25・03・2026
من العدد ٣٢
لبنان بين بين فكيّ السلاح وضغط الانهيار؟


في الأيام الأخيرة، انفجرت مجموعة مؤشّرات سياسية وأمنية توحي بأنّ لبنان يقف على مفترق تاريخي: حكومة تتحدّث عن حصر السلاح بالدولة، ضغوط دولية متصاعدة على «حزب الله»، محادثات مباشرة مع إسرائيل بعد أربعة عقود، واستنفار أممي للدفع نحو وقف التصعيد. ومع ذلك، ما زالت بعض القوى تحاول تصوير كل تغيير وكأنه تهديد وجودي لطائفتها، وكأنّ مصير الشيعة - أو أي مكوّن - مرتبط حصرًا ببقاء حزب أو سلاح.

الوقائع تقول غير ذلك. الانهيار الذي يعيشه اللبنانيون لم يأتِ من الخارج، بل من الداخل: من تعطيل المؤسّسات، من اقتصاد محاصَر بالفساد، ومن دولة مخنوقة بتعدّد الرؤوس. لذلك، عندما يرفع الثنائي شعار «نحن أو الفوضى»، فهو يتجاهل أنّ الفوضى وقعت فعلًا بينما هو في موقع القرار، وأنّ الخوف الذي يزرعه في جمهوره لم يمنح الناس خبزًا ولا كهرباء ولا أمنًا.

اليوم، المجتمع الدولي يضغط، والإقليم يتغيّر، والحدود تُعاد هندستها بالمفاوضات. أمّا الفرصة الوحيدة المتاحة فهي بناء دولة فعلية تتجاوز العصبيّات، لأنّ الدولة - لا الأحزاب - هي التي تحمي المواطن ويضمن مستقبله. الدولة هي التي تمتلك السلاح الشرعي، وتُعيد هيكلة الاقتصاد، وتمنع تحويل الطوائف إلى جبهات متقابلة.

الشيعي كما السنّي والمسيحي والدرزي لا يريد حربًا جديدة ولا شعارات قديمة، بل دولة عادلة تُعامله كمواطن لا كوقود سياسي. وكل ما يحدث اليوم هو لحظة حقيقة: إما التمسّك ببلد موحّد وبقواعد دولة حديثة، وإما إعادة تدوير الخراب ذاته تحت عناوين مموّهة.

المرحلة المقبلة لا تحتاج بطولات حزبية، بل شجاعة وطنية. شجاعة تقول بوضوح إنّ خلاص اللبنانيين يبدأ عندما تعود الدولة دولة… لا حين يختبئ الضُّعفاء خلف العصبيّات.

مقالات مشابهة
29・07・2026
تقديرات أوَّلية: فاتورة الدمار ٢٥ مليار دولار وخسارة غير مسبوقة في القدرة الإنتاجية
داود رمّال
تشير تقديرات أولية وتقارير اقتصادية دولية يجري إعدادها إلى أن نحو ٣٠ في المئة من القدرة الإنتاجية للبنان أصبحت عمليًّا خارج دائرة العمل نتيجة الواقع العسكري في الجنوب، حيث أدّت السيطرة الإسرائيلية المباشرة أو بالنيران على مساحات واسعة منه إلى تعطيل النشاط الاقتصادي في منطقة تمثّل أحد أهم محركات الاقتصاد الحقيقي. ولا يتعلق الأمر فقط بتوقف المؤسسات عن العمل..
21・07・2026
أوهام الانتصار الرمزي: كيف يهرب الخطاب الخشبي من كلفة الواقع؟
أكرم محمود
في أحد خطابات للشيخ نعيم قاسم اعتبر فيه أن «منع إسرائيل من الاستقرار في الأرض وقتلنا ليس بالشيء الهيِّن»، يمثل ذروة هذا النهج الهروبي. إنه منطق يعتمد بالدرجة الأولى على تزوير الحقائق القريبة، وقلب الأدوار، وصناعة ذرائع وهمية لتبرير كارثة استراتيجية دفع ثمنها، لبنان وجنوبه، من دمائه ومستقبله.
14・07・2026
لبنان بين مفاوضات واشنطن وسويسرا: استفادة محتملة أم ثمن مدفوع؟
جاد الأخوي
الخلاصة الأقرب إلى الواقع أن لبنان لا يقف اليوم في موقع المستفيد الأول ولا في موقع الضحية الكاملة، بل في منطقة وسطى بين المعادلتين. فهو يستفيد من كون مصلحة إيران في إنجاح تفاهماتها مع واشنطن تدفعها إلى ممارسة ضغوط لتثبيت وقف النار في لبنان، وهو زخم دولي لم يكن متوافرًا بهذا المستوى من قبل.
أيضاً للكاتب/ة
09・07・2026
بين مذكرات التفاهم ومعاهدات السلام… مَن يلعب على مَن؟
طارق عزت دندنش
ومن هنا، يصبح من الغريب أن يُصوَّر أي اتفاق أو تفاهم على أنه خيانة، فيما تُثبت التجارب أن الدول، مهما رفعت من شعارات، تعود في النهاية إلى لغة المصالح والتسويات. فلا أحد يستطيع أن يعيش إلى الأبد على السرديّات والشعارات، لأن الوقائع أقوى من الخطب، ولأن السياسة في النهاية هي فن إدارة المصالح لا إدارة الأحلام.
29・05・2026
الهجرة عندما تصبح مشروع النجاة الوحيد...
طارق عزت دندنش
لم تعُد الهجرة في لبنان مجرد خَيار لتحسين الوضع المعيشي، بل أصبحت عند كثير من الشباب مشروع نجاة وهروب من واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم. شباب يحملون الشهادات والطموحات، لكنهم يصطدمون بدولة عاجزة، واقتصاد منهار، وطبقة سياسية ما زالت تعيش خارج معاناة الناس، وكأن الوطن لم يعد يتّسع لأحلام أبنائه.
03・02・2026
بين ١٧ أيار و٢٧ تشرين وكاريش: أين ضاعت حقوق لبنان؟
طارق عزت دندنش
بين اتفاقٍ أُسقط بالشعارات، واتفاقات أُقرت بالتراضي، ضاعت حقوق لبنان تباعًا، لا بالهزيمة العسكرية بل بالتنازل السياسي المقنّع. المقارنة بين ١٧ أيار ١٩٨٣ و٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، وكاريش، ليست دفاعًا عن اتفاق ولا تبرئة لمرحلة...