.jpg)
منذ أن أُسرجت خيول الثورة في إيران، والبوصلة تلوذ بمرافئ «التصدير» بدلاً من مرافئ «التشييد»؛ فبدلاً من أن تغدو الدولة واحةً للازدهار الاقتصادي ومنارةً لرفاهية الإنسان، اختارت طهران أن تُسكن طموحاتها في فوهات المدافع ودهاليز المحاور. لقد استبدلت رغيف المواطن الكادح ببارود الوكالات، فبات الشعب الإيراني يئن تحت وطأة عوزٍ أليم، بينما تتدفق شرايين أمواله لتغذّي أذرعاً عسكرية استهلكت الأخضر واليابس في حروبٍ عبَثية، حوّلت مقدرات الأمة إلى وقودٍ لنيرانٍ إقليمية لا تنطفئ.
المفارقة النووية: حين تكذب الأرقام ادّعاء السِّلم
وفي أروقة المفاعلات، تتجلّى الفجوة السحيقة بين خطابٍ يتدثَّر ببردة «السلمية» وواقعٍ يلهثُ خلف سَراب القنبلة. فإذا كان اليورانيوم بتركيزه المتواضع (٣.٥%) يفيضُ بنور الطاقة للأغراض المدنية، فما الذي يبتغيه التخصيب حين يلامسُ تخوم الـ ٦٠%؟ إنها الحقيقة التقنية التي لا تُجيد التجمُّل؛ تفضحُ النوايا الدفينة وتؤكد أن ما خَفي خلف جدران المختبرات هو سعيٌ محمومٌ لامتلاك سلاح الردع، ضاربةً بمصداقية العهود عرض الحائط.
الذَّرة كدرعٍ لـ«البلطجة» الإقليمية
لكنَّ الأخطر في هذا الطموح النووي ليس مجرد امتلاك السلاح، بل الغاية الوظيفية منه؛ إذ تسعى طهران لامتلاك «مظلّة حصانة» تتيح لها ممارسة البلطجة السياسية والعسكرية دون خوفٍ من عقاب. إن القنبلة المنشودة هي «درع المشروع» الذي يهدف إلى شلُّ إرادة الردع لدى دول الجوار، لكي تغدو الميليشيات التي زرعتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن خناجر طليقة، تمارس العربدة والتخريب وهي مطمئنة إلى أن «الرأس» المحرك لها يتلفَّح بعباءة الترهيب النووي.
تحريرٌ بالوكالة... وهيمنةٌ بالأصالة
لقد اتخذت السياسة الإيرانية من «القدس» قميص عثمان، ترفعه شعاراً لتُخفي خلفه أطماعاً إمبراطورية تهدف للسيطرة على ثروات المنطقة. وما كان شعار التحرير إلّا غطاءً لسياسةٍ توسُّعية استحلّت مقدّرات العراق وسوريا، ونفخت في بوق «الطائفية» حتى مزّقت النسيج الاجتماعي العربي. ولم ينجُ الجرح الفلسطيني من هذا العبث؛ إذ أتى التدخل الإيراني معولاً لتعميق الانقسام الداخلي، مما أضعف الموقف العربي ومنح الاحتلال فرصة ذهبية، في وقتٍ كان فيه الشعب الفلسطيني أحوج ما يكون لوحدة الصف.
إرث الفوضى وتدمير المجتمعات
ولم تكتفِ هذه السياسة بتمزيق الخرائط، بل غارت في تمزيق النفوس؛ فخلف ستار الأذرع المسلحة، نُشرت الفوضى، وتهاوت اقتصاديات دولٍ كانت شامخة. والأدهى من ذلك هو المنهجية المتبعة في تدمير الشباب العربي عبر نشر سموم المخدرات والفساد، في استراتيجيةٍ لا تكتفي بكسر الجيوش، بل تسعى لتفتيت المجتمعات من جذورها لتسهيل إخضاعها.
إن السلاح النووي في يد النظام الإيراني ليس إلّا «الطلقة الأخيرة» في جعبة مشروعٍ توسعي؛ يريد تأميم الفوضى وجعل التدخل في شؤون الآخرين قدَراً لا يمكن مواجهته. إنها المأساة حين يُضحي نظامٌ بمستقبل شعبه وأمن جيرانه في سبيل «أوهامٍ نووية» تمنح الميليشيات حق العربدة، وتترك المنطقة رهينةً لابتزازٍ لا ينتهي.
لا تكمن معضلة المنطقة مع إيران في رغبتها بامتلاك أدوات القوة، بما فيها السلاح النووي كخيار استراتيجي للدول في عالم لا يعترف إلّا بالأقوياء، بل تكمن المعضلة الحقيقية في «السلوك الوظيفي» لهذه القوة. فالخوف ليس من «الذَّرة» كتقنية، بل من استخدامها كمظلة لحماية مشروع «تصدير الفتن» وتأمين غطاء نووي لميليشيات عابرة للحدود تمارس التخريب تحت لافتات مذهبية ضيقة.
الاحتلال الإسرائيلي هو علِّة العلل وهذا بديهي
ولكن هل كانت إيران هي الحل؟
إن المراجعة العميقة لما آلت إليه أحوال المنطقة تكشف عن حقيقة مرة؛ وهي أن المشروع الإيراني، بسياساته التوسعية وأذرعه المذهبية، لم يكن يوماً ترياقاً للاستعمار، بل كان «الذَّريعة المثالية» التي أعادت إطلاق يد الهيمنة الأميركية والغربية في بلادنا. لقد جلب هذا المشروع من الشرور ما فاق التوقعات، حيث قُدِّم لقمة صائغة للقوى الإمبريالية لتعود تحت دعاوى «الحماية» و«مكافحة الإرهاب الميليشياوي»، مما جعل المنطقة مسرحاً لصراع إرادات دولية وإقليمية على حساب الإنسان العربي وسيادته.


