوض الاقليمي
علي الضيقة
لقد حان الوقت لنزع القناع عن الوجوه التي باعت بيروت في سوق النخاسة الإقليمي والاعتراف بأن العدو الحقيقي للقمة عيشنا هو ذلك الفكر الظلامي الذي يقدم مصالح «الولي الفقيه» على مصلحة العامل والفلاح والطالب. إن البركان الذي يغلي في صدور الجائعين لن تُخمده الخطابات الرنانة والزلزال الذي بدأ في أمعاء الأطفال الخاوية سيهدم عروش كل الذين تاجروا بآلامنا ليرضوا أسيادهم...
أيضاً للكاتب/ة
03・02・2026
الماكِنة الإعلامية والدعائية لدى «حزب الله»: مآلاتها بعد حرب الإسناد – التمحور حول الهويّة والطائفة
نور حطيط
تسعى هذه الورقة إلى محاولة فهم الكيفية التي عملت بها هذه الماكِنة الإعلامية قبل «حرب الإسناد»، وكيف غيّرت خطابها وأدواتها بعدها.
03・08・2025
حين يُنتج الألم سلطةً: قراءة في سردية المظلومية الشيعية
نور حطيط
بدأ استخدام مصطلح المظلومية، حديثًًا في الخطاب السياسي والديني والاجتماعي، خصوصًا في سياق العلاقة المُعقدة التي تجمع «حزب الله» وقاعدته الشيعية... وقد استخدمهُ كوادر «حزب الله» بذكاء من خلال استدعاء سلسلة من الأحداث التاريخية المُحمّلة بالعاطفة...
03・05・2025
العدالة المَكانية للنساء في الطائفة الشيعية وإعادة تشكيل المكان
نور حطيط

استخدمتْ العديد من الكتابات النسوية مفهوم «العدالة المكانية»، لتسليط الضوء على الجندر بوصفه بناءً اجتماعيًّا، يبرز من خلال تجربة الأفراد للحيِّز العام وتفاعلهم معهُ.