26・03・2026
من العدد ٣٢
شيعةُ «حزب الله» والهِجرةُ إلى التَّاريخ: سردية وبودكاست ووَعْدٌ بـ «نكبةٍ» جديدةٍ!


لكُلِّ جماعةٍ سياسيَّةٍ صورةٌ مُتخيَّلةٌ عن ذاتِها تُبنى على مَهْلٍ، بوَعْيٍ وبدونِه، لكنَّها قد تنهارُ دُفعةً واحدةً في لحظةٍ تعجزُ فيها عن استيعاب الواقعِ حين يتناقضُ معها بشكلٍ أقصويٍّ. غالبًا، يخلقُ انهيارُ الصُّورةِ المُتخيَّلةِ انزياحًا عنها وميلًا إلى تفكيكها وإعادة تركيبها تركيبًا أكثر عقلانيةً واتِّساقًا مع الواقع. يبدأ هذا الانزياحُ فرديًّا ونُخبويًّا ويتحوَّلُ بعدَها إلى حالةٍ واسعةٍ أو حتَّى إلى تيَّارٍ سياسيٍّ تربطُه بالجماعة الأولى علاقاتُ تكاملٌ أو إلغاء. بالتَّالي، قد يكونُ الانزياحُ إصلاحيًّا أو انفصاليًّا، لكن في كِلتا الحالَيْن يظهرُ مَيْلٌ إلى تفكيكِ التَّاريخ، القديم والحديث، وإعادة تأويلِه.

لكن، حين تبني الجماعاتُ المُعاصرةُ صورتَها هذه على رُكنَيْ الدِّين وتاريخ الدِّين بحيثُ يُشكِّلُ الدِّينُ امتدادَها التَّاريخي وتتعاطى مع التَّاريخ عمومًا، وتاريخ دينِها على وجه الخصوص، كجُزءٍ من إيديولوجيَّتِها الكُبرى؛ أمام بناءٍ كهذا، تكتسبُ الصُّورةُ المُتخيَّلةُ مرونةً تأويليَّةً أكبر في التَّعاطي مع الواقع وصدماتِه لاعتباراتٍ وأسبابٍ بُنيويَّةٍ يحملُها التَّأسيسُ السِّياسيُّ على المُقدَّس. لكنَّها، في الوقت نفسِه، تحملُ في ذاتِها انجذابًا يصعبُ تجنُّبُه نحو كارثةٍ تزدادُ كارثيَّتُها بقَدْرِ ما يطولُ مكوثُ الصُّورةِ في عقل الجماعة وكُلَّما اشتدَّ تحكُّمُ مبادئ الصُّورةِ المُتخيَّلةِ، ومُقتضياتِها، بسلوك الجماعة. وحين تنهارُ صورةٌ كهذه بفعلِ واقعٍ قاسٍ، تنشأ أزمةٌ وجوديَّةٌ لدى الجماعة ويُصبحُ التَّاريخُ، بصدقِه وكذبِه، الفضاءَ الأكثر قُدرةً على تخفيفِ قسوةِ الواقع من جهة، وعلى طمأنةِ الجماعةِ إلى مستقبلِها من جهةٍ ثانيةٍ. في هذه الحالة يكونُ الميلُ إلى تلاوةِ التَّاريخ من أجل تحقيق إسقاط مزدوجٍ: إسقاط التاريخ على الذات والذات على التاريخ. من هُنا، يغدو التَّاريخُ المُستعادُ صانعًا للسرديَّاتِ الجماعيَّةِ، وبالتَّالي مُحدِّدًا للخطاب والسُّلوك اليوميَّيْن، في حالةٍ أشبه ما تكونُ بالـ«هجرة» إلى التَّاريخ.

تُشكِّلُ هذه المُقدِّماتُ إطارًا نظريًّا لتناولِ مجتمع «حزب الله» في لُبنان بعدَ الحربِ الأخيرةِ بين «حزب الله» وإسرائيل عام ٢٠٢٤، وما نتجَ عن هذه الحرب من صدَماتٍ جماعيَّةٍ وأزمةٍ وجوديَّةٍ يُمكن استقراء معالمَها في سلوك المجتمع وما وراء هذا السلوك. والمقصودُ بمُجتمع «حزب الله» في ما سيتقدَّمُ من متن هذا النَّص هو المجتمع الأوسع الذي يضمُّ «نُخبَه» وأنصارَه؛ أي هذا الكيان الذي بُنيت صورتُه المُتخيَّلةُ على مرجعيَّاتٍ تاريخيَّةٍ ودينيَّةٍ وسياسيَّةٍ تُقدَّمُ كُلُّها في قالَبٍ واحدٍ هو نظريَّةُ «ولاية الفقيه» التي تُشكِّلُ، بمُقتضياتِها وضروراتِها المنطقيَّة، أبرزَ الأُسس التي بُنيتْ عليها الصُّورةُ المُتخيَّلةُ لدى مُجتمع «حزب الله». فهذه النَّظريَّةُ تُشكِّلُ الإطارَ الذي تُدمجُ فيه المرجعيَّات التاريخيَّة، الدينية والسياسية وتُقدَّمُ إلى أتباعها على هيئة نظريَّةٍ فقه - سياسيَّةٍ تتعالى على اعتباراتِ المكان، والزمان أيضًا[١]. وفي خطٍّ موازٍ لهذه النَّظريَّة، ثمَّة دورٌ كبيرٌ أيضًا لسرديَّةِ «حزب الله» الخاصَّة التي يُقدِّمُ فيها تاريخَ الشِّيعةِ في لبنان، قبلَه ومعه وبعدَه، وموقعَه كحزبٍ في واقعِ هذه الطَّائفة ومُستقبلِها.


[١] حول هذه الفكرة، راجع «الشيعية السياسية ضد معارضيها، تأمّلات في عشر سنين من العنف»، نجيب العطار، صادر عن «أمم للتوثيق والأبحاث»، كانون الثاني ٢٠٢٦، ص ١٩ - ٢٠.

عاشوراء الأولى بعد معركة «أُولي البأس»: التَّماهي والإسقاط لكن... بالدَّم!

التَّفاعلُ مع حدثٍ ما، تاريخيًّا كان أو حاضرًا، يعتمدُ بالدَّرجةِ الأولى على تصوُّرِنا عن الحدث نفسِه وعن طبيعة العلاقة التي تربطُنا به. من هُنا، كان الإحياءُ الأوَّلُ لعاشوراء بعدَ الحرب (٢٧ حزيران - ٦ تمُّوز ٢٠٢٥) مُختلفًا عن أيِّ إحياءٍ سابقٍ من حيثُ القُدرة على إسقاط «كربلاء»، برمزيَّاتِها ومأساويتِها، على الواقع المَهول الذي تعيشُ الجماعةُ الشِّيعيَّةُ بمُعظمِها تحت وطأةِ مآسيه. فقسمٌ كبيرٌ من حاضري المجالس العاشورائيَّة التي يُقيمُها «حزب الله» و«حركة أمل»، إن لم يكن القسم الأكبر منهم، قد فقدَ قريبًا أو صديقًا أو قد أصيبَ هو نفسُه في الحرب. بالتَّالي، إنَّ قُدرتهم على استحضار مآسي وآلام كربلاء وإسقاطها على الذات تكون في ذروتِها، إذْ إنَّ مجتمع «حزب الله»، وبخاصَّةٍ أجياله الجديدة، قد نشأتْ وتربَّتْ على خطاب التَّماهي بكربلاء وإسقاطها على الذَّات. من هُنا، يَجوزُ وصفُ إحياء عاشوراء لعام ٢٠٢٥ بأنَّه الهجرةُ الجماعية الثَّانية إلى التَّاريخ بعدَ الهجرةِ الأولى التي حدثت عشيةَ ويومَ تشييع الأمين العام الأسبق لـ«حزب الله»، السَّيد حسن نصرالله، في ٢٣ شباط ٢٠٢٥، حيث حدثتْ عمليَّةُ إسقاطٍ لواقعة كربلاء ورموزِها عمومًا، وشخصيَّةِ الحُسين خصوصًا، على شخص نصرالله[١]

تبرزُ سمةٌ هامَّةٌ في التَّعاطي مع التَّاريخ وشخصيَّاته تُميِّزُ «النُّخب» عن «الجمهور» في مجتمع «حزب الله». ففي حين يميلُ الجُمهور إلى استحضار شخصيَّة الإمام الحُسين وإسقاطِها على السَّيِّد نصرالله، حيث يُوصف أحيانًا بـ«حسين العصر» و«سيد شهداء الأمة»، وهو لقبٌ مُستوحى من لقب «سيِّد الشُّهداء» الذي يُطلقُ على الإمام الحُسين، نرى أنَّ جزءًا من «النُّخب» يميلُ إلى استحضار قيادات شيعيَّة تاريخيَّة دون أن يكون لها مكانةً مُقدَّسةً، وتحديدًا شخصيَّة ناصيف النصَّار[٢]. بل إنَّ المُقارنةَ بين النصَّار ونصرالله تُشكِّلُ نقاشًا بين بعض النُّخب الشِّيعيَّة خارج إطار «حزب الله»[٣].


[١] للمزيد حول هذه الفكرة، راجع: تشييع نصرالله... «حسين العصر» يموت مرتين!، نجيب العطار، موقع «جنوبية»، ٢٤ شباط ٢٠٢٥.

[٢] جديرٌ بالذِّكر أنَّ «جمعية قبس لحفظ الآثار الدينية في لبنان» التابعة لــ«حزب الله» أقامت، بالتعاون مع اتحاد بلديات بنت جبيل، نُصبًا تذكاريًّا للنصَّار في مكان دفنه في يارون عام ٢٠١٤.

[٣] راجع: من الشيخ إلى السيد، مقاربة في ميزان الرهانات الخاطئة»، بهاء الحسيني العاملي، فان رقم ٤، العدد ٢٢، ٠٣ حزيران ٢٠٢٥، ص٨.

البحث عن «المستقبل» في التاريخ: بودكاست «تاريخي» نموذجًا

في خطٍّ موازٍ لهذه الهجرة الجماعية إلى التاريخ، التي نراها في مناسبات يغلب عليها البُعد الوجداني والعاطفي، نرى زيادةً في اهتمام مجتمع «حزب الله» بتاريخ الشِّيعة في لبنان، وهو اهتمامٌ كان موجودًا لكنَّه لم يكن ملحوظًا قبل الحرب الأخيرة، حيث لم يتعدَّ في كثير من الأحيان كونَه وسيلةً في سجالٍ سياسيٍّ داخليٍّ سببُه ارتباطُ الحزب بإيران، ولا يتجاوزُ حدودَ المُزايدةِ وتسجيل النِّقاط في السِّجال. ولعلَّ أحدَ أبرزَ الدَّوافع إلى هذا الاهتمام هو الأزمةُ الوجوديَّةُ التي تعيشُها الطَّائفةُ الشِّيعيَّةُ في لبنان بعدَ الحرب، وإنْ كان مُجتمعُ «حزب الله» هو الأكثر عُرضةً لهذه الأزمة بما تحملُه من قلقٍ يفرضُ نفسَه على حاضر الشِّيعةِ بغضِّ النَّظرِ عن واقعيَّة هذه المخاوف أو قابليَّتِها لأن تتحقَّق. 

من هُنا يأتي إطلاق «حزب الله»، عبر «مؤسسة سيميا للإعلام الجديد»، لبودكاست بعُنوان «تاريخي» كنوعٍ من الاستجابةِ لهذه الأزمةِ الوجوديَّة التي بدأت تضربُ «بيئته». ومن جهةٍ ثانيةٍ، يأتي البودكاست في وقتٍ كثُرَ فيه اتِّهامُ «حزب الله» في لُبنانيَّتِه وبتغليب انتمائه لإيران على انتمائه للُبنان. والجديرُ بالذِّكر أنَّ النَّشاطَ الثَّقافي/ المعنوي لأيِّ حزب سياسيٍّ لا يمكن مناقشته والتعاطي معه بشكلٍ منفصلٍ عن المشروع السِّياسيِّ الأوسع لهذا الحزب، وكذلك الحالُ مع «حزب الله» وغيرِه من أحزاب لُبنان.

في ٩ تشرين الأول ٢٠٢٥، أي في أجواء الذِّكرى الثَّانية لدخول «حزب الله» في «حرب الإسناد»، أعلنت «مؤسسة سيميا للإعلام الجديد» عن إطلاق برنامج «تاريخي»، من إعداد وتقديم أيمن زغيب، خلال حفلٍ أقامته المؤسسة في المركز الثقافي لبلدية الغبيري - مسرح «رسالات»[١]. وبحسب المؤسسة، «يأتي إطلاق البرنامج عملًا بوصيَّتَي سيد شهداء الأمة وصفيّه الهاشمي حول أولوية كتابة تاريخ الشيعة في لبنان». وحتَّى تاريخ كتابة هذا التَّقرير، نشرت قناة بودكاست «تاريخي» على يوتيوب: مقدِّمة، أربع حلقات قدَّمها زغيب وحدَه، وحلقتان مع الباحث علي جابر.

وقبل المُضي قدُمًا في العرض والتَّحليل، تجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ هذا النَّص ليس في محل نقد الرِّوايةِ التَّاريخيَّةِ نفسِها والبحث في صحَّتِها أو عدمِها. إنَّما هو معنيٌّ بتناول طريقة تعاطي البرنامج، وغيره من المواد التي ستُعرضُ في هذا النَّص، مع التَّاريخ والروايات التَّاريخيَّة. وبالتَّالي، إنَّ أيَّ نقاشٍ للمرويَّات الواردة فيها إنَّما هو نقاشٌ في المنهج العام للتَّعاطي مع التَّاريخ من حيث هو علمٌ ذي منهجٍ وأدواتٍ وقواعدَ منطقيَّة وليس إيديولوجيا.
 

بودكاست «تاريخي»:

الاهتمامُ المُوَجَّهُ بعَرْضِ التَّاريخ !

يضمُّ بودكاست «تاريخي» كمًّا من الرُّموز والإيحاءات، إضافةً إلى ظهور مؤشِّراتٍ واضحةٍ على وجود قدرٍ كبيرٍ من التَّوجيه والحضور المباشر وغير المباشر لسرديَّات «حزب الله» حول الشِّيعة في لبنان، أو على وجه الدِّقَّة حول موقع «حزب الله» من الطَّائفة الشِّيعيَّة في لبنان. ولا يُمكن للمشاهد المُنتبِه أن يغفلَ عن الرَّمزيات الموجودة في شارة البرنامج وعمَّا تُثيرُه من تساؤلات. فالشَّارةُ تعرضُ خريطة لُبنان الحديث وحولها السَّيفُ ذي الشَّفرتَيْن المنسوب للإمام علي بن أبي طالب، وبندقيَّةٌ من الطِّراز القديم والتي تعودُ إلى العصرَيْن العُثماني والفرنسي في إشارةٍ واضحةٍ إلى السَّرديَّة التي تربطُ، إلى حدِّ التَّلازم، بين الطَّائفةِ الشِّيعيَّة والقِتال عبر التَّاريخ تحت عنوانَيْ «الجهاد» و«المقاومة» أو ما يُعادلُهما. وتُختتمُ الشَّارة بمقطع «أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله» مأخوذٌ من أذان باللَّكنةِ الفارسيَّة يؤدِّيه المنشد سيد طالع بوراديگاهي، المعروف بـ«سيد طالع»، من أذربيجان. وأوَّلُ ما قد يُثارُ هُنا هو ما الغاية من استعمال الأذان باللكنة الفارسية مع مقطع «أشهد أن محمَّدًا رسول الله» تحديدًا؟ في حين أنَّ الأَوْلى أن تُذكرَ «أشهد أن عليًّا وليُّ الله» لِكونِ البودكاست يتحدَّث عن الشِّيعة الذين يتميَّزُ أذانُهم بـ«الشَّهادة الثَّالثة». ثُمَّ ما معنى اللَّكنة الفارسيَّة في معرضِ الحديث عن جماعةٍ تُشكِّلُ قبيلةُ عاملة العربيَّةُ «الآباء الأوائل، أجداد أبناء الجنوب اللبناني»، كما يقول مقدِّم البرنامج، أيمن زغيب، في مقدِّمة برنامجه التي تتضمَّنُ بدورِها جوابًا عن السُّؤال الذي يحملُه عُنوان المقدِّمة: «تاريخ الشيعة في لبنان... لماذا نرويه الآن؟». 

تبدأ المُقدِّمةُ بحديثٍ للسَّيِّد موسى الصَّدر يعود، بحسب البرنامج، إلى خطاب الصَّدر في مهرجان صور الشَّهير في ٥ أيَّار ١٩٧٤، حيث يقول الصَّدر: «لا أقبل أنَّ بيروت والشمال والبقاع قبل الجنوب أجواؤها تُهتك كل يوم من الطائرات الإسرائيلية». وتعكسُ بدايةٌ كهذه تأثيرَ الواقع الذي أنتجتْه الحرب الأخيرة ودور هذه النَّتائج في خلق هذا الاهتمام المُفاجئ من قِبل «حزب الله» برواية تاريخ الطَّائفة في لبنان. وإذا كان الدَّافعُ نحو إيراد حديث الصَّدر هو أنَّه يُعدُّ «المؤسِّس» للحالةِ الشِّيعيَّة في لبنان، وفق سرديَّتَيْ «حزب الله» و«حركة أمل»، فإنَّ إيراد هذا المقطع من أحاديثه الكثيرة هو الذي يُبرِّرُ لنا الرَّبطَ بين نتائج الحرب الأخيرة والاهتمام برواية التَّاريخ. ويُمكن طرحُ العديد من الإشكاليَّات المنهجيَّة حول ما ورد في المقدِّمة التي يُفترضُ أنَّها تحملُ الإطار العام والمنهج اللذين على أساسِهما سيمضي البرنامج في سردِه للتَّاريخ. 

الإشكاليَّةُ المنهجيَّةُ الأولى هي مصطلح «الجماعة الشِّيعيَّة» الذي يستخدمه مقدِّم البرنامج والذي يُظهرُ اختزالَ الطَّائفة الشِّيعيَّة في «حزب الله»، وهي الإشكاليَّة التي تُرافقُ خطاب الحزب وأداءَه السِّياسيَّيْن. فـ«الجماعة الشِّيعيَّة» التي يتحدث البرنامج عن تاريخِها تطرحُ اليوم، بحسب زغيب، أربعة أسئلة «بكثرة، إما بالمباشر أو باللاوعي تبعها». وهذه الأسئلة هي: «هل السيد حسن هو أول قائد تاريخي للجماعة الشيعية؟»، «هل هو القائد الوحيد الذي ترك أثرًا نهضويًّا في واقع الجماعة؟»، «هل هو أوَّل قائد تاريخي للجماعة الشيعية يُستشهد؟» و«هل رحلت الجماعة الشيعية مع رحيل قائدها التاريخي؟». وكان جواب زغيب عن الأسئلة هذه «لأ». وبعيدًا عمَّا قد يُثارُ من نقاشٍ حول هذه الأسئلة، بخاصَّةٍ حول «الأثر النهضوي»، فإنَّ اختزال الطائفةِ بالحزب يظهر من واقع أنَّ هذه الأسئلة تُغفِلُ أنَّ السَّيِّد نصرالله كان قائدًا تاريخيًّا لـ«حزب الله» فقط، وليس للجماعة الشِّيعيَّة في لبنان. ففضلًا عن الشَّرائح الشِّيعيَّة المُعارضة لـ«حزب الله»، التي لا ترى في نصرالله قائدًا لها، فـ«حركة أمل»، على المستوى الشَّعبي، ورغم الاحترام الكبير لنصرالله لكنَّها لا ترى فيه قائدًا تاريخيًّا لها، بل يراه البعضُ منهم منافسًا لقيادة «أمل» التَّاريخيَّة المتمثِّلة برئيسِها نبيه برِّي. بالتَّالي، إنَّ هذه الأسئلة لا تعني أحدًا سوى مجتمع «حزب الله» الذي يُعاني من الفراغ الكبير الذي تركه اغتيال قيادته التَّاريخيَّة. ويَخلُصُ زغيب بعدَ إجابته عن هذه الأسئلة إلى القول: «الجماعة الشيعية قادرة على أن تقدِّم في التوقيت المناسب وفي الجغرافيا المناسبة قائدًا تاريخيًّا جديدًا». تحملُ هذه العبارةُ هدفَيْن مُفترضَيْن: الأوَّل هو تثبيتُ منطق «التضحية» الذي حكمَ سلوك هذا المجتمع منذ عام ١٩٨٢، والثَّاني هو تهيئة «الجماعة» لخسارة قيادةٍ تاريخيَّةٍ جديدةٍ في المُستقبل. ولا يُخفى أنَّه لم يبقَ لهذه الجماعة من القيادات التَّاريخيَّة، بمستوى نصرالله، سوى المُرشد الإيراني علي خامنئي الذي يُواجه اليوم تحديَّاتٍ وتهديداتٍ وجوديَّةٍ تطالُ نظامَه وشخصَه على حدٍّ سواء[١].

الإشكاليةُ المنهجيَّةُ الثَّانيةُ هي في تعاطي البرنامج مع التَّاريخ. فتاريخُ الجماعات والأمم لا يُمكن أن يكونَ محلَّ تفاخُرٍ بقدر ما أنَّه ليس موضوعًا للتَّعيير. ولعلَّ إحدى مُسبِّبات المشاكل والكوارث في المنطقة العربية والإسلاميَّة هي استعمالُ التَّاريخ كسلاحٍ وأداةٍ في مواجهةٍ سياسيَّةٍ. تظهرُ هذه الإشكالية في قول زغيب أنَّه لو أراد أن يصفَ تاريخ «الجماعة الشِّيعيَّة» في لُبنان بكلمتَيْن فهُما: «معجزة» و«الفخر». فبغضِّ النَّظر عن «مُبرِّرات» استعمال هاتَيْن الكلمتين، فإنَّ التَّعاطي مع التَّاريخ بوصفِه عِلمًا، وتاريخ الجماعات السياسية على وجه الخصوص، يُقلِّصُ إمكانية التَّفاخر به. فقد يكونُ الفخرُ مُبرَّرًا بحادثةٍ معيَّنةٍ من تاريخ الجماعة، أو بشخصيَّةٍ مُحدَّدةٍ من أعلامِها، أمَّا التعاطي مع تاريخٍ كاملٍ مُمتدٍّ لـ«١٤٠٠ سنة»[٢]، بحسب زعم البرنامج، من منطلق الفخر فهذا موقفٌ إيديولوجيٌّ وليس موقفًا عِلميًّا. ويُمكن في هذا المَجال العودة إلى  الفصلَيْن الأول والثَّاني من كتاب «تاريخ الشيعة في لبنان»، الجزء الأول، للباحث محمَّد منذر، الصادر عن مؤسسة «أمم للتوثيق والأبحاث» للوقوف على الآراء المختلفة حول الوجود الشيعي في لبنان. ويُضافُ إلى الإشكاليَّتَيْن السَّابقتَيْن ثالثةٌ تظهرُ في قول زغيب  إنّه سيروي التاريخ «ليس كما قرأتموه، وليس كما سمعتموه، بل كما حدث». إذْ يصعبُ على مؤرِّخٍ حقيقيٍّ أن يتبنَّى مهمَّةً كهذه، مهمَّة رواية تاريخٍ «كما حدث»!

في المُقابل، تظهرُ معالِمُ الأزمة الوجوديَّة وحالة الارتجاج التي أصابت السرديَّة العامَّة لـ«حزب الله» بفِعلِ الحرب الأخيرة من خلال عدَّة مؤشّرات، أبرزها: 

يقولُ زغيب في مقدِّمة برنامجه إنَّ البرنامج ليس معنيًّا بأن «يقدّم تطمينات حول ما سوف يحدث في القادم من الأيام. مِش شغلتُه أن يطرح تساؤل هل سوف تنتصر الجماعة الشيعية في القادم من الأيام؟» وإنَّما السؤال الذي يمكن أن يطرحه البرنامج ويقدّم الإجابة عليه هو: «هل تمتلك الجماعة الشيعية القدرة على مواجهة التحديات الراهنة أو التحديات المستقبلية؟» ليُضيفَ مُجيبًا: «نعم تملك، شو دليلك؟ الـCV التاريخي لهذه الجماعة».  هُنا، يظهر أنَّ السَّرديَّة التي كانت قائمة قبل الحرب تواجهُ تحديَّاتٍ حقيقيَّةٍ بحيث لم تعد كافيةً وحدَها لامتصاص الصَّدَمات وتطمين «البيئة»، الأمر الذي يدفعهم إلى البحث عن الاطمئنان إلى مستقبل «الجماعة» في الـ«CV التَّاريخي» لها، رغم أنَّ زغيب نفسَه ينفي أن يكون هدف البرنامج «تقديم تطمينات».

وممَّا يؤكِّدُ أنَّ واقع ما بعد الحرب، بنتائجه وسجالاتِه مع الخصوم الدَّاخليِّين، هو دافعٌ رئيسيٌّ نحو رواية التَّاريخ هو ما يقولُه زغيب إنَّ هذا البرنامج «يقدّم الأجوبة عن نفس الأسئلة اللي بيطرحها البرنامج السياسي»، لكن أجوبة التاريخ تكون أكثر عمقًا لأنها تستند إلى وقائع و«حقائق» تاريخية كما يضيف. فنرى أنَّ هذا البرنامج يأتي مُتمِّمًا لعمليَّة بثِّ وتنويعِ السرديات الموجودة في البرامج السياسيَّة التي تُبثُّ على وسائل إعلام «حزب الله» الرسمية وغير الرسمية. وتظهر بعضُ النِّقاط الحسَّاسة التي يُواجهُها «حزب الله» في الداخل اللبناني وأبرزُها خطاب الطّعنِ في لبنانيَتِه من قِبل بعض خصومِه. نرى هذا واضحًا في قول زغيب: «لما يجي حدا يقول لك إنت شيعي لبناني، إنت بتروح بترجع ع العراق» أو «إنت بتروح بترجع لعند المرشد تبعك أو على إيران الصفوية». وبعيدًا عن مشروعيَّة خطاب الطَّعن هذا وصحَّتِه من عدمِها، يبدو أنَّه يُشكِّلُ تحديًّا لـ«حزب الله» في سياق التَّحديَّات التي تواجه علاقته بإيران وقدرته على تبريرِها بغير التبريرات الإيديولوجيَّة. وما يؤكِّد حضور الواقع الضَّاغط في خلفيَّة صُنَّاع البرنامج هو ما يقوله زغيب مخاطبًا «الشِّيعي»: «اعتدادك بنفسك لا يستند إلى رأي الآخر فيك، يوافق على تموضعك السياسي أو لا، وإنما إلى عمقك التاريخي».

تظهرُ أيضًا إشكاليةُ «الولاء» لإيران بشكلٍ واضحٍ في كلام زغيب الذي يدعو المشاهد اللبناني إلى التركيز على نقطتين مهمَّتين هما: الوليُّ الفقيه الأوَّل كان لبنانيًّا وهو المحقِّق الكركي، وهو جدُّ المرشد علي خامنئي لأمِّه، في إشارةٍ إلى أنَّ شيعة لُبنان هم مَن نظَّروا لـ«ولاية الفقيه» بدايةً، وليس الإيرانيين. والنُقطة الثَّانية هي أنَّ زيارة الإمام علي بن موسى الرضا في مقامه في مشهد الإيرانية تبدأ بزيارة العالم الشيعي المعروف بـ«الشيخ البهائي» وهو من بلدة إيعات في بعلبك. ويُضيفُ زغيب أنَّ الزوَّار «يستأذِنون» من الشَّيخ البهائي، اللبناني، لزيارة الإمام الرضا. وفي الواقع، فإنَّ فترة بعد الحرب شهدت بدء انتشار هذا التَّصوير للعلاقة بين إيران وشيعة «حزب الله»، أي تصوير أنَّ الشِّيعة الذين عاشوا في الجغرافيا اللبنانية، كالمُحقِّق الكركي، هم الذين «شيَّعوا إيران» وليست إيران التي شيَّعتهم. وأذكرُ أنِّي سمعتُ خلال فترة «حرب الإسناد» نقاشًا بين بعض المؤيِّدين لـ«حزب الله» يقول أحدها إنَّ الحزب هو الذي ساعد إيران في موضوع المسيَّرات، واستعمل بعضُهم تعبير أنَّ «العقول» كانت لبنانية، أبرزها القائد العسكري في «حزب الله» حسَّان اللَّقيس الذي يوصف بأنَّه «مهندس الطائرات المسيَّرة» في الحزب، والذي اغتيل بتاريخ ٣ - ٤ كانون الأول ٢٠١٣ أمام منزله في الحدث - بيروت.

إذن، يُشكِّلُ بودكاست «تاريخي»، بطريقة تعاطيه مع التاريخ الشيعي في الجغرافيا اللبنانية وبكلِّ الإشكاليَّات التي يحملها والسَّرديَّات التي يُقدِّمُها؛ يُشكِّلُ بكُليَّتِه نموذجًا لمُحاولة «حزب الله» البحث في التَّاريخ الشِّيعي عن مستقبلٍ «مطمْئنٍ» لجماعته في ما يُمكن اعتبارُه رافدًا أساسيًّا للمنظومة الفكرية/ العقائدية التي يُقدِّمها لأنصاره. ويُمكن لمسُ هذه الفكرة في اقتباسٍ أخيرٍ من بودكاست «تاريخي» حيث يقول زغيب: «التاريخ يكرّر نفسه. هذه العبارة بحدِّ ذاتها، هي إجابة عن سؤال تطرحه الجماعة الشيعية على نفسها بكثرة في الآونة الأخيرة. هيدا اللي صار معنا، صار قبل؟»؛ ويُجيبُ مباشرةً بالقول: «إيه صار قبل. إنتو غيّروا فقط أسماء الأبطال». فهذا يبعثُ رسالةً غير مباشرةً إلى أنصار الحزب مؤدَّاها: «لا تفقدوا إيمانكم بنا، ليست أولى نكباتِنا، وليست المرَّة الأولى التي نفقد قادتنا التاريخيين».


[١] تجدرُ الإشارة إلى أنَّ كتابة هذا النَّص كانت قبل بدءِ الحرب على إيران في ٢٨ شباط ٢٠٢٦ واغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. وحفاظًا على مصداقيَّة النَّص، لم نقمْ بأيِّ تعديلٍ يأخذ بعين الاعتبار التطوُّرات التي تلَت كتابتَه، لذلك اقتضى التوضيح.

[٢] ثمَّة إشكاليَّةٌ منهجيَّةٌ تحتاجُ إلى نقاش حول الحديث عن تاريخٍ شيعيٍّ قبل تأسُّس المذهب الشِّيعي بشكل رسميٍّ مع الإمام جعفر الصادق (ت. ٧٦٥ ميلادية) ولاحقًا مع الشَّيخ المفيد (ت. ١٠٢٢ ميلادية).


[١] يوسف جابر، «"سيميا" تطلق برنامج "تاريخي": وقائع ووثائق تعرض للمرة الأولى عن تاريخ الشيعة في لبنان»، موقع العهد الإخباري، ٠٩ تشرين الأول ٢٠٢٥.

روافدُ أخرى لنهر «التَّاريخ»: كتبٌ، سِجالاتٌ وساعاتٌ في الماضي!

لا تقتصرُ عودةُ «حزب الله» على التَّاريخ القديم للشيعة في لبنان وحسب، بل أيضًا ازداد الاهتمام بتاريخ الشِّيعة الحديث، أي منذ بداية القرن العشرين، وتاريخ الفترة التأسيسية لـ«حزب الله» والشيعيَّة السياسيَّة عامَّةً. واللَّافتُ في هذا هو أنَّ اهتمام الحزب سابقًا بتاريخ الشيعة كان يأتي في سياق اهتمامه بتاريخه هو. ففي الذكرى الأربعين لتأسيسه، أي عام ٢٠٢٢، أقام الحزب عدَّة نشاطاتٍ توثِّق لتاريخه في لبنان بعُنوان «الأربعون ربيعًا». لكن ما بدأ ينشطُ الآن هو الاهتمام بتاريخ «الشيعة في لبنان»، بهذه الصيغة التي لم تكن تُتداولُ بكثرة من «حزب الله» بصيغتِها هذه، وإنَّما كان يُشار إليها بـ«المقاومة». بعبارةٍ ثانيةٍ، قبل الحرب كان «حزب الله» يُقدِّمُ تاريخ «المقاومة» في لُبنان والذي يُعادلُ عندَه تاريخَه هو في الجُغرافيا الشِّيعيَّة، إذْ إنَّ الحزب يحتكرُ فعل «المقاومة» تمامًا كما يحتكرُ تعريفَها. أمَّا بعدَ الحرب الأخيرة، فباتَ «حزب الله» يستخدمُ عبارة «تاريخ الشيعة في لبنان» بشكلٍ واضحٍ ومُباشر. 

إذن، بودكاست «تاريخي» ليس أوَّل دخولٍ لـ«حزب الله» في فضاء التاريخ الشِّيعي في لبنان، ضمن الإطار الذي حدَّدناه أعلاه. فمقابلَ عددٍ كبيرٍ من المواد المرئية والمسموعة، المقالات والسجالات السياسية واليوميَّة، نرى أنَّ عددَ الكُتب المؤلَّفة في هذا المجال قليلٌ بشكلٍ ملحوظ. وأبرزُ هذه الكُتب هُما: «"حزب الله" الفكرة والمسيرة، من الآباء المؤسِّسين إلى طوفان الأقصى» للدكتور قاسم قصير، وكتاب «شيعة لبنان؛ الاجتماع الثقافي الديني ١٩٠٠م /٢٠٢٢م» للشيخ أكرم بركات. وقد صدَر الكتابان بفارق شهرين تقريبًا، إذْ صدر الأول في ٢٥ أيار والثاني في ٩ نيسان من العام ٢٠٢٥. وكِلا الكتابين يُعطي حيِّزًا من الاهتمام للفترات التي سبقتْ نشوء الشِّيعيَّة السِّياسيَّة مع السيِّد موسى الصَّدر ولاحقًا مع «حزب الله». ولعلِّ قلَّة الاهتمام بالكُتب هو جزءٌ من انخفاض اهتمام القرَّاء عمومًا بالكتاب وتفضيل المرئي والمسموع على المقروء، وربَّما يكون ذلك لأسبابٍ أُخرى.

ثمَّة أيضًا عددٌ كبيرٌ نسبيًّا من المنصَّات التي تُقدِّمُ حلقاتٍ تحت عُنوان «تاريخ الشِّيعة في لبنان». ومن هذه المنصَّات نذكر:

- بودكاست «مُبين»، مع الشيخ أكرم بركات: عُرضت أولى حلقات هذا البودكاست بتاريخ ٢٣ كانون الثاني ٢٠٢٥ وقدَّمها الإعلامي في قناة «المنار» محمد نسر. كانت الحلقة الأولى بعنوان «مفاهيم ملتبسة بعد معركة أُولي البأس»؛ يتناول فيها بركات عدَّة مفاهيم هي في الواقع محطّ خلاف بين الحزب وغيره، كالهزيمة والنصر، إضافةً إلى قراءةٍ للحرب في سياقها الأوسع. في ٢٣ أيار ٢٠٢٥، بدأت المنصة بعرض سلسلة حلقات عن تاريخ الشِّيعة كمذهب وكجماعة سياسية في الجغرافيا اللبنانية، مع مقدِّم جديد للبرنامج، وعُرض منها أربع حلقات، حتى كتابة هذه الدراسة، تحت عُنوان «رحلة التشيُّع: من توثيق التراث إلى نظرية بناء الحكم». في الحلقة الأولى يبدأ الحديث عن التشيُّع كمذهب ثمَّ يدخل إلى تاريخ الشِّيعة في لبنان عبر الحلقات الثلاث التالية. وبحسب المنصة، يتبقَّى حلقة خامسةٌ وأخيرة من هذه السلسلة. 

- منصَّة «المحطَّة»: يقدِّمُ الإعلاميَّان حسن عليق ورضوان مرتضى، وغيرهما، حلقاتٍ ذات مواضيعَ مختلفة. وبالتَّالي، فإنَّ هذه المنصَّة التي تبثّ منذ حزيران عام ٢٠١٢، لا تختصُّ بتاريخ الشِّيعة في لبنان كبودكاست «تاريخي». لكن في الفترة التي تلت الحرب بدأت «المحطة» تُعيد تداول التاريخ الحديث للشيعة في لبنان والذي ساهم بتشكيل الشيعيَّة السياسيَّة، و«حزب الله» تحديدًا، في برنامج جديد تبثُّه المنصّة وهو بعُنوان «الحد الفاصل» من تقديم الإعلامي غسَّان جواد. الحلقة الأولى من هذا البرنامج كانت بتاريخ ٣٠ آب ٢٠٢٥ بعُنوان «متى كان لبنان مستقلًا؟»، وهو ما يصبُّ في سرديَّة «حزب الله» حول السِّيادة التي تُشكِّلُ محور الحلقة تمامًا كما تُشكِّلُ محورًا للسِّجالات بين «حزب الله» وخصومِه؛ الحلقة الثانية بتاريخ ٧ أيلول ٢٠٢٥ بعنوان «اللبنانيون فينيقيون أم عرب؟»؛ الثَّالثة «المقاومة والدولة في لبنان والعالم العربي: دروس من التاريخ» التي يناقش فيها جواد أمورًا عدَّة من ضمنها نشوء حركات «المقاومة الفسلطينية» و«حزب الله»، ويناقش السؤال التالي الذي يطرحُه بما نصُّه: «هل يشكّل التكامل بين الدولة والمقاومة فرصة لحماية الأوطان أم تهديدًا لوجودِها؟». ولا يُخفى أنَّ هذا السُّؤال أيضًا يأتي في سياق سرديَّة «حزب الله» التي يدعو فيها إلى «التكامل بين الدولة والمقاومة» من خلال مفهومه الخاص لـ«الاستراتيجية الدفاعية» ومعادلته التي يُسمِّيها الثُّلاثيَّة الذَّهبية، أي معادلة «جيش شعب مقاومة»؛ أمَّا الحلقة الرَّابعة فكانت بتاريخ ١ تشرين الأول ٢٠٢٥ بعُنوان «قصة الاجتياح الإسرائيلي لبيروت ١٩٨٢»، استضاف غسان جواد فيها رافي مادويان، نجل الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، من زوجته. إضافةً إلى حلقةٍ قدَّمها جواد بتاريخ ٢٤ تشرين الثاني ٢٠٢٥ بعُنوان «تاريخ صمود جبل عامل: ١٧٨١ - ٢٠٢٤» أي بين معركة يارون عام ١٧٨١ التي قُتل فيها الزَّعيم الشِّيعي ناصيف النصَّار وحدثَ بعدَها ما يُعرف بـ«نكبة» الشِّيعة في الجنوب على يد أحمد باشا الجزَّار، وصولًا إلى معركة «أُولي البأس» عام ٢٠٢٤ التي أدَّت إلى نتائج مشابهة، في شكلها، للنَّكبة الأولى. 

- بودكاست «رواية ثانية»: أُنشئت القناة الخاصة لهذه المنصة على «يوتيوب» بتاريخ ٢٨ أيَّار ٢٠٢٥، وهي منصَّة تضمُّ سلسلة حلقات يُعرِّف القائمون عليها بأنَّها «نفتح ملفات مُغلقة، ونُعيد رسم المشهد من طهران إلى بيروت»، حيث تختصُّ المنصَّةُ بشؤون «المحور» الممتدّ من إيران إلى بيروت. تستضيفُ الحلقات ضيوفًا متعدِّدين حول مواضيع مختلفة. بتاريخ ٥ تشرين الأول ٢٠٢٥ نُشرت حلقة مع الشيخ أكرم بركات بعُنوان «ولاية الفقيه» حيث دار الحديث حول تاريخ وجذور هذه النَّظرية مرورًا بمسارها بعدَ عام ١٩٧٩ وصولًا إلى إيمان شيعة «حزب الله» بها في لبنان، حيث أثُيرت أيضًا فكرة أنَّ الشيعة اللُّبنانيِّين هم أصحاب النَّظرية في حين أنَّ الخُميني طبَّقها ولم يبتكرها. إضافةً إلى حلقة بتاريخ ٢٠ آب ٢٠٢٥ بعُنوان «إيران في لبنان: علاقة تاريخ أم احتلال؟» مع الإعلامي محمد شمص، وكانت الحلقة حول تاريخ العلاقة بين إيران ولبنان قبل نشوء «حزب الله» وبعدَه، كما تناولت تاريخ علاقة الشيعة في لبنان بإيران في فترة وجود السَّيِّد موسى الصدر في لبنان مرورًا بمشاركة «حركة أمل» في الحرب مع إيران ضدَّ العراق وصولًا إلى علاقة «حزب الله» بإيران. إضافةً إلى حلقة مع الإعلامي الفلسطيني كمال خلف بتاريخ ١ آب ٢٠٢٥ بعنوان «لماذا تدخلت إيران في سوريا؟» التي تتحدث عن تاريخ العلاقات السورية الإيرانية ومشاركة «حزب الله» في الحرب السورية وتاريخ العلاقة بينه وبين النظام السوري في عهدَيْ حافظ وبشار الأسد. إضافةً إلى تسع حلقات أخرى تتناول مواضيع مختلفة حول علاقة إيران بالمنطقة بحيث تتداخل السرديّات مع التاريخ.

- قناة «الميادين»: بدأت قناة «الميادين» ببثِّ وثائقيَّات حول تاريخ «حزب الله» في لبنان وصراعه مع «إسرائيل». مثلًا: بتاريخ ٩ تشرين الثاني ٢٠٢٥ بدأت القناة ببث وثائقي بعُنوان «طريق الحرية»: يتحدث الجزء الأول منه عن سجن أنصار وتأسيسه عام ١٩٨٢، عُرضت فيه «لقطات أرشيفية نادرة وصوَر حصرية من داخل المعتقل»، إضافةً إلى شهادات أسرى محرَّرين من المعتقل وشهادة القيادي سمير القنطار الذي قُتل في سوريا عام ٢٠١٥، إضافةً إلى الحديث عن معتقل الخيام وعن عمليات حركات «المقاومة» الفلسطينية واللبنانية المختلفة؛ ويعرضُ الجزء الثاني بالدرجة الأولى موضوع الجندي الإسرائيلي رون آراد إضافةً إلى عمليات تبادل الأسرى عامي ١٩٩٦ و١٩٩٧؛ الجزء الثالث يتناول الفترة بين عامي ١٩٩٧ وأيار ٢٠٠٠؛  والرابع، الأخير حتى الآن، يتناول الفترة بين ٢٠٠٠ و٢٠٠٢. وبتاريخ ١٦ شباط ٢٠٢٦، الذكرى الـ٤١ لتأسيس «حزب الله»، نشرت قناة «الميادين» وثائقي عن «عملية الاستشهادي أحمد قصير» عام ١٩٨٢ بعنوان «عملية خيبر ١٩٨٢: أسرار تخطيط وتنفيذ "زلزال ٨٢" في لبنان!»، وتضمَّن الوثائقي شهادة مصوَّرة لقائد الجبهة الجنوبية في «حزب الله» علي كركي (أبو الفضل) الذي اغتالته إسرائيل مع السيِّد نصرالله في ٢٧ أيلول ٢٠٢٤. والجديرُ بالذِّكر أنَّ قناة «الميادين» كانت قبل الحرب تهتمُّ بنشر عددٍ من الوثائقيَّات حول تاريخ «حزب الله»، و«المحور» الإيراني عمومًا.

إضافةً إلى البرامج المصوَّرة الكثيرة، ثمَّة عددٌ من المقالات والسِّجالات التي تُعيدُ سرد التَّاريخ الشِّيعي في لبنان من قبل «حزب الله» ودائرتِه الواسعة. على سبيل المثال: نشرت جريدة «الأخبار» سلسلة مقالاتٍ للكاتب أسعد أبو خليل، بلغت ٣٢ مقالًا بين ٢٦ نيسان ٢٠٢٥ و٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٦، تحت عنوان «مراجعة نقدية لتجربة "حزب الله" السياسية والعسكرية». إضافةً إلى أربع مقالاتٍ، بين ٣١ كانون الثاني و٢١ شباط ٢٠٢٦، بعُنوان «دور زعماء الشيعة في لبنان المعاصر: مذكّرات كاظم الخليل». وبعدَ يومين على وفاة الدكتور سعدون حمادة، أشهر مَن كتب في التاريخ الشيعي في لبنان وأكثرهم إثارة للجدل، نشرت «الأخبار» بتاريخ ٣ أيلول ٢٠٢٥ مقالًا بعُنوان: «سعدون حمادة... المؤرِّخ المقاوم الذي صحّح تاريخ لبنان» ومقالٌ آخر في اليوم نفسِه بعنوان «عودة إلى درس التاريخ الأهمّ: تهجير المقاومين سياسة متواصلة». واللَّافت أنَّه خلال بحثنا السَّريع في موقع جريدة «الأخبار» لم نجد ذكرًا لسعدون حمادة، الذي «صحَّح تاريخ لبنان»، سوى في هذين المقالين. على أنَّه يُتركُ مجالٌ لنفي صِحَّةِ هذه المُلاحظة ودقَّتِها، تمامًا كما يُتركُ المجالُ لاستخلاص ما يُمكنُ استخلاصُه في حالِ صحَّتِها.

أمَّا على مستوى السِّجالات السياسيَّة التي تدور بين إعلاميِّي «حزب الله» وإعلاميِّي الخصوم، فإنَّ كُلَّ ما ذُكرَ أعلاه نجدُه متداولًا في هذه السجالات، وأبرز هذه المواضيع وأكثرها تداولًا في السجالات اليوميَّة، حتَّى بين المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، هما موضوع قِدَمِ الوجود الشِّيعي في لبنان وموضوع العلاقة مع إيران حيث يُردِّدُ كثيرون ما مؤدَّاه «نحنا شيَّعنا إيران» أو «نحنا أخدنا التشيُّع على إيران» التي يمكن للباحث عنها أن يسمعها بصيغتِها هذه من قِبل مؤثِّرين أو من قِبل بعض المُطَّلعين على التاريخ من جمهور «حزب الله». وبطبيعة الحال، لا يُخفى على المُطَّلع على السجالات اللبنانية أن هذا الموقف لا يُقال من مُنطلق التفاخر على إيران وادِّعاء الأسبقيَّة أو الأفضليَّة، وإنَّما يُقال ردًّا على منطقِ «عودوا إلى إيران».

«شيعةُ لبنان» عند «حزب الله»: وَعْدٌ بـ«نكبةٍ» أُخرى؟

عَوْدًا إلى عبارةٍ وردتْ أعلاه في مقدِّمة بودكاست «تاريخي»، في أنَّ التَّاريخَ يُعيدُ نفسَه. لعلَّ السُّؤال الأبرز الذي قد يُطرح هُنا هو: أليس التَّاريخُ حقًّا يُعيدُ نفسَه؟ الجوابُ غالبًا نعم، هو كذلك. أمَّا السُّؤالُ الأكثرُ أهميَّةً وضرورةً فهو: هل يجبُ على التَّاريخ أن يُعيدَ نفسَه؟ وبالتَّالي ليس علينا إلَّا أن نغيِّرَ «أسماء الأبطال»، كما يدعونا مُقدِّمُ البرنامج، أيمن زغيب؟ إنَّ الإجابة عن هذا السُّؤال هي، في الواقع، جزءٌ من الإجابة عن سؤال «لماذا علم التَّاريخ؟». إنَّ علم وفلسفة التَّاريخ هما الوسيلة الأولى والأهم لمنع التَّاريخ من تكرار نفسِه. وحول هذا، يقول المُفكِّرُ الإيرانيُّ الرَّاحل علي شريعتي، الذي يعتبر أنَّ التَّاريخ هو أحدُ سجونِ الإنسان الأربعة، في محاضرةٍ له بعُنوان «سجون الإنسان الأربعة»، يقول إنَّه «إذا تمكَّن [الإنسان] بمساعدة علم التاريخ وفلسفة التاريخ من اكتشاف حركة التاريخ والقوانين السائدة عليها؛ وإذا استطاع أن يكتشف أية عوامل للتاريخ وكيف أنها تؤثر في بنائي - أنا الإنسان أو نحن الناس - الفكري، الإرادي، الشعوري، والأخلاقي» فعندَها يستطيعُ الإنسان أن ينجو من «جبر التَّاريخ»[١].

أما إذا اعتمدنا نظرية «تغيير أسماء الأبطال» بحيثُ يُكرِّرُ التَّاريخُ نفسَه من حيثُ أنَّ الصّراعَ دائمًا هو «صراع الحق والباطل» وأنَّ «الدم ينتصرُ على السيف» وأنَّ «الجماعة الشِّيعيَّة» تبقى رغمَ النَّكبات ولا يتغيَّرُ سوى أسماء أبطالِها؛ أوَّلَ أمسٍ كان البطلُ هو الإمام علي ثُمَّ الحُسين، وبالأمسِ كان ناصيف النصَّار، واليوم هو حسن نصرالله، وغدًا قد يكون علي الخامنئي وبعدَ غدٍ ستقدِّمُ «الجماعة الشِّيعيَّةُ في التوقيت المناسب وفي الجغرافيا المناسبة قائدًا تاريخيًّا جديدًا»، على حدِّ تعبير زغيب. قد يُحقِّقُ هذا كُلُّه نوعًا من الثَّبات لسرديَّة «حزب الله» في أذهان مجتمعه وقد يزرعُ في نفوس أنصارِه اطمئنانًا إلى المُستقبلِ بقيادة الحزب، وإنْ كان اطمئنانًا مزيَّفًا، وقد يُعيدُ بعضًا من الثِّقةِ بالحزب وخياراته إلى مَن فُقدتْ عندَهم هذه الثِّقة أو تضعضعتْ بفعل الحرب الأخيرة. قد يحدثُ كُلُّ هذا، لكنَّه في الوقت نفسِه هو وعدٌ بنكبةٍ جديدةٍ و«بطلٍ» جديدٍ يُكرِّرُ التَّاريخُ نفسَه من أجلِه غيرَ آبهٍ بموتِ آلافٍ جُدُدٍ ودمارِ قُرى جديدة! ولعلَّه من الأفضلِ للجماعةِ، أيِّ جماعةٍ، ألَّا يكونَ لها تاريخ على أنْ تحملَ تاريخًا لا يعرفُ سوى تِكرار نفسِه الممتلئةِ بالمجازر والمَقاتِلِ والنَّكبات. منَ الأفضلِ للطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ ولحقنِ دمائها أنْ تبدأ تاريخَها ووجودَها في لبنان من اليوم على أنْ تحملَ تاريخًا لا تستطيعُ أن تتعاطى معه إلَّا بمنطقٍ يستَنزلُ البلاءَ من كُلِّ مكانٍ ورؤيةٍ لا ترتاحُ إلَّا بإعادة تمثيل «مقاتِل الطَّالبيِّين»!


[١] راجع: الإنسان والإسلام، علي شريعتي، دار الأمير، الطبعة الثانية، ص١٨١.

«شيعةُ لبنان» خارج مجتمع «حزب الله»: بحثٌ عن «مستقبلٍ» آخر؟

في الفترة الأخيرة من عهدِ الشيعيَّة السياسيَّة، ازدادَ بكثرةٍ الاهتمامُ بتاريخ هذه الطَّائفة القديم والحديث، كُلٌّ حسب غايتِه من الاهتمام. ويُمكن القول، إنَّه بعدَ الحرب الأخيرة بين «حزب الله» وإسرائيل، باتَ عُنوان «تاريخ الشيعة في لبنان» مادَّةً جاذبةً للشِّيعةِ ولغيرهم، بخاصَّةٍ على مستوى البودكاست والمواد المرئية والمسموعة عمومًا، لأسبابٍ تختلفُ باختلاف المشاهدين وغاياتهم من المشاهدة. أما اهتمام اللبنانيِّين الشيعةِ بتاريخهم فيُمكن القول إنَّه بدأ اهتمامًا بتاريخ المذهب الشِّيعيِّ ثُمَّ صارَ يميلُ إلى التَّخصُّصِ بتاريخهم كشيعةٍ في الجغرافيا السياسيَّة اللبنانية. ولعلَّ هذا التَّبدُّل في طبيعة الاهتمام ناتجٌ بدرجةٍ كبيرةٍ عن تفاعلِ هذه الطَّائفة مع الأحداث والتَّبدُّلات السياسيَّة في المنطقة. بالتَّالي، إنَّه أمرٌ ضروريٌّ أنْ يكون تاريخُ الشيعةِ محلَّ درسٍ وبحثٍ من الضَّروريِّ أنْ يتِمَّا بشكلٍ عِلميٍّ نقديٍّ وجريء لا يُخبرنا أنَّ الطَّائفةَ الشِّيعيَّة تستطيعُ تجاوزَ النَّكباتِ التي تجلبُها على نفسِها كُلَّما تصارعتِ الأمم، بل يُخبرُنا كيف يُمكن تفادي حدوث نكباتٍ أخرى. منَ الضَّروريِّ بحثُ تاريخ هذه الطَّائفة وإعادة تفكيكِه وتركيبِه، لا إعادة تلاوتِه، لكي نفهم أسبابَ فشلِ هذه الطَّائفةِ، مجتمِعةً، في مَنعِ التَّاريخِ، الغاصِّ بالنَّكبات، من تِكرار نفسِه دون أيِّ تغييرٍ حقيقيٍّ سوى «أسماء الأبطال»!

مقالات مشابهة
25・04・2026
العودة إلى الجنوب اللبناني بعد الحرب الأخيرة: أي عودة؟
آلاء نجم
ما يجري اليوم في جنوب لبنان يبدو أقرب إلى حركة نزوح معكوسة من عودة حقيقية. يعود الناس إلى قراهم وبلداتهم ليجدوا فراغًا واسعًا: بيوتًا مهدّمة، محلات مشلّعة أبوابها، بُنى تحتية مُدمَّرة، وحقولًا متضررة، وأرضًا ما زالت تحت التهديد المباشر بالنار والاحتلال. عاد كثيرون ليتفقدوا الركام أكثر مما عادوا ليستأنفوا الحياة. وعاد آخرون لأن كلفة النزوح باتت فوق قدرتهم، لا لأن شروط الاستقرار توافرت.
24・04・2026
رحلة النزوح مستمرة… ٢٤ ساعة على حافة القلق في الطريق إلى الجنوب ومنه
أحمد خواجة
انطلقنا بالسيارة باتجاه قريتنا في قضاء بنت جبيل عند الثامنة صباحًا، زحمة سير كان يمكن ملاحظتها ابتداءً من خلدة، سيارات وآليات ودراجات نارية، مواطنون حملوا بعض المقتنيات، ابتاعوا بعض الأطعمة، قاصدين بيوتهم التي تركوها على حين غرّة، حين استيقظوا منتصف أحد ليالي رمضان على أخبار إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، وإعلان الأخيرة شنّ هجوم وحشي على لبنان.
22・04・2026
عن الحرب وأمّي… وعن كلّ الأمهات وفلذات أكبادِهن
فراس حمية
كانت أمي في «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» يوم الأربعاء الأسود، حين استهدفت إسرائيل مبنى يبعد مئة متر عن البناية التي يقطنها أهلي. كانت أمي مع بعض إخوتي وأخواتي وأحفادها في المبنى، مطمئنين إلى أن حيًّا فقيرًا «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» لن يطاله الاستهداف، لكن ظنّهم خاب، وكان دويّ الصواريخ أكبر مما يمكن تخيّله أو شرحه.
أيضاً للكاتب/ة
20・03・2026
ذاتَ حربٍ في «الضَّاحية»: سِفْرُ الخروجِ وأسفارُ العودة!
نجيب العطار
لم أحملْ معي سوى حقيبةٍ واحدةٍ يومَ أُخْرِجَ الجَمْعُ منَ «الضَّاحية»؛ يومَ التَّهديدِ الكبير. حقيبةٌ واحدةٌ لم تتَّسِعْ لحَمْلِ الأُمنيةِ الأولى: لو أنِّي أستطيعُ أنْ أحشُرَ هذا البيتَ في هذه الحقيبة! أُمنيةٌ طفوليَّةٌ بعضَ الشَّيءِ. لعلَّ الطِّفلَ الذي كُنتُه قد بُعثَ من أجداثِ ذاكرتي، أو لعلَّه الإنسانُ يتصاغرُ أمامَ الحرب حتَّى يعودَ طِفلًا يخافُ من كُلِّ شيءٍ ويُقدِمُ على كُلِّ خطر!
03・05・2025
الرُّموزُ السِّياسيَّةُ: بينَ إشهارِ الانتماءِ وتثبيتِ السَّطوةِ
نجيب العطار

تَربطُ الإنسانَ بـ «الرَّمزِ» علاقةٌ مُعقَّدةٌ يبدو أنَّ لها منَ العُمرِ مثلَ ما للإنسانِ منه.

03・04・2025
اللبنانيُّون الشِّيعةُ بينَ السُّلطةِ والدَّولة
نجيب العطار
شكَّلتْ عِلاقةُ «حزب الله» بالدَّولةِ إشكاليَّةً كُبرى ومِحورًا أساسيًّا دارَتْ حولَه، ولم تزلْ، مُعظمُ السِّجالات التي تصدَّرتِ المشهدَ السِّياسيَّ اللُّبنانيَّ بعدَ الانسحابِ السُّوريِّ منه عامَ ٢٠٠٥ ...