25・03・2026
من العدد ٣٢
خراب الإسناد الثالث

في تاريخ لبنان الحديث سلسلة طويلة من الشعارات الكبيرة التي انتهت دائمًا بالنتيجة نفسها: الخراب. في كل مرة كان يُقال للبنانيين إن المعركة ليست هنا بل هناك، وإن الواجب القومي يفرض عليهم أن يتحول بلدهم إلى ساحة حرب مفتوحة. هكذا بدأ الأمر بإسناد سوريا ثم تحوّل إلى إسناد فلسطين ثم انتهى اليوم إلى ما يمكن تسميته بالإسناد الثالث، أي إسناد إيران.

المنطق البسيط يطرح سؤالًا لا يريد أحد الإجابة عليه بصدق. ماذا جنى لبنان من كل هذا؟

في إسناد سوريا دُفع لبنان إلى حروب الآخرين، وتحوّلت أرضه إلى ساحة صراع إقليمي وضاعت سيادته بين الأجهزة والوصايات الثقيلة؛ وفي إسناد فلسطين تحوّل البلد إلى خط تماس دائم فاشتعلت الحرب الأهلية وتفككت الدولة وغرقت المدن بالدمار؛ واليوم في الإسناد الثالث، يُعاد السيناريو نفسه بلغة مختلفة. لبنان يُستنزف من جديد، اقتصاده ينهار، شبابه يُدفعون إلى جبهات لا علاقة لها بمصير وطنهم والقرار الوطني يُصادر لمصلحة مشروع إقليمي لا يعيش تبِعاته إلا اللبنانيون.

المشكلة ليست في الشعارات، فالشعارات دائمًا برّاقة وسهلة، بل في النتائج. والنتائج أمام أعين الجميع. دولة ضعيفة، اقتصاد منهار، مجتمع مُرهق وبلد يعيش على حافة الهاوية.

ومن أخطر نتائج هذه الإسنادات المتتالية أنها لم تدمّر الاقتصاد والدولة فقط، بل صدّعت النسيج الاجتماعي نفسه. فقد أدّت هذه السياسات إلى تعميق الهوّة المذهبية بين السنّة والشيعة، وإلى زرع الشكوك والعداوات داخل المجتمع الواحد حتى أصبح اللبنانيون في كثير من الأحيان أسرى اصطفافات مذهبية حادّة لم يعرفها لبنان بهذا الشكل من قبل. وهكذا تحوّل بلد التنوّع والتعايش إلى ساحة توتر دائم تُستعمل فيها الطوائف وقودًا لصراعات سياسية وإقليمية أكبر منها. كل هذه الحروب قيل إنها من أجل الكرامة والسيادة والتحرير، لكن المفارقة القاسية أن لبنان خرج منها دائمًا سيادة أقل سيادة ودولة أضعف وانقسامًا أوسع. الخراب هو الثابتة الوحيدة التي لا تتبدل.

الحقيقة التي يتهرّب منها الكثيرون أن لبنان ليس دولة لديها فائض قوة كي يتحمّل حروب الآخرين. هو بلد صغير هشّ التوازن، لا يحتمل أن يكون صندوق بريد لصراعات المنطقة. وعندما يتحول إلى منصة لإسناد هذا الطرف أو ذاك، فإن الثمن يُدفع من حياة اللبنانيين وأرزاقهم ومستقبل أولادهم.

الإسناد الثالث ليس مجرد شعار سياسي جديد، بل هو استمرار لمنطق قديم أثبت فشله مرات لا تُحصى. منطق يقول إن لبنان يجب أن يقاتل دائمًا في معارك لا تعنيه، وأن يتحمّل وحده تبِعات مشاريع أكبر منه. لكن السؤال الذي يزداد إلحاحًا يومًا بعد يوم: إلى متى؟

إلى متى يبقى لبنان ساحة بدل أن يكون دولة، وإلى متى يُطلب من شعبه أن يدفع ثمن معارك لا تنتهي؟

ربما آن الأوان لقول الحقيقة بوضوح قاسٍ. لبنان لا يحتاج إلى إسناد جديد، لبنان يحتاج فقط إلى أن يُنقذ من هذه السلسلة الطويلة من الإسنادات التي لم تجلب عليه سوى الدمار.

 

مقالات مشابهة
04・06・2026
محمد رعد وخطاب إدارة الهزيمة
داود رمّال
في النداء الأخير لرئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» محمد رعد لا تظهر الأزمة بوصفها أزمة حرب فقط، بل أزمة معنى وهوية ووظيفة ودور تاريخ. ويمكن القول إن أخطر ما في نداء محمد رعد ليس مضمونه السياسي المباشر، بل روحه العامة. إنها روح جماعة تشعر في داخلها بأن مرحلة كاملة انتهت، لكنها لا تملك الجرأة على الاعتراف بذلك علنًا.
03・06・2026
مئة عام على الدستور اللبناني: بين ثبات النصّ وتقلُّبات الجغرافيا السياسية
جاد الأخوي
لبنان، بكل أزَماته وانهياراته، حافظ على فكرة الدستور كمرجعية للدولة، حتى عندما انتُهكت هذه المرجعية مرارًا. وهذه حقيقة تستحق التوقف عندها في المئوية الأولى للدستور اللبناني، ليس من باب الاحتفال العاطفي، بل من باب قراءة معنى أن يبقى نص دستوري قائمًا قرنًا كاملًا في منطقة عاشت على إيقاع الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، وسقوط الجمهوريات، وصعود الأنظمة الأمنية.
01・06・2026
الحرب على الذاكرة تقول: نريد اقتلاعكم
منى فياض
إذن إن استهداف القرى والبلدات في جنوب لبنان ليس مجرد عمل عسكري عابر أو مجرد حرب، ولا يمكن اختزاله بلغة الأرقام: عدد المباني المهدّمة، أو كلفة الخسائر. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة منظمة لضرب ما هو أثمن من الحجر: الذاكرة. المشكلة ليست فقط في ما يُهدم، بل في كيف نردّ نحن. تكرار العبارات الجاهزة مثل «سنعيد البناء أفضل مما كان» لا يكفي، بل قد يكون شكلًا من أشكال الهروب.
أيضاً للكاتب/ة
19・05・2026
وطن يأكل أبناءه، بعلبك الهرمل... ساحة العزاء المفتوحة
علي الضيقة
إنها الجنائز التي لا تنتهي والمواكب التي تشقُّ صمت البقاع لتزرع في ترابه غصّة لا تُمحى. تمتد الطريق من بعلبك إلى الهرمل كشريط من الوجع المعلّق فوق هامات الجبال، هناك حيث يسير الموت متبخترًا ببدلته المرقطة، يخطف شبابنا الذين ما زالوا في عمر الورد ويقتلعهم من أحضان أمهاتهم ومن بين يدَي أطفالهم ليُعيدهم إلينا جثامين باردة وصوَرًا تُعلَّق على الجدران الصامتة.
16・04・2026
عن المقامرة بالدماء اللبنانية في ساحات التفاوض الاقليمي
علي الضيقة
لقد حان الوقت لنزع القناع عن الوجوه التي باعت بيروت في سوق النخاسة الإقليمي والاعتراف بأن العدو الحقيقي للقمة عيشنا هو ذلك الفكر الظلامي الذي يقدم مصالح «الولي الفقيه» على مصلحة العامل والفلاح والطالب. إن البركان الذي يغلي في صدور الجائعين لن تُخمده الخطابات الرنانة والزلزال الذي بدأ في أمعاء الأطفال الخاوية سيهدم عروش كل الذين تاجروا بآلامنا ليرضوا أسيادهم...
03・03・2026
مصادرة التنوّع: إعادة تشكيل المجتمع الشيعي في لبنان سياسيًّا وثقافيًّا وتاريخيًّا
علي الضيقة
لم تدخل الثقافة الدينية الإيرانية إلى البيئة الشيعية في لبنان بوصفها تفاعلًا ثقافيًّا طبيعيًّا بين مجتمَعين، بل جاءت كمشروعٍ سياسي متكامل يمتلك أدواته الإعلامية والمالية والتنظيمية...