15・04・2026
من العدد ٣٣
كيف عبَّد المشروع النووي الإيراني طريق الهيمنة الغربية

 


 

منذ أن أُسرجت خيول الثورة في إيران، والبوصلة تلوذ بمرافئ «التصدير» بدلاً من مرافئ «التشييد»؛ فبدلاً من أن تغدو الدولة واحةً للازدهار الاقتصادي ومنارةً لرفاهية الإنسان، اختارت طهران أن تُسكن طموحاتها في فوهات المدافع ودهاليز المحاور. لقد استبدلت رغيف المواطن الكادح ببارود الوكالات، فبات الشعب الإيراني يئن تحت وطأة عوزٍ أليم، بينما تتدفق شرايين أمواله لتغذّي أذرعاً عسكرية استهلكت الأخضر واليابس في حروبٍ عبَثية، حوّلت مقدرات الأمة إلى وقودٍ لنيرانٍ إقليمية لا تنطفئ.

 

المفارقة النووية: حين تكذب الأرقام ادّعاء السِّلم

وفي أروقة المفاعلات، تتجلّى الفجوة السحيقة بين خطابٍ يتدثَّر ببردة «السلمية» وواقعٍ يلهثُ خلف سَراب القنبلة. فإذا كان اليورانيوم بتركيزه المتواضع (٣.٥%) يفيضُ بنور الطاقة للأغراض المدنية، فما الذي يبتغيه التخصيب حين يلامسُ تخوم الـ ٦٠%؟ إنها الحقيقة التقنية التي لا تُجيد التجمُّل؛ تفضحُ النوايا الدفينة وتؤكد أن ما خَفي خلف جدران المختبرات هو سعيٌ محمومٌ لامتلاك سلاح الردع، ضاربةً بمصداقية العهود عرض الحائط.

 

الذَّرة كدرعٍ لـ«البلطجة» الإقليمية

لكنَّ الأخطر في هذا الطموح النووي ليس مجرد امتلاك السلاح، بل الغاية الوظيفية منه؛ إذ تسعى طهران لامتلاك «مظلّة حصانة» تتيح لها ممارسة البلطجة السياسية والعسكرية دون خوفٍ من عقاب. إن القنبلة المنشودة هي «درع المشروع» الذي يهدف إلى شلُّ إرادة الردع لدى دول الجوار، لكي تغدو الميليشيات التي زرعتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن خناجر طليقة، تمارس العربدة والتخريب وهي مطمئنة إلى أن «الرأس» المحرك لها يتلفَّح بعباءة الترهيب النووي.

 

تحريرٌ بالوكالة... وهيمنةٌ بالأصالة

لقد اتخذت السياسة الإيرانية من «القدس» قميص عثمان، ترفعه شعاراً لتُخفي خلفه أطماعاً إمبراطورية تهدف للسيطرة على ثروات المنطقة. وما كان شعار التحرير إلّا غطاءً لسياسةٍ توسُّعية استحلّت مقدّرات العراق وسوريا، ونفخت في بوق «الطائفية» حتى مزّقت النسيج الاجتماعي العربي. ولم ينجُ الجرح الفلسطيني من هذا العبث؛ إذ أتى التدخل الإيراني معولاً لتعميق الانقسام الداخلي، مما أضعف الموقف العربي ومنح الاحتلال فرصة ذهبية، في وقتٍ كان فيه الشعب الفلسطيني أحوج ما يكون لوحدة الصف.

 

إرث الفوضى وتدمير المجتمعات

ولم تكتفِ هذه السياسة بتمزيق الخرائط، بل غارت في تمزيق النفوس؛ فخلف ستار الأذرع المسلحة، نُشرت الفوضى، وتهاوت اقتصاديات دولٍ كانت شامخة. والأدهى من ذلك هو المنهجية المتبعة في تدمير الشباب العربي عبر نشر سموم المخدرات والفساد، في استراتيجيةٍ لا تكتفي بكسر الجيوش، بل تسعى لتفتيت المجتمعات من جذورها لتسهيل إخضاعها.

إن السلاح النووي في يد النظام الإيراني ليس إلّا «الطلقة الأخيرة» في جعبة مشروعٍ توسعي؛ يريد تأميم الفوضى وجعل التدخل في شؤون الآخرين قدَراً لا يمكن مواجهته. إنها المأساة حين يُضحي نظامٌ بمستقبل شعبه وأمن جيرانه في سبيل «أوهامٍ نووية» تمنح الميليشيات حق العربدة، وتترك المنطقة رهينةً لابتزازٍ لا ينتهي.

​لا تكمن معضلة المنطقة مع إيران في رغبتها بامتلاك أدوات القوة، بما فيها السلاح النووي كخيار استراتيجي للدول في عالم لا يعترف إلّا بالأقوياء، بل تكمن المعضلة الحقيقية في «السلوك الوظيفي» لهذه القوة. فالخوف ليس من «الذَّرة» كتقنية، بل من استخدامها كمظلة لحماية مشروع «تصدير الفتن» وتأمين غطاء نووي لميليشيات عابرة للحدود تمارس التخريب تحت لافتات مذهبية ضيقة.

 

 الاحتلال الإسرائيلي هو علِّة العلل وهذا بديهي

ولكن هل كانت إيران هي الحل؟

 ​إن المراجعة العميقة لما آلت إليه أحوال المنطقة تكشف عن حقيقة مرة؛ وهي أن المشروع الإيراني، بسياساته التوسعية وأذرعه المذهبية، لم يكن يوماً ترياقاً للاستعمار، بل كان «الذَّريعة المثالية» التي أعادت إطلاق يد الهيمنة الأميركية والغربية في بلادنا. لقد جلب هذا المشروع من الشرور ما فاق التوقعات، حيث قُدِّم لقمة صائغة للقوى الإمبريالية لتعود تحت دعاوى «الحماية» و«مكافحة الإرهاب الميليشياوي»، مما جعل المنطقة مسرحاً لصراع إرادات دولية وإقليمية على حساب الإنسان العربي وسيادته.

مقالات مشابهة
04・06・2026
محمد رعد وخطاب إدارة الهزيمة
داود رمّال
في النداء الأخير لرئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» محمد رعد لا تظهر الأزمة بوصفها أزمة حرب فقط، بل أزمة معنى وهوية ووظيفة ودور تاريخ. ويمكن القول إن أخطر ما في نداء محمد رعد ليس مضمونه السياسي المباشر، بل روحه العامة. إنها روح جماعة تشعر في داخلها بأن مرحلة كاملة انتهت، لكنها لا تملك الجرأة على الاعتراف بذلك علنًا.
03・06・2026
مئة عام على الدستور اللبناني: بين ثبات النصّ وتقلُّبات الجغرافيا السياسية
جاد الأخوي
لبنان، بكل أزَماته وانهياراته، حافظ على فكرة الدستور كمرجعية للدولة، حتى عندما انتُهكت هذه المرجعية مرارًا. وهذه حقيقة تستحق التوقف عندها في المئوية الأولى للدستور اللبناني، ليس من باب الاحتفال العاطفي، بل من باب قراءة معنى أن يبقى نص دستوري قائمًا قرنًا كاملًا في منطقة عاشت على إيقاع الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، وسقوط الجمهوريات، وصعود الأنظمة الأمنية.
01・06・2026
الحرب على الذاكرة تقول: نريد اقتلاعكم
منى فياض
إذن إن استهداف القرى والبلدات في جنوب لبنان ليس مجرد عمل عسكري عابر أو مجرد حرب، ولا يمكن اختزاله بلغة الأرقام: عدد المباني المهدّمة، أو كلفة الخسائر. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة منظمة لضرب ما هو أثمن من الحجر: الذاكرة. المشكلة ليست فقط في ما يُهدم، بل في كيف نردّ نحن. تكرار العبارات الجاهزة مثل «سنعيد البناء أفضل مما كان» لا يكفي، بل قد يكون شكلًا من أشكال الهروب.
أيضاً للكاتب/ة
08・06・2026
الشياح: سيرة الأرض التي غادرت فَيئَها... من عبَق «الفتوش» إلى غابات الإسمنت
أكرم محمود
تستيقظ الذاكرة اللبنانية أحيانًا على شكل حنين جارف لضواحي العاصمة التي كانت يومًا ما رئة بيروت الخضراء، ومستودع سرّها الوديع. من بين هذه الحواضر، تبرز بلدة «الشياح» كشاهد ملَك على تحوّلات دراماتيكية صاغت وجه الوطن، وعكست في مرآتها الضيقة صراعات السياسة، وأحلام الطامحين، وقسوة المدافع.
20・05・2026
جولة في رُكام الحُلم: عندما تهَرول زنزلختة القرية نحو الغياب
أكرم محمود
تنتهي الرحلة، أفتح عينيّ لأجد نفسي بعيدًا من الركام ومن الزنزلختة. لم تكن رحلة واقعية بالمعنى المادي، بل كانت حُلمًا زارني في ليل الغربة القسري. لكنني عشته بكل خفقة، وبكل دمعة، وبكل شعرة اهتزت في جسدي. فالمكان في قلوبنا لا يسقط بالمتفجرات، والبيت الذي بنَيناه بوجداننا يبقى قائمًا، ينتظرنا لننفض عنه غبار الحرب ونُعيد نبض الحياة إلى عروقه.
04・05・2026
الجنوب... حين تغدو الذاكرة وطنًا من حجرٍ وروح
أكرم محمود
ما أصعب أن تستيقظ الذاكرة على مشهدِ قرىً كاملةٍ سُوِّيَت بالأرض، وكأنَّ يدًا غريبةً امتدّت لتمحو هوية المكان وتغتصب ملامح العمران. لم تكن تلك الجدران التي سقطت مجرد سواتر إسمنتية، بل كانت الملاذ الدافئ الذي بنيتموه حجرًا حجرًا، وسقيتم أساساته بمرارة التبغ وعرق الجبين وسنوات طويلة من الحرمان. هي حكاية أجيالٍ جبلَت أعمارها في التراب لتصنع بيتًا، وحياةً، وأمانًا.