
في تاريخ لبنان الحديث سلسلة طويلة من الشعارات الكبيرة التي انتهت دائمًا بالنتيجة نفسها: الخراب. في كل مرة كان يُقال للبنانيين إن المعركة ليست هنا بل هناك، وإن الواجب القومي يفرض عليهم أن يتحول بلدهم إلى ساحة حرب مفتوحة. هكذا بدأ الأمر بإسناد سوريا ثم تحوّل إلى إسناد فلسطين ثم انتهى اليوم إلى ما يمكن تسميته بالإسناد الثالث، أي إسناد إيران.
المنطق البسيط يطرح سؤالًا لا يريد أحد الإجابة عليه بصدق. ماذا جنى لبنان من كل هذا؟
في إسناد سوريا دُفع لبنان إلى حروب الآخرين، وتحوّلت أرضه إلى ساحة صراع إقليمي وضاعت سيادته بين الأجهزة والوصايات الثقيلة؛ وفي إسناد فلسطين تحوّل البلد إلى خط تماس دائم فاشتعلت الحرب الأهلية وتفككت الدولة وغرقت المدن بالدمار؛ واليوم في الإسناد الثالث، يُعاد السيناريو نفسه بلغة مختلفة. لبنان يُستنزف من جديد، اقتصاده ينهار، شبابه يُدفعون إلى جبهات لا علاقة لها بمصير وطنهم والقرار الوطني يُصادر لمصلحة مشروع إقليمي لا يعيش تبِعاته إلا اللبنانيون.
المشكلة ليست في الشعارات، فالشعارات دائمًا برّاقة وسهلة، بل في النتائج. والنتائج أمام أعين الجميع. دولة ضعيفة، اقتصاد منهار، مجتمع مُرهق وبلد يعيش على حافة الهاوية.
ومن أخطر نتائج هذه الإسنادات المتتالية أنها لم تدمّر الاقتصاد والدولة فقط، بل صدّعت النسيج الاجتماعي نفسه. فقد أدّت هذه السياسات إلى تعميق الهوّة المذهبية بين السنّة والشيعة، وإلى زرع الشكوك والعداوات داخل المجتمع الواحد حتى أصبح اللبنانيون في كثير من الأحيان أسرى اصطفافات مذهبية حادّة لم يعرفها لبنان بهذا الشكل من قبل. وهكذا تحوّل بلد التنوّع والتعايش إلى ساحة توتر دائم تُستعمل فيها الطوائف وقودًا لصراعات سياسية وإقليمية أكبر منها. كل هذه الحروب قيل إنها من أجل الكرامة والسيادة والتحرير، لكن المفارقة القاسية أن لبنان خرج منها دائمًا سيادة أقل سيادة ودولة أضعف وانقسامًا أوسع. الخراب هو الثابتة الوحيدة التي لا تتبدل.
الحقيقة التي يتهرّب منها الكثيرون أن لبنان ليس دولة لديها فائض قوة كي يتحمّل حروب الآخرين. هو بلد صغير هشّ التوازن، لا يحتمل أن يكون صندوق بريد لصراعات المنطقة. وعندما يتحول إلى منصة لإسناد هذا الطرف أو ذاك، فإن الثمن يُدفع من حياة اللبنانيين وأرزاقهم ومستقبل أولادهم.
الإسناد الثالث ليس مجرد شعار سياسي جديد، بل هو استمرار لمنطق قديم أثبت فشله مرات لا تُحصى. منطق يقول إن لبنان يجب أن يقاتل دائمًا في معارك لا تعنيه، وأن يتحمّل وحده تبِعات مشاريع أكبر منه. لكن السؤال الذي يزداد إلحاحًا يومًا بعد يوم: إلى متى؟
إلى متى يبقى لبنان ساحة بدل أن يكون دولة، وإلى متى يُطلب من شعبه أن يدفع ثمن معارك لا تنتهي؟
ربما آن الأوان لقول الحقيقة بوضوح قاسٍ. لبنان لا يحتاج إلى إسناد جديد، لبنان يحتاج فقط إلى أن يُنقذ من هذه السلسلة الطويلة من الإسنادات التي لم تجلب عليه سوى الدمار.





