.png)
ليسوا مجرّد طرف في صراع، بل مدرسة كاملة في صناعة الوهم. لديهم قدرة لافتة، تكاد تكون احترافًا متقدّمًا، على تحويل الهزيمة إلى انتصار، والكارثة إلى ملحمة، والدمار إلى «دليل صمود». والأخطر من هذه القدرة في حدّ ذاتها، أنّها لا تبقى خطابًا معلَّقًا في الهواء، بل تجد من يتلقّاها ويكرّسها ويُعيد إنتاجها داخل بيئتها، حتى تصبح الرواية بديلًا من الواقع، لا تفسيرًا له.
في اللحظة التي يُعلَن فيها وقف لإطلاق النار، يفترض أن يبدأ الحساب: ماذا خسرنا؟ ماذا ربحنا؟ هل تحقّقت الأهداف؟ هل كان الثمن مبرّرًا؟
لكن ما يحصل هو العكس تمامًا. بدل فتح النقاش، يُغلق. بدل مراجعة النتائج، يُعاد تعريفها. وبدل تسمية الأشياء بأسمائها، تبدأ عملية إعادة تركيب شاملة للمعنى.
أول خطوة في هذا المسار هي اغتيال مفهوم النصر نفسه. لم يعد النصر يعني تحقيق أهداف واضحة، أو حماية المجتمع، أو حتى تقليل الخسائر. النصر يُختزل إلى فكرة واحدة: «لم نسقُط». يكفي أنك ما زلت موجودًا، أنك لم تُهزم بشكل كامل ونهائي، لكي تُعلِن الانتصار. بهذه التورية البسيطة، يتمّ خفض سقف التقييم إلى أدنى حدّ ممكن، بحيث يصبح من شبه المستحيل الاعتراف بالخسارة. كل ما هو دون الانهيار الكامل يمكن تسويقه كنجاح وانتصار ومكاسب.
لكن هذا وحده لا يكفي. لذلك تأتي الخطوة الثانية: فصل النتيجة عن الكلفة. القتلى، مهما كان عددهم، لا يدخلون في حساب النتيجة. الجرحى، مهما كانت معاناتهم، لا يُستخدمون كمؤشر. المدن المدمّرة، القرى التي سُوّيت بالأرض، البنية التحتية التي انهارت، الاقتصاد الذي يلفظ أنفاسه… كل ذلك يُوضع جانبًا. يُقال ببساطة: نعم، هناك ثمن، لكن هذا لا يغيّر في النتيجة. هكذا تُسحب الوقائع الأكثر قسوة من معادلة الحكم، ويُترك المجال مفتوحًا أمام خطاب بلا كلفة.
ثم تأتي عملية أخطر: تحويل الخسارة إلى قيمة أخلاقية. القتلى لا يُقدَّمون كخسارة، بل كـ«تضحيات». والفرق هنا ليس لغويًّا فقط، بل سياسي عميق. الخسارة تفتح الباب للسؤال: لماذا حصلت؟ هل كان يمكن تجنّبها؟ من يتحمّل مسؤوليتها؟ أما «التضحية»، فهي تُغلِق هذا الباب بالكامل. تصبح واجبًا، شرفًا، قداسة. من يجرؤ على مساءلتها يُتّهم بأنه يقلّل من قيمتها، أو يُسيء إلى أصحابها. وهكذا، تتحوّل الكارثة إلى درع يحتمي به مَن تسبّب بها.
وعندما تضيق الوقائع المحلية ولا تعود قابلة للتبرير، يتمّ توسيع إطارها. ما جرى هنا لا يُقدَّم كحدث لبناني أو محلي، بل كجزء من معركة كبرى تمتد على مستوى المنطقة، أو حتى التاريخ. فجأة، لا يعود مهمًّا ما خسرته هذه المدينة أو تلك القرية، لأن «الصورة الأكبر» إيجابية. إنها عملية تهريب للخسارة من مكان يمكن قياسه ولمسه، إلى فضاء واسع ومجرّد لا يمكن الإمساك به. هناك، في هذا الفضاء، يصبح كل شيء خاضعًا للتأويل.
ولتعزيز هذه السردية، يتمّ نقل النقاش من الوقائع إلى النوايا. لا يُسأل: ماذا حصل فعليًّا؟ بل: ماذا كان يريد العدو؟ وإذا لم يحقّق كل ما أراد، يُعلَن النصر. حتى لو تحقّق جزء كبير من أهدافه، حتى لو كان الضرر هائلًا، يتمّ التركيز فقط على ما لم يتحقق. إنها لعبة ذكية: بدل مقارنة الواقع بما يجب أن يكون، يُقارَن بما كان يمكن أن يكون في أسوأ السيناريوهات. وبما أن الأسوأ لم يحدث بالكامل، يصبح الواقع رغم قسوته انتصارًا.
ثم تأتي المقارنة الأكثر تضليلًا: مقارنة الواقع السيّئ بكارثة متخيّلة. «لولا ما فعلناه، لكانت النتيجة أسوأ بكثير». هذه الجملة وحدها كفيلة بإسكات أي نقاش. فهي تنقل النقاش من أرض الواقع إلى عالم الافتراض، حيث لا يمكن إثبات أو نفي شيء. وهكذا، يصبح كل ما حدث مهما كان قاسيًا أفضل الممكن، لا نتيجة خيارات يمكن محاسبتها.
لكن كل هذه الأدوات، على قوتها، لا تكفي إذا بقي المجال مفتوحًا للنقاش الحر. هنا يدخل العنصر الأكثر حسمًا: التخوين. عندما تبدأ الفجوة بين الواقع والرواية بالاتساع، يصبح من الضروري جَسْر هذه الفجوة. ليس عبر تحسين الرواية، بل عبر قمع السؤال. كل مَن يسأل عن عدد القتلى، عن جدوى الحرب، عن معنى هذا الدمار، يُوضَع فورًا في خانة الشك. هل يخدم العدو؟ هل يُضعف الجبهة؟ هل يطعن «التضحيات»؟ وهكذا، يتحوّل النقاش من مسألة عقلانية إلى اختبار ولاء. لم يعد السؤال: هل ما جرى كان صحيحًا؟ بل: هل أنت معنا أم ضدنا؟
ومع تصاعد هذا المنطق، نصل إلى مرحلة أكثر خطورة: الانقلاب على الداخل. فـ«الانتصار» لا يُستخدم فقط لتبرير ما حصل، بل لفرض ما سيحصل. يُقال ضمنيًّا، وأحيانًا علنًا، إن من حق مَن «انتصر» أن يحدّد قواعد اللعبة الداخلية. السلاح الذي قيل إنه لحماية البلد من الخارج، يتحوّل إلى عنصر حسم داخلي، ولو بشكل غير مباشر. تُفرض توازنات، تُعطَّل مؤسسات، يُمنع أي نقاش جدّي حول البدائل، تحت عنوان واحد: لا تمسّوا ما حقّق النصر.
في هذه اللحظة، تتراجع الدولة إلى الخلف. لا تعود المرجعية الأولى، بل تصبح واحدة من مكوّنات مشهد تُحدّد قواعده قوة موازية. الشرعية الدستورية تُزاح تدريجيًّا لمصلحة «شرعية الإنجاز». ومَن يعترض، لا يُناقَش، بل يُتّهم. وهكذا، يلتقي التخوين مع السياسة، ويتحوّل «الانتصار» إلى أداة لإعادة تشكيل الداخل.
لكن، رغم كل هذا، يبقى السؤال الأهمّ: لماذا تنجح هذه السردية؟ لماذا تجد مَن يصدّقها، بل مَن يدافع عنها؟ هنا ندخل إلى البُعد الاجتماعي والنفسي. فالأمر لا يتعلّق فقط بالدعاية، بل ببيئة كاملة تعيش تحت تأثيرها. الخوف يلعب دورًا: الخوف من العدو، من الانقسام، من المجهول. الولاء أيضًا حاضر: ولاء تاريخي، عاطفي، أيديولوجي. وهناك أيضًا التعبئة المستمرة، التي تُعيد إنتاج نفس المفاهيم جيلًا بعد جيل، حتى تصبح بديهية.
إلى جانب ذلك، هناك عامل لا يقل أهمية: غياب البديل. حين لا توجد رواية مضادة واضحة ومقنعة، يصبح من السهل للرواية الأقوى تنظيمًا وانتشارًا أن تهيمن. حتى مَن يشكّك، قد لا يجد ما يتمسّك به، فيفضّل الصمت أو الانخراط في السردية السائدة. ومع الوقت، تتحوّل هذه السردية إلى واقع نفسي، حتى لو كانت بعيدة عن الواقع المادي.
هنا تكمن الكارثة الحقيقية. ليست فقط في تحويل الهزيمة إلى انتصار، بل في تحويل هذا التحويل نفسه إلى حقيقة مقبولة. في أن يصبح التشكيك مستحيلًا، والنقاش محرّمًا، والمساءلة خيانة. في أن يعيش مجتمع كامل داخل سردية واحدة، بينما الواقع يسير في اتجاه آخر.
لكن مهما بلغت براعة هذا «الفن»، تبقى هناك حدود لا يمكن تجاوزها إلى ما لا نهاية. الواقع، مهما تمّ تزويره، يعود ليفرض نفسه. الاقتصاد لا يتعافى بالشعارات. البيوت لا تُبنى بالكلمات. الجرحى لا يُشفون بالخطابات. ومع مرور الوقت، تبدأ الفجوة بالاتساع أكثر فأكثر بين ما يُقال وما يُعاش.
عندها، يظهر التحدّي الحقيقي. ليس فقط في مواجهة الرواية، بل في استعادة القدرة على رؤية الواقع كما هو، بلا تزييف ولا خوف. في إعادة تعريف النصر والخسارة بمعايير واضحة: حماية الناس، تقليل الكلفة، تحسين شروط الحياة. في كسر الحلقة التي تجعل من كل كارثة مادة لخطاب جديد، بدل أن تكون درسًا يُبنى عليه.
في النهاية، قد ينجح هذا الفن مرارًا في تأجيل الحقيقة، لكنه لا يستطيع إلغاءها. يمكنه أن يقنع، أن يعبّئ، أن يفرض نفسه لفترة، لكنه يبقى معلّقًا فوق واقع لا يشبهه. والسؤال ليس إن كانت هذه الفجوة ستنكشف، بل متى، وبأي ثمن إضافي.
لأن الثمن، في كل مرة، لا يُدفع في الخطاب… بل في الناس.





