.png)
هل امتلك الشيعة اللبنانيون فعلًا قدرة الاختيار؟ وهل يُعدّ الاختيار بين السيّئ والأسوأ خيارًا حرًّا؟ وإذا كانت الخيارات منعدمة أو محدودة، فهل يُعفي ذلك من المسؤولية؟
أسئلة قد لا نملك اليوم الإجابة عليها. ربما سيأتي وقت ينقشع فيه الغبار، وتتضح الرؤية، فنكتشف صحة قراءاتنا ومواقفنا… أو خطأها.
وعندها، سيظهر السؤال الأصعب: هل سنتجرّأ على مراجعة أنفسنا؟
وإذا حاولنا، اليوم التفكير بهدوء، بعيدًا من الانفعال، ومن دون الغوص في تاريخ الجماعات البعيد والذي لن يُنصف أو يبرّئ أحدًا، ماذا نجد؟
ربما نجد أن اللبنانيين الشيعة، كما غيرهم من الجماعات اللبنانية، لم يكونوا دائمًا أصحاب قرار حرّ خلال المئة العام الماضية.
بل كانوا، في كثير من الأحيان، نقاطًا وفواصل داخل نصوص أكبر، إقليمية ودولية، شكّلت خياراتهم، ووجّهت مساراتهم، وحدّدت أدوارهم.
لكن، حتى ضمن هذا السياق، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يكفي انعدام الخيارات لتبرئة الفاعلين؟
أم أن المسؤولية، مهما ضاقت الهوامش، تبقى قائمة بشكل أو بآخر؟
منذ تأسيس لبنان الكبير عام ١٩٢٠، لم يكن انضمام مناطق جبل عامل إلى الكيان الناشئ نتيجة خيار جماعي واضح، بل جاء ضمن قرار انتدابي فرض إدراج هذه المناطق في الدولة الجديدة، لأسباب تتعلق ببنيتها الاقتصادية والجغرافية، بما في ذلك تأمين الموارد الزراعية والمائية. وبصرف النظر عن تقييم البدائل في ذلك الوقت، تبقى هذه اللحظة تأسيسية في فهم علاقة نشأت مع الدولة من خارج إرادة واضحة، أكثر مما كانت نتيجة خيار حر.
لم يكن النظام الطائفي في لبنان مجرد إطار لتنظيم التعدُّد كما يسهل للكثير من المراقبين إطلاق الحكم عليه، بل كان وما زال بنية تُشرّع انكشاف الجماعات أمام التدخلات الخارجية وتُسهّل التأثير عليها. في هذا السياق، بدأ الحضور السياسي الإيراني في البيئة الشيعية اللبنانية منذ عهد الشاه، وقبله بزمن، عبر الحوزات العلمية، وتعمّق لاحقًا بعد عام ١٩٧٩ في عهد الجمهورية الإسلامية، وقد شكّل انتقال موسى الصدرإلى لبنان عام ١٩٥٩ محطة مفصلية في إعادة تنظيم الطائفة ومأسستها سياسيًّا واجتماعيًّا، وهي عملية حملت في طيّاتها، مع الزمن، عناصر تعبئة وعسكرة وانخراط في الصراع الأهلي. هذا المسار، مع التحولات الإقليمية اللاحقة، ساهم في تسهيل اندماج جزء من هذه البيئة ضمن مشروع ولاية الفقيه، وإدخال البُعد الإيديولوجي إلى التدخل الإيراني في لبنان.
بالإضافة لتحولات كبرى كانت قد أعادت تشكيل شروط الحياة نفسها. إعلان قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ لم يكن حدثًا سياسيًّا بعيدًا او قضية عامة فحسب، بل كان لحظة أغلقت الامتداد الاقتصادي الطبيعي لجنوب لبنان، وأدخلته في مسار من التهميش، من دون أن تقابل الدولة ذلك بسياسات تعويض أو تنمية جدية. لم يكن هذا خيارًا اتّخذه سكان المنطقة، لكنه دفعهم تدريجيًّا إلى قلب صراع لم يضعوا شروطه.
وفي السياق نفسه، شكّل انتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى جنوبي لبنان إدراجًا مباشرًا للمنطقة في معادلة إقليمية ودولية. لم يكن للشيعة دور حاسم في اتخاذ هذا القرار أو رسم مساراته، لكنهم وجدوا أنفسهم في قلب نتائجه، يدفعون كلفته الأمنية والاجتماعية واحتلال لأكثر من ثمانية عشر عامًا، في واحدة من أوضح صوَر الفرق بين الحضور في قلب الحدث والقدرة على التحكُّم به.
داخل هذا الواقع، برزت محاولات لإعادة تشكيل الموقع الداخلي، لكنها لم تكن كافية لفك الارتباط بالشروط الأوسع التي حكمت المسار. ومع الحرب الأهلية، تعقّد هذا التداخل أكثر، وبدا الانخراط في الصراع مزيجًا من الدفاع عن الذات والانجراف في معادلات أكبر. ثم، مع مرور الوقت، توسّع الدور السياسي والعسكري، وانتقل الموقع من الهامش إلى مركز القوة، لكن من دون أن يتحرر من الشبكات الإقليمية التي ساهمت في تشكيله لا بل ليصبح أداة حكمها للمشهد اللبناني الداخلي.
غير أن هذا المسار نفسه يبدو اليوم وكأنه يصل إلى لحظة انكشاف قاسية. فالتوازنات التي حكمت لبنان بعد الحرب الأهلية، والتي ثبّتت أدوار القوى المختلفة ضمن تفاهمات إقليمية ودولية، لم تعد قائمة اليوم. ومع التحولات المتسارعة في المنطقة، تبدو الأدوات التي صيغت في مرحلة سابقة فقدت صلاحيتها وتتجه نحو إعادة التشكيل مع ما يسبقها من فوضى وانهيار.
وهنا، يجد الشيعة اللبنانيون أنفسهم مرة أخرى في قلب عاصفة لا يملكون التحكُّم الكامل بمسارها، لكنهم يدفعون كلفتها بشكل مباشر أمنيًّا، اقتصاديًّا واجتماعيًّا يشبه نكبة تسحق وجودهم. وكأن المسار الذي منحهم في مرحلة ما موقع قوة، يعود اليوم ليضعهم أمام نتائج تلك الخيارات، في لحظة إعادة تشكّل أوسع للمنطقة والنظام الدولي.
هذا النمط لا يبدو حكرًا على جماعة واحدة. فلو أُعيدت كتابة هذه القراءة مع استبدال الفئة المعنية، لتبيّن أن التجربة تتكرّر، بأشكال مختلفة، لدى جماعات لبنانية أخرى. فالنظام اللبناني، بوصفه ائتلافًا طائفيًّا، لم يُنتج مساحات مستقلة للقرار، بل سمح بانكشاف الجماعات على تدخلات خارجية، وجعل انخراطها في صراعات أكبر منها أمرًا شبه دائم، وغالبًا ما قاد إلى نتائج عنفية ومتطرفة.
ومع ذلك، فإن كل ما سبق لا يُعفي من المسؤولية. فحتى ضمن هذه الشروط، لم تكن الجماعات مجرد ضحايا. عندما وصلت إلى مواقع القوة غالبًا - بدعم أو تحوُّل خارجي - مارست بدورها أشكالًا من التسلّط على غيرها، مستندة إلى فائض قوة، أمني أو سياسي أو رمزي أو مالي وحوّلت بيئتها الحاضنة إلى مجموعة من المتربِّحين والمنتفعين ما أسقطهم في فخِّ العزلة مع تبدُّل المشهد. وفي كل مرة، بدا أن ميزان القوى قد استقر، قبل أن تنقلب المعادلة من جديد، ويتحوّل القوي إلى ضعيف، والضعيف إلى قوي، في دورة تتكرر من دون أن تغيّر منطقها.
هنا، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يمكن كسر هذه الدائرة؟ هل يمكن أن تظهر لحظة مختلفة، يختار فيها من يمتلك القوة ألّا يُعيد إنتاجها كهيمنة؟
إلى أن يحدث ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا لا حول الماضي فقط، بل حول ما سنفعله عندما تتضح الصورة:
هل سنكتفي بتفسير ما جرى، أم سنمتلك الشجاعة لمراجعته؟


