
في الأيام الأخيرة، انفجرت مجموعة مؤشّرات سياسية وأمنية توحي بأنّ لبنان يقف على مفترق تاريخي: حكومة تتحدّث عن حصر السلاح بالدولة، ضغوط دولية متصاعدة على «حزب الله»، محادثات مباشرة مع إسرائيل بعد أربعة عقود، واستنفار أممي للدفع نحو وقف التصعيد. ومع ذلك، ما زالت بعض القوى تحاول تصوير كل تغيير وكأنه تهديد وجودي لطائفتها، وكأنّ مصير الشيعة - أو أي مكوّن - مرتبط حصرًا ببقاء حزب أو سلاح.
الوقائع تقول غير ذلك. الانهيار الذي يعيشه اللبنانيون لم يأتِ من الخارج، بل من الداخل: من تعطيل المؤسّسات، من اقتصاد محاصَر بالفساد، ومن دولة مخنوقة بتعدّد الرؤوس. لذلك، عندما يرفع الثنائي شعار «نحن أو الفوضى»، فهو يتجاهل أنّ الفوضى وقعت فعلًا بينما هو في موقع القرار، وأنّ الخوف الذي يزرعه في جمهوره لم يمنح الناس خبزًا ولا كهرباء ولا أمنًا.
اليوم، المجتمع الدولي يضغط، والإقليم يتغيّر، والحدود تُعاد هندستها بالمفاوضات. أمّا الفرصة الوحيدة المتاحة فهي بناء دولة فعلية تتجاوز العصبيّات، لأنّ الدولة - لا الأحزاب - هي التي تحمي المواطن ويضمن مستقبله. الدولة هي التي تمتلك السلاح الشرعي، وتُعيد هيكلة الاقتصاد، وتمنع تحويل الطوائف إلى جبهات متقابلة.
الشيعي كما السنّي والمسيحي والدرزي لا يريد حربًا جديدة ولا شعارات قديمة، بل دولة عادلة تُعامله كمواطن لا كوقود سياسي. وكل ما يحدث اليوم هو لحظة حقيقة: إما التمسّك ببلد موحّد وبقواعد دولة حديثة، وإما إعادة تدوير الخراب ذاته تحت عناوين مموّهة.
المرحلة المقبلة لا تحتاج بطولات حزبية، بل شجاعة وطنية. شجاعة تقول بوضوح إنّ خلاص اللبنانيين يبدأ عندما تعود الدولة دولة… لا حين يختبئ الضُّعفاء خلف العصبيّات.





