16・04・2026
من العدد ٣٣
عن المقامرة بالدماء اللبنانية في ساحات التفاوض الاقليمي



لم يعد الفقر في لبنان مجرد أزمة اقتصاديه أو تعثّر في الميزانيات بل أصبح جريمة إبادة جماعيه منظّمة تُرتكب بدم بارد تحت عباءة «المقاومة» و«الممانعة»، فالمشهد السوريالي الذي يعيشه اللبنانيون اليوم من طوابير الذُّل إلى انتحار الآباء عجزًا عن تأمين حليب الأطفال، ليس إلّا النتيجة الحتمية لرهن وطن بأكمله لأجندة نظام الملالي في طهران الذي لم يدخل أرضًا إلّا وحلّ فيها الخراب، من بغداد إلى صنعاء وصولًا إلى بيروت التي كانت يومًا منارة الشرق، لقد نجحت أذرعُ إيران في لبنان في اختطاف القرار السيادي، وتحويل الدولة إلى جثةٍ هامدةٍ تنهشها ميليشياتٌ لا تؤمن بوطن، بل بساحةٍ للتفاوض الإقليمي. وإنّ هذا الانهيار المزلزل هو الثمن الذي يدفعه الشعب اللبناني عامةً، وما اصطلح على تسميته بـ«البيئة» خاصةً، التي استُنزفت دماءُ أبنائها في حروبٍ عبثيةٍ عابرةٍ للحدود، لتجد نفسها اليوم غارقةً في فقرٍ مُدقع، بينما تُصرَف المليارات على الصواريخ والأنفاق وتجهيز «جيوش الظل» على حساب كرامة الناس. 

فأي سيادة تدّعون والناس تبحث عن قُوتها في القمامة؟ وأي كرامة تُوعدون بها وقد أصبح المواطن اللبناني لاجئًا في منزله، محرومًا من أبسط حقوقه في الطبابة والكهرباء والتعليم؟ إن الحقيقه التي يجب أن تُقال بملء الفم هي أن إيران وأدواتها المحلية هم المهندسون الحقيقيون لهذا البؤس، هم مَن عزلوا لبنان عن محيطه العربي وهم مَن كسروا قطاعه المصرفي بتهريب الأموال وتبييضها، وهم مَن حوّلوا المرافئ والمطار إلى ممرات لخدمة «المحور» على حساب لقمة عيش الفقراء، إننا أمام واقع لا يحتمل أنصاف الحلول فإما أن يستعيد اللبنانيون دولتهم من براثن الارتهان الخارجي أو أن يستمروا في دفع ضريبة الدم والجوع لخدمة امبراطورية أوهام تبني أمجادها على أشلاء الشعوب المنكوبة، فقد زلزل الفقر الأرض تحت أقدامنا ولم يبقَ سوى أن ينفجر الغضب في وجه من حوّل «سويسرا الشرق» إلى مقبرة كبرى للطموح والكرامة ومَن جعل من اللبنانيين مجرد أرقام في بنك أهداف لا ينتهي إلّا بخراب البصرة ودمار بيروت، إن هؤلاء الذين تمادوا في طغيانهم ظنّوا أن كرامة اللبنانيين تُباع وتُشْرى بحفنة من المساعدات الحزبية المشروطة متناسين أن مَن شرب من ماء السيادة يومًا لن يقبل بأن يعيش عبدًا في مزرعة فارسية تُدار بالترهيب والسلاح، فالسقوط المريع للعملة الوطنية ليس مجرد أرقام بل هو سقوط لآخر ورقة توت تستر عورة هذا المحور الذي وعد الناس بالتحرير فأهداهم الجوع ووعدهم بالعزّة فأذلّهم أمام أبواب المصارف والصيدليات، إنهم لا يريدون وطنًا آمنًا بل منصة صاروخية ولا يريدون شعبًا منتجًا بل قطيعًا يصفق لانتصارات وهمية تُبنى فوق أنقاض منازلهم.


 لقد حان الوقت لنزع القناع عن الوجوه التي باعت بيروت في سوق النخاسة الإقليمي والاعتراف بأن العدو الحقيقي للقمة عيشنا هو ذلك الفكر الظلامي الذي يقدم مصالح «الولي الفقيه» على مصلحة العامل والفلاح والطالب. إن البركان الذي يغلي في صدور الجائعين لن تُخمده الخطابات الرنانة والزلزال الذي بدأ في أمعاء الأطفال الخاوية سيهدم عروش كل الذين تاجروا بآلامنا ليرضوا أسيادهم، فلبنان باقٍ كالصخر وأدوات الخراب والتبعية إلى مزبلة التاريخ مهما طال ليل الظلم والارتهان ومهما تفرعنت في بلادنا غربان «الولاية» التي لا تُجيد سوى لغة الموت والفقر، سيبقى لبنان عصيًّا على التدجين وسيرى هؤلاء الذين رهنوا سيادتنا لطهران أن عروشهم الورقية التي بَنَوها بمال السحت ودموع الجوعى ستحرقها نيران الغضب المنفجر من صرخات المظلومين، فلن تمر «جمهورية الجوع» مرور الكرام ولن يُغفر لمن استبدل الأرزة بتبعية عمياء، فالفجر الذي ننتظره لن يشرق من دهاليز طهران بل من عيون أمهاتنا اللواتي جاع أطفالهن ومن كرامة شعب قرر أخيرًا أن يخلع عباءة المحتل المقنّع ليثبت للعالم أجمع أن لبنان لا يموت وأن من زرع الخراب لن يحصد إلّا الخيبة ومَن باع الوطن في أسواق النخاسة الإقليمية لن يجد له مكانًا في ذاكرة التاريخ إلّا في مزابله المظلمة .

 

مقالات مشابهة
04・06・2026
محمد رعد وخطاب إدارة الهزيمة
داود رمّال
في النداء الأخير لرئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» محمد رعد لا تظهر الأزمة بوصفها أزمة حرب فقط، بل أزمة معنى وهوية ووظيفة ودور تاريخ. ويمكن القول إن أخطر ما في نداء محمد رعد ليس مضمونه السياسي المباشر، بل روحه العامة. إنها روح جماعة تشعر في داخلها بأن مرحلة كاملة انتهت، لكنها لا تملك الجرأة على الاعتراف بذلك علنًا.
03・06・2026
مئة عام على الدستور اللبناني: بين ثبات النصّ وتقلُّبات الجغرافيا السياسية
جاد الأخوي
لبنان، بكل أزَماته وانهياراته، حافظ على فكرة الدستور كمرجعية للدولة، حتى عندما انتُهكت هذه المرجعية مرارًا. وهذه حقيقة تستحق التوقف عندها في المئوية الأولى للدستور اللبناني، ليس من باب الاحتفال العاطفي، بل من باب قراءة معنى أن يبقى نص دستوري قائمًا قرنًا كاملًا في منطقة عاشت على إيقاع الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، وسقوط الجمهوريات، وصعود الأنظمة الأمنية.
01・06・2026
الحرب على الذاكرة تقول: نريد اقتلاعكم
منى فياض
إذن إن استهداف القرى والبلدات في جنوب لبنان ليس مجرد عمل عسكري عابر أو مجرد حرب، ولا يمكن اختزاله بلغة الأرقام: عدد المباني المهدّمة، أو كلفة الخسائر. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة منظمة لضرب ما هو أثمن من الحجر: الذاكرة. المشكلة ليست فقط في ما يُهدم، بل في كيف نردّ نحن. تكرار العبارات الجاهزة مثل «سنعيد البناء أفضل مما كان» لا يكفي، بل قد يكون شكلًا من أشكال الهروب.
أيضاً للكاتب/ة
19・05・2026
وطن يأكل أبناءه، بعلبك الهرمل... ساحة العزاء المفتوحة
علي الضيقة
إنها الجنائز التي لا تنتهي والمواكب التي تشقُّ صمت البقاع لتزرع في ترابه غصّة لا تُمحى. تمتد الطريق من بعلبك إلى الهرمل كشريط من الوجع المعلّق فوق هامات الجبال، هناك حيث يسير الموت متبخترًا ببدلته المرقطة، يخطف شبابنا الذين ما زالوا في عمر الورد ويقتلعهم من أحضان أمهاتهم ومن بين يدَي أطفالهم ليُعيدهم إلينا جثامين باردة وصوَرًا تُعلَّق على الجدران الصامتة.
25・03・2026
خراب الإسناد الثالث
علي الضيقة
في تاريخ لبنان الحديث سلسلة طويلة من الشعارات الكبيرة التي انتهت دائمًا بالنتيجة نفسها: الخراب. في كل مرة كان يُقال للبنانيين إن المعركة ليست هنا بل هناك، وإن الواجب القومي يفرض عليهم أن يتحول بلدهم إلى ساحة حرب مفتوحة....
03・03・2026
مصادرة التنوّع: إعادة تشكيل المجتمع الشيعي في لبنان سياسيًّا وثقافيًّا وتاريخيًّا
علي الضيقة
لم تدخل الثقافة الدينية الإيرانية إلى البيئة الشيعية في لبنان بوصفها تفاعلًا ثقافيًّا طبيعيًّا بين مجتمَعين، بل جاءت كمشروعٍ سياسي متكامل يمتلك أدواته الإعلامية والمالية والتنظيمية...