(1).png)
القارئُ للأحداثِ السّياسيّةِ التأريخيّةِ في الدّولِ الدّيكتاتوريّةِ المُؤدلَجةِ في العالم، والّتي تهاوت كأحجارِ الدّومِنو بعد عقودٍ من الهيمنةِ والتّسلّطِ، بفعلِ سياساتِها الانعزاليّةِ وقمعِها لحرّيّاتِ التّعبيرِ فيها يؤكّدُ اليومَ على حتميّةِ سقوطِ أيِّ نظامٍ في العالمِ يَحذو حذوَها.
في العامِ ١٩٩١ لَفظَ الاتحادُ السّوفياتيُّ أنفاسَه الأخيرةَ رغم قُدراتِهِ العسكريَّةِ الهائلةِ، كدولةٍ عظمى وتوسُّعِهِ بضمِّ الجمهوريّاتِ السّوفياتيّةِ، الّتي تشكّلت من عدّةِ دولٍ احتلتها الامبراطوريّةُ الرّوسيَّةُ التي أسقطتها الثّورةُ البلشفيّةُ سنةَ ١٩١٧ لأسبابٍ عديدةٍ منها: هيمنةُ الحزبِ الواحدِ على مفاصلِ الحُكمِ ضِمنَ دولِ الاتحادِ وقمعُ الحرّيّاتِ العامّةِ فيها والدّخولُ في سباقِ التّسلّحِ في مواجهةِ الولاياتِ المتّحدةِ الأميركيّةِ، ما تسبّبَ بضعفِ الاقتصادِ في دولِ الاتحادِ السّوفياتيّ وتفكّكِهِ.
سَقط الاتحادُ السّوفياتيُّ سابقًا وسَيَسقُطُ نظامُ ولايةِ الفقيهِ في إيرانَ حتمًا، وما حدث ويحدُثُ اليومَ في إيرانَ من خنقٍ للحُرّيّاتِ العامّةِ وهيمنةِ نظامِ الملالي المُتخلّفِ على مقدِّراتِ البلادِ وإسرافِهِ في دعمِ المنظّماتِ الإرهابيّةِ المسلّحةِ، التّابعةِ له في بلدانِ ومجتمعاتِ العربِ على حسَابِ حقوقِ الشّعبِ الإيرانيِّ، المظلومِ والمقهورِ في وطَنِهِ واستهتارِهِ باقتصادِ البلادِ المُتهاوي جرّاءَ الحصارِ الأميركيِّ والغربيّ والعقوباتِ الاقتصاديّةِ المفروضةِ على نّظامِ الملالي يؤكّدُ على حتميّةِ سُقوطِ هذا النّظامِ المُتعفِّنِ والفاشي.
وها هي إيرانُ اليومَ تواجهُ أخطرَ مرحلةٍ في تاريخِها الحديثِ، أي منذ تأريخِ ١٩٧٩، «ذكرى انتصارِ الثّورةِ الإسلاميّةِ» بقيادةِ الخُميني. فهي حسبَ القراءاتِ السّياسيَّةِ ليست على وَشْكِ السُّقوطِ، ولكنّ نظامَها يتعرّضُ لاهتزازٍ بنيويٍّ خطيرٍ لأسبابٍ اقتصاديّةٍ وعسكريّةٍ، إضافةً إلى قيامِ النّظامِ الأمنيِّ الإيرانيِّ بقمعِ الحُرّيّاتِ العامَّةِ، وله في ذلك باعٌ طويلٌ، وعمرٌ مَديد، أي منذ انتصارِ الثّورةِ الإسلاميّةِ الخُمينيَّةِ وحتّى يومِنا هذا، وإنّ أيَّ صدمةٍ اقتصاديّةٍ أو عسكريّةٍ قد تُغيّرُ المعادلةَ فجأةً لصالحِ سُقُوطِ هذا النّظام.
إنّ خَشيةَ المسؤولينَ في إيرانَ من أن يُؤدّي الضَّررُ الّذي يلحقُ بالاقتصادِ المُنهَكِ بالفعلِ إلى تصاعدِ المعارضةِ للنّظامِ الحاكمِ بمجرَّدِ انتهاءِ الصِّراعِ، دفعَ بأجهزةِ الشّرطةِ والاستخباراتِ إلى محاولةِ منعِ أيِّ شرارةٍ قد تُشعِلُ فتيلَ الاضطراباتِ الدّاخليّة، أو تزيدُ من حدّتهاِ، والّتي انطلقت في إيران قبل الحربِ الأميركيّةِ الاسرائيليّةِ عليها، من خلالِ تكثيفِ عمليَّاتِ القمعِ والاعتقالاتِ الواسعةِ والإعداماتِ للمتظاهرين الغاضبين، كما وتقومُ قوّاتُ الأمنِ وأنصارُها بالانتشارِ الكثيفِ في الشّوارعِ والأحياءِ للتضييقِ على الإيرانيّين ومنعِهم من أيِّ محاولةٍ للخروجِ والتّظاهر، وما يدعو إلى القلقِ والرّيبةِ هو إقدامُ أجهزةِ الأمنِ والاستخباراتِ على تجنيدِ المدنيّين والأطفالِ للعملِ على حواجزِ التّفتيش.
إيران، الجمهورية الإسلاميّة: «بَاي بَاي» إذا صحّ التّعبير، فلم تعُد كما كانت في الماضي، فهذه الدّولةُ التي قامت منذ الثّورةِ الإسلاميّةِ الإيرانيّةِ على مزيجٍ من العقيدةِ الدّينيّةِ والقبضةِ الأمنيَّةِ، تواجهُ اليومَ أخطرَ اختبارٍ لها في تاريخِها الحديث.
إنّ أخطرَ ما يمكن أن يواجهَه النّظامُ الإيرانيُّ في الدّاخل هو أزمةُ ثقةِ، إذ لم تَعُدِ الأزمةُ اقتصاديّةً فحسب، بل تحوّلت إلى أزمةِ ثقةٍ شاملةٍ بين الشّعبِ والنّظام. التّضخّمُ المتزايد، وانهيارُ العملة، واتساعُ رقعةِ الفقر، عوامل دفعت بشرائحَ واسعةٍ من الإيرانيّين إلى الشّارع، ليس فقط احتجاجًا على تردّي الأوضاع المعيشيّة، بل اعتراضًا على طبيعةِ النّظامِ نفسِه. وهنا تكمن الخطورة: حين تتحوّلُ المطالبُ من إصلاحٍ إلى تغييرٍ جذريٍّ، يصبحُ الاستقرارُ الأمنيُّ والإقتصاديُّ هَشًّا مهما بلغت قوةُ القبضةِ الأمنيّة.
في المقابل لا يزالُ النّظامُ الإيرانيّ، يعتمدُ على أدواتِه التّقليديّة للحفاظِ على وجودِهِ في مقابلِ إرادةِ شعبِهِ: القمعِ، ضبطِ الفضاءِ الإعلامي، ومنعِ تشكّلِ وتشكيلِ قيادةٍ موحّدةٍ للمعارضة.
وقد أثبتت التّجاربُ السّابقةُ أنّ هذه الأدواتِ قادرةٌ على إخمادِ الاحتجاجاتِ مؤقّتًا، لكنَّها لا تعالجُ جذورَ الأزمةِ.
في المقابل، فإنّ النظامَ الإيرانيَّ يتعرّضُ لضغطٍ خارجيٍّ غيرِ مسبوق. فالتّوتّرات معَ إسرائيلَ والولاياتِ المتّحدةِ الأميركيَّةِ لم تعُدْ مجرّدَ صراعٍ سياسيٍّ، بل تحوّلت إلى مواجهاتٍ مباشرةٍ وغيرِ مباشرة، تُرهقُ الاقتصادَ في البلادِ وتزيدُ من عزلةِ إيرانَ الدَّوليّة.
أمّا الخاسرُ الأكبرُ في هذه الحرب هو الشّعبُ الإيرانيّ الّذي سيدفعُ الثّمنَ الأكبرَ.
متى سيسقطُ النّظامُ الإيرانيّ وتحت أيّ ظَرف؟؟؟
سؤالٌ جوهريٌّ في معناه، والجوابُ كما علّمَنا التّاريخ وأثبتت التّجارِبُ أنّ الأنظمةَ الدِّيكتاتوريَّةَ والفاشيّةَ الّتي تجمعُ بين الأزماتِ الاقتصاديّةِ العميقةِ والقمعِ الممنهجِ للحرّيّاتِ الشَّعبيَّةِ، وتُواجهُ بسَخَطٍ شعبيّ، وضغطٍ خارجيّ، تدخلُ مرحلةَ «الاهتزازِ البنيويّ»، وهي مرحلة لا تعني السّقوطَ الفوريّ، لكنّها تعني أنّ النّظامَ لم يَعُدْ مستقرًَّا كما كان قبل هذه الحرب.
وعلى قاعدة: «فَذَكِّرْ فإنَّ الذِّكرَى تَنفَعُ المُؤمنينَ» لا بدّ من التّذكيرِ والتّنويهِ هنا إلى أنّ سقوطَ الأنظمةِ الشُّموليَّةِ القمعيَّةِ لا يحدثُ فقط بسببِ ضَعفِها واهترائِها وتعفُّنِها كما أثبَتت وتُثبتُ التَّجارِبُ على مَرِّ التّأريخِ، بل أيضًا بسببِ قوّةِ البَديلِ والخَصمِ السّياسيّ لها، وهنا يكمُنُ أحَدُ أبرزِ نِقاطِ ضَعفِ المشهدِ الإيرانيّ: وهو غيابُ قيادةٍ معارِضةٍ مُوحَّدةٍ وقادرةٍ على تحويلِ الغضبِ الشّعبيِّ إلى مشروعٍ سياسيٍّ واضحٍ، يَصُبُّ في مصلحةِ انتصارِ دمِ المعارضةِ الشَّعبيَّةِ على سَيفِ النّظامِ القمعيّ.
يرى العديدُ من المحلِّلين السّيّاسيّين أنّ إيرانَ يبدو أنّها لا تقفُ على حافّةِ سقوطٍ تقليديٍّ يمكنُ توقّعُه بموعدٍ محدَّدٍ، بل تقفُ على حافَّةِ تحوّلٍ تاريخيٍّ، قد يأتي فجأةً وبشكلٍ صادمٍ للجميع.
فالنّظامُ الّذي وُلدَ من رَحِمِ ثورةٍ إيديولوجيَّةٍ إسلاميّةٍ يواجهُ اليومَ اختبارَ البقاءِ في بيئةٍ لم تَعُدْ تُشبِهُ تلك الّتي نشأَ وترَعرَعَ فيها، لا داخليًَّا ولا خارجيًًّا.
يرى البعضُ أنَّ النّظامَ قد ينجحُ في تأجيلِ الانفجار، ويتمكّنُ من فرضِ هُدوءٍ مؤقّتٍ تحتَ وطأةِ القبضةِ الأمنيّةٍ، لكنّ الوقائعَ تُشيرُ إلى أنَّ ما يجري ليس موجةً عابرةُ، بل هو تراكمٌ طويلٌ لأزماتٍ مؤجّلة.
وعندما تصلُ الأنظمةُ إلى هذه المرحلة، فإنّها لا تسقطُ بالضّرورةِ بسببِ ضربةٍ واحدة، بل تنهارُ حين تعجزُ عن تحمّلِ الضَّرباتِ المتتاليَة.
السُّؤالُ الّذي بدأ يُطرَحُ اليومَ وبقوّةٍ هو: كم من الوقت يستطيعُ هذا النّظامُ الصّمودَ قبل أن يتحوّلَ التآكلُ البطيءُ في مفاصلِهِ إلى انهيارٍ مفاجئ؟
فإن حدَثَ هذا وانهارَ النّظامُ فلن يكونَ الحدث شأنًا إيرانيًّا داخليًّا فحسب، بل سيُحدِثُ زِلزالًا سياسيًَّا يُعيدُ رسمَ ملامحِ المِنطَقةِ بأكملِها.
في ختامِ هذه المقالةِ لا بُدَّ من العودةِ قليلًا إلى الوراءِ، إلى صاحبِ الفِكرِ النَّيِّرِ سماحةِ الإمام الشّيخ محمّد مهدي شمس الدّين، لنغرفَ من مَعينِ فكرِهِ غَرفةً، نُروي بها ظمَأنا.
كان سماحةُ العلّامةِ الإمامِ شمس الدّين قد حذَّرَ في أكثرَ من مناسبةٍ من أنّ تحويلَ السّلاحِ إلى هُويَّة والمقاومةِ إلى وظيفةٍ دائمةٍ سيقودُ حتمًا إلى صدامٍ معَ الدَّاخلِ قبلَ الخارج. وهذا ما بدأنا نراهُ جَليًَّا اليومَ، فقد بات السِّلاحُ أداةَ تفاوضٍ إقليميٍّ، لا وسيلةَ دفاعٍ وطنيّ.
وفي هذا السِّياق، أذكُرُ إحدى وصايا الإمام الرَّاحل يقولُ فيها: إنّ الشّيعةَ اللبنانيّين ليس لهم مشروعٌ خاصّ منفصلٌ عن الدَّولةِ اللبنانيَّةِ، وإنَّ الحَلَّ الوحيدَ يكمُنُ في مشروعِ الدَّولةِ العادلةِ أو «الدَّولةِ المدنيَّةِ»، كما وصَفَها.
الدَّولةُ الّتي كان يَنشُدُها الإمامُ شمسُ الدِّين «ليست دولةً عسكريَّةً أو دينيَّةً، بل دولةً غيرَ دينيَّةٍ»، دولةً بلا دين.
بعد انتصارِ عامِ ٢٠٠٦ المزعومِ بدأ الإمامُ شمس الدّين يُعبّرُ بوضوحٍ عن قلقِهِ من استثمارِ هذا النّصرِ من جانبِ إيران و«حزبِ اللهِ»، لا بوصفِهِ نهايةَ صراعٍ دفاعيّ، بل بوصفِهِ بدايةَ مشروعٍ إقليميٍّ مفتوح، يجعلُ من الطّائفةِ الشّيعيَّةِ وَقودًا لا شريكًا، لذلك رفعَ الصَّوتَ عاليًَا وقالَ في إحدى وَصاياهُ، قبلَ وفاتِهِ بشهرينِ، مُخاطِبًَا شيعةَ لبنانَ: «أوصي الشِّيعةَ في لبنانَ بأن لا ينخرطُوا في مشروعٍ خاصّ، لا سياسيٍّ ولا أمنيٍّ ولا عسكريّ. مشروعُهم هو مشروعُ الدَّولةِ اللبنانيَّة».





