
«نحنا ما هرَبنا، نحنا ضهرنا» !
كان هذا جواب سيّدة جنوبيّة نازحة، بعينين يملأهُما التّصميم والتحدّي، عن سؤالٍ أمام عدسة إحدى الوكالات الإعلامية، بُعيد الإنذار بالإخلاء الذي أطلقه الجيش الإسرائيلي لسكّان قرى جنوب الليطاني.
«فِدى إِجر المقاومة! نحنا منخزّق تيابنا وما منركع»؛
قالها شابٌ وهو يمزّق ثيابه فعلًا فوق حطام منزله بصوتٍ صادح وقبضة تحدٍّ مرفوعة.
الشاب كما السيّدة، يؤلمهما الفقْد والهَجر. لكن مثلهما مثل أغلب مؤيّدي «حزب الله» من اللبنانيين الشيعة ممن اصطُلح على تسميتهم «بيئة المقاومة»، يدركان أنّ الحزن والألم وكل علامات الضعف يجب أن تُكبَت، ولا ينبغي إظهارها أمام الآخر.
العدو لا ينبغي أن يرى هذا الضعف ويبني عليه معنويًّا، و«الشريك» الداخلي لا ينبغي أن يرى علامات هذا الضعف فيشمَت أو حتى أن يُبدي تعاطفًا مرًّا بطعْم الشفقة، ليكسب نقاطًا يعزّز من خلالها منطقه المختلف. لذا، لا مناص من كبت كلّ ما يمكن أن يُحسب على هذه البيئة ضعفًا. لا مناص من عدم إظهار هذا الضعف.
بما أن الشيء بالشيء يُذكر فالتقيّة لغةً، لفظةٌ مشتقّةٌ من الفعل «اتّقى»، أي احتمى. أمّا شرعًا، فالتقيّة من المفاهيم الإسلامية العامة التي عرفتها وعملت بها كل المذاهب، وتعني كتمان المسلم ما في نفسه من مُعتقد أو حتّى إظهار خلافه واختلافه عند الضرورة، وذلك درءًا لأذًى، أو تجنّبًا لأخطار قد تطال الفرد أو الجماعة. وقد استمدّ مفهوم التقيّة الإسلامية شرعيته من الحادثة التي جرت مع عمّار بن ياسر، الصحابي الذي كان من أوائل من أسلموا، عندما أكرهَه المشركون على الكفر مهدّدين إيّاه بالقتل، ففعل هذا وكفَر بلسانه، رغم أنّ الإيمان ظلّ راسخًا في قلبه، حسب ما تقول الرواية.
كما أنّ الآية القرآنية ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ [آل عمران: ٢٨]، تُعتَبر أيضًا من الأدلّة التي تتناول مفهوم التقيّة وتكسبه الشّرعية الفقهية.
لكن، وعلى عكس غالبية علماء السنّة؛ الذين اعتبروا أنّ التقيّة مفهوم محدود جدًّا لا يتجاوز حالة الإكراه على الكفر ويشترطون فيها شروطًا صارمة، ولا ينبغي أن يتحوّل إلى سلوكٍ عام ونمط تعاطٍ يومي أو أن تؤدّي إلى مفْسدة أكبر؛ فإنّ معظم علماء الشيعة قد توسّعوا في تبرير ممارسة التقيّة واعتبروها سلوكًا دينيًّا يوميًّا ضروريًّا للحفاظ على الذات والجماعة، ولتفادي حمَلات الاضطهاد التي مرّ بها الشيعة عبر تاريخهم منذ العصرين الأموي والعباسي وصولًا إلى الحملات التي كانت تطالهم زمن المماليك أو العثمانيين... مما حتّم أن تكون التقيّة من الأصول المهمة المعتمَدة لدى جماعات الشيعة (الشيعة الاثنا عشرية ضمنًا)، حتى أن مفهوم التقيّة صار مرتبطًا بهم حصرًا.
التقيّة إذًا إخفاء ما يمكن أن يستفزّ الآخر الأقوى وعدم الجهْر به، بل وإسماعه ما قد يُرضيه مخافةً من بطشه.
ومن نافل القول إنّ ممارسة التقيّة تستوجب وجود الضعف لدى ممارسيها، فالقويّ لا حاجة تدفعه لكتمان ما يضمر. لذا فإنّ المزاوجة صعبة بين مفهوم التقيّة والانتماء العقائدي لدولة الولي الفقيه منذ انطلاق ثورتها الإسلامية في إيران، بما يستدعيه هذا الانتماء من رفع خطاب سياسي راديكالي وما يرافقه من نشاطات سياسية علنية وشعارات دينية أو عسكرية أمنية حين يستدعي الأمر، لذا تزامن ضمور مفهوم التقيّة بين الشيعة الاثني عشرية أتباع ولاية الفقيه في دول هذا الهلال مع امتداد تأثير إيران بعد نجاح ثورة إيران الإسلامية وتمدُّد هلالها الشيعي في الجوار، فمن غزو العراق وسقوط نظام صدّام، إلى تحرير جنوبي لبنان وصولًا إلى اللحظة التي بات فيها نفوذ دولة ولاية الفقيه الشيعية يبسط ظلّه على أربع عواصم عربية، كمّا نُقل على لسان قاسم سليماني قائد لواء فيلق القدس أنّه قد تفاخر يومًا، مع ما رافقها من لمَعان نجم التنظيمات الشيعيّة المسلحة، من بِكر هذه التنظيمات ودرّة تاج دولة ولاية الفقيه «حزب الله» اللبناني ومقاومته الإسلاميّة، وصولًا إلى مثيلاته من التنظيمات التي ظهرت في العراق بُعيد سقوط نظام صدّام والدور العسكري الذي لعبته في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.
الشيعة من إيران إلى لبنان مرورًا بالعراق وسوريا، صار في إمكانهم أن يجهروا بكلّ ما يضمرون، وأن تصدَح حناجرهم بما يكتمون، وأن يمارسوا شعائرهم باعتداد مكشوف وحناجر صادحة.
في لبنان مثلًا، ترافق خطاب القوّة المعلن لـ«حزب الله»، مع نجاحات عسكرية مدوّية لاءمته تمامًا؛ فمن تحرير جنوبي لبنان عام ٢٠٠٠ إلى حرب ٢٠٠٦ ضد إسرائيل وهجمة ٧ أيار ٢٠٠٨ واحتلال بيروت والتدخل في الحرب السورية لحماية نظام بشار الأسد، بدا «حزب الله» قوّةً لا تُقهر. فائض القوّة هذا ترسّخ في الوعي الجَمْعي لبيئة الحزب وفي خطابها السياسي الذي حُمِّلته.
وكان ثمّة مفارقة لافتة، أكثر ما تظهر في أيّام عاشوراء: البكاء بسخاء على كلّ ما يرتبط بهذه المناسبة الأليمة، يقابله مستوى عالٍ من القوّة في ما يُسقط على الواقع السياسي الآني من مخزون هذه المناسبة.
البكاء بضعف لمصاب الحسين وآل بيته في كربلاء، والتهديد بالقوة لمن يُسقَط عليهم أنّهم أعداء الحسين اليوم: إسرائيل، صهاينة الداخل، جماعات التكفير في سوريا.
لكن، في لبنان، ثمّة ما تغيّر منذ السابع من أوكتوبر ٢٠٢٣ وانطلاق حرب إسناد غزة مع كلّ ما تلاها.
لم تعد هذه المواءمة سلِسة، فإخفاقات الحرب، من تفجير «البيجرز» إلى اغتيال قادة الحزب، وذروة هذا الإخفاق متمثّلةً باغتيال الأمين العام حسن نصرالله وخلَفه هاشم صفي الدين، وصولًا إلى اتّفاق وقف إطلاق النار الذي استبطنت بيئة الحزب حجم الإذلال فيه. صارت ممارسة خطاب القوة نافرة وكاريكاتورية، وصار حاملوها من إعلاميين ومؤثّرين ممن كان يُنظر إليهم، حتى من خصومهم، بنوعٍ من الاهتمام، صاروا عُرضةً للسخرية، حتى من أبناء البيئة نفسها.
لكن هذا لا يعني أنّه صار في الإمكان إظهار الضعف والحديث عن الهزيمة. فالآخر الشامت ينتظر متربّصًا.
في فيديو لمقابلة مع أحد النازحين على إحدى الشاشات، حاول فيها أن يُعبر في كلامه عن تململه من قرار الدخول في الحرب والشكوى مما وصلت إليه الحال، رأينا أحد المحيطين به، نازح أيضًا،يُسارع إلى إسكاته قائلًا بغضب: «خفّف! خفّف! ».
أمّا الفيديو ذو الدلالة الأكبر فيمثّل تبليغ والدين خبر استشهاد ولدهما في المعركة، فتبدو علامات مقاومة البكاء وإظهار الحزن جليّة على وجه الوالدين، فيما يمارس المبلّغ ومصوّرة الفيديو جهودًا واضحة لمساعدة الوالدين على التماسك كي لا يستسلما للبكاء.
الجماهير تتماهى مع ما يُراد منها قوله أو التعبير عنه حينما يُطلب منها جهرًا، أو حتّى تلميحًا.
قال الأمين العام الراحل لـ«حزب الله" حسن نصرالله في أحد خطاباته: «نحن نتألّم، لكن أحيانًا نُخفي هذا الحزن حتّى لا يستغلّ العدو هذه الدمعة».
اليوم يمكن لنقاشٍ حول قرار الحرب وإطلاق الصواريخ، إسنادًا لإيران بعد مقتل المرشد علي الخامنئي، أن يصل إلى سقوف عالية جدًّا، ويمكن لأيّ فرد في بيئة وجماهير الحزب أن يشكو وأن يعترض بعالي الصوت، ويستطيع أن يلوم الحزب وقيادته جهرًا، يستطيع أن يضعف ويبكي... شرط أن لا يحصل هذا علنًا أمام غير الشيعة. فبمجرّد الوقوف أمام الآخر، أمام عدَسة أي كاميرا، أو منصّة تواصل، فالموضوع يختلف: لا مكان للشكوى، لا مكان للحزن «لا مكان للضعف، لا مكان للتراجع».
إن لم تكن هذه تقيّةً مقلوبة، فماذا نُطلق عليها إذًا؟


