20・03・2026
من العدد ٣٢
ذاتَ حربٍ في «الضَّاحية»: سِفْرُ الخروجِ وأسفارُ العودة!


لم أحملْ معي سوى حقيبةٍ واحدةٍ يومَ أُخْرِجَ الجَمْعُ منَ «الضَّاحية»؛ يومَ التَّهديدِ الكبير. حقيبةٌ واحدةٌ لم تتَّسِعْ لحَمْلِ الأُمنيةِ الأولى: لو أنِّي أستطيعُ أنْ أحشُرَ هذا البيتَ في هذه الحقيبة! أُمنيةٌ طفوليَّةٌ بعضَ الشَّيءِ. لعلَّ الطِّفلَ الذي كُنتُه قد بُعثَ من أجداثِ ذاكرتي، أو لعلَّه الإنسانُ يتصاغرُ أمامَ الحربِ حتَّى يعودَ طِفلًا يخافُ من كُلِّ شيءٍ ويُقدِمُ على كُلِّ خطر! الطِّفلُ الذي يخافُ من صوتِ الرَّعدِ هو الطِّفلُ نفسَه الذي قد يُلقي بجسدِه عن سطحٍ عالٍ ويطير! ولعلَّ هذه الأمنية ليست إلَّا مُحاولةً لافتتاحِ هذا النَّصِّ بمُقدِّمةٍ «قويَّةٍ». فالرَّغبةُ بحَشْرِ البيتِ في الحقيبةِ لم تُفارقْني مذْ بدأتْ هذه الحربُ المَهولةُ يوم الثَّامن من تشرين القاني عام واحدٍ للنَّكبة. أيًّا تكنْ، فقد قُضيَ الأمرُ وفارَ تَنُّورِ الحربِ التي لا عاصمَ منها؛ لا جَبَلٌ ولا سفينة!

 

الحيُّ، حيثُ أسكنُ، لم يكنْ مشمولًا بالخرائطِ التي نشرَها المُتحدِّثُ باسمِ الوحشِ، ظُهرَ الخامسِ من آذار. ليسَ ثمَّةَ حاجةٌ مُلِحَّةٌ للرَّحيل، على ذِمَّةِ الخرائط. لكن، هي الحربُ وهو الوحشُ. يومَ ٢ آذار، قُرابةَ الثَّانيةِ فجرًا، هُرعَتِ النَّاسُ إلى الطُّرُقاتِ كُلٌّ يحملُ منَ الحقائبِ بقَدْرِ ما يمنحُه الخوفُ من وقتٍ لحَزمِها، إنْ لم يكنْ قد حزَمَها من قبلُ. هذا يُمسكُ بيدِ ابنِه، أو ابنتِه؛ تلكَ تُمسكُ يدَ والدِها الذي يُمسكُ بدورِه عُكَّازًا يُعينُه على فِعْلِ الطَّبيعةِ بجسدِه؛ على يمينِ الشَّارعِ يصرُخُ أحدُهم بأخيه مُستعجِلًا إيَّاه أنْ أحضرِ السَّيَّارةَ قبلَ أن نُضيِّعَ مكانًا مُتقدِّمًا في «طابور» السَّيَّاراتِ الرَّاحلة. على اليسارِ قليلًا، يأمرُ أبٌ أفرادَ أُسرتِه بالرَّحيل سيرًا على أرجلٍ مُنهكةٍ ويُوصي الأمَّ بالأولاد: انتظروني عند حدودِ «الضاحية» لآتي بالسَّيَّارة، فإنْ قتلني الوحشُ حاولي أن تمنعيه مِن إلحاقكم بي. اختلفتْ شؤونُ النَّاسِ وشجونُهم. لم يجمعْ بينهم سوى المُضيِّ نحو المَجهولِ المُعتِمِ والمُخيف! يومَها حزمنا بعضَ أمتعتِنا، لكن لم نرحلْ، وبقيتِ الحقائبُ موزَّعةً في أركان البيت. وبعضُ الرَّاحلين عادَ إلى بيتِه لأنَّه، ببساطةٍ قاتلةٍ، لم يستطعِ تجاوزَ زحمةِ السَّيْر فقرَّرَ أن يُقامرَ على طاولةِ القَدَر ويبقى حتَّى الصَّباح.

في الأيَّامِ الثَّلاثةِ التي تَلَتْ، توالتِ التَّهديداتُ «الصَّغيرةُ» لبعضِ الأبنيةِ البعيدةِ نسبيًّا عنَّا. كنتُ أخرجُ إلى الشُّرفةِ عندَ انبلاجِ الصُّبحِ فأرى السَّيَّاراتِ المركونةَ عندَ مداخلِ الأبنية. استنفارٌ جماعيٌّ وتأهُّبٌ للرَّحيلِ في لحظةٍ لم تطُلْ سوى أيَّامٍ. ظُهرَ الخامسِ من آذار. خرجنا، وسطَ هياجٍ بشريٍّ كأنَّما الأمواتُ قامتْ منَ الأجداثِ إلى يوم الحساب. وعلى وقعِ إطلاق النَّار الهستيريِّ، خرجنا وفي نفسي أنَّه قد جاء اليومُ الذي أحملُ فيه أهلي بعدَ أنْ حملوني في حرب تمُّوز ٢٠٠٦، وما تلاها من حروبِ هذه الطَّائفة. الأجواءُ التي سادتِ الحيَّ؛ إطلاق الرَّصاص، إغلاق الدَّكاكينِ التي لم تُغلقْ أوَّل يومٍ، نقاشاتُ النَّاس حولَ الوجهةِ الواجب اتِّباعُها؛ كُلُّ هذا يسلبُ من المرءِ أيَّ قُدرةٍ على ترجيحِ السِّيناريو الأكثر تفاؤلًا، ويمنعُ منَ التَّفكيرِ في غير الرَّحيل!

عندَ أحدِ المفارقِ، كانَ ثمَّةَ شابَّان يتقاتلان ويُطلقُ أحدهما النَّار على الآخر. كان الطريق غاصًّا بمسلَّحين ينظِّمون السَّير. وبينما كان أبي يَكيلُ الشَّتائمَ لأعلى وأسفل، كانت أُمِّي تستغيثُ بالزَّهراء، كأيِّ امرأةٍ شيعيَّةٍ مُلتزمةٍ. تستغيثُ ليسَ خوفًا من غاراتٍ مُحتملةٍ، بل من طلقةٍ طائشةٍ تخرجُ من رشاشِ أحدِ المُتقاتلَيْن؛ طلقةٌ كنتُ أحاولُ أن أتفادى احتماليَّةَ تهجيرِها من السَّبطانة إلى رأسي عبرَ الاحتماء بالسَّيارةِ التي كانت أمامي. كنتُ أنانيًّا، لكنَّ سائقَ السَّيَّارةَ كان كذلك. فقد استدارَ في مكانِه وعادَ من حيث أتى تاركًا سيَّارتي على مسافةِ صفر من المُتقاتِلَيْن الذَيْن فرَّقَ النَّاسُ بينهما. 

عندَ مدخلِ «الضَّاحية» من جهة طريق الحدث - الشويفات، كان الجيشُ اللُّبنانيُّ مع بعضِ الشُّبَّان يُنظِّمون الخروج. لم يكن مسموحًا التوجُّه باتِّجاه الحازميَّة، إذْ أمرَنا الجُنديُّ أن نتوجَّه نحو الشَّويفات. ما العمل؟ هو يقولُ توجَّه جنوبًا، والوحشُ يُحذِّرُ ويهدرُ من صوبِ الجنوب! على أيِّ حالٍ، مضينا إلى وجهتِنا في رحلةٍ استمرَّتْ ثلاث ساعاتٍ كان يُمكن أنْ تُقضى أيَّام «السِّلم» بنصف ساعة، أو بساعةٍ إذا أردنا أنْ نزورَ مطعمًا على الطَّريق.

أُشاهدُ، من مكانِ إقامتي المؤقَّت، هدمَ «الضَّاحية»! تتبدَّلُ علاقةُ الإنسانِ بالمكان حينَ يُخرَجُ منه. تتبدَّلُ بشكلٍ أقصويٍّ قاتل، إذْ تكتسبُ الأزقَّةُ الوسخةُ جماليَّةً خاصَّةً. و«الأمانُ» في مكان النُّزوح يبعثُ على القلقِ حين لا يكونُ «المكان» الذي أُخرِجنا منه آمنًا. لكن ما العمل؟ لو كانَ آمنًا لَما أُخرِجنا منه! وها نحنُ، بعدَ أنْ كُتبَ بنا سِفرُ الخُروج الثَّاني خلال عامَيْن؛ ها نحنُ تُهدَمُ أمامَ أعيُنِنا جُمهوريَّةُ «الضَّاحية». هي جُمهوريَّةٌ فعلًا؛ جُمهوريَّةٌ لا تُشبه إلَّا نفسَها. في عِلاقةِ أهلِها بها؛ في طبقيَّةِ مناطقِها وأحيائها؛ في علاقاتِ الخوف ومظاهرِ التمرُّد؛ في ضجيجِها وسكونِها؛ في حياتِها وموتِها. هي تجربةٌ جديرةٌ بالوقوفِ عندَها مَلِيًّا وطويلًا. هذا الحيِّزُ الجُغرافيُّ الذي غيَّرتِ الحربُ الأهليَّةُ في ديموغرافيَّته وطبقاتِه الاجتماعيَّة وتحوَّلَ على مَهلٍ إلى جُمهوريَّةٍ ذاتِ عاصمةٍ وأحياءٍ وطبقاتٍ اجتماعيَّة وأسواقٍ كُبرى ومُربَّعاتٍ أمنيَّةٍ؛ هذه الجُمهوريَّةُ التي بُنِيَتْ بالحرب وعاشت في الحرب، ها هي تُهدَمُ بالحربِ أيضًا!

مناطقُ حارة حريك، الغبيري، الشيَّاح والحدث هي مناطق البورجوازيَّة ومراكزُ ثقلها السِّياسيِّ وخطوطُ تماسها. مناطقُ المريجة، تحويطة الغدير وأجزاء من الليلكي تُعدُّ مناطقَ البورجوازيَّة الصَّغيرةِ حيث الاستقرار الأمنيُّ النِّسبيُّ، أو هي آخرُ مناطق البورجوازيَّة وأوَّل مناطق البروليتاريا الشِّيعيَّة التي تضمُّ مناطق حيِّ السُّلُّم وصحراء الشويفات ومحيطَهما حيث المشاكلُ والاشتباكاتُ المُتنقِّلةُ. طبعًا، ليستْ هذه المناطقُ حِكرًا على أبناءِ الطَّبقاتِ المُختلفة. البروليتاريا تتردَّدُ باستمرارٍ إلى مناطقِ البورجوزايَّة وتحلمُ بالانتقالِ إليها حين يُوسَّعُ عليها في الرِّزق. والعكسُ صحيحٌ، فأسواقُ حيِّ السُّلم كانت وجهةَ عددٍ من سُكَّان المناطق البورجوازيَّة قبل أزمةِ العام ٢٠١٩ والطَّفرةِ الماليَّة التي أصابتْ مُتعاطي «الدولار» الذين توجَّه بعضُهم من مناطق البروليتاريا إلى البورجوازية، وإنْ كان على مستوى الاستهلاك فقط. لكن، في العُموم، تختلطُ الطَّبقاتُ نهارًا وفي اللَّيلِ كُلٌّ يعودُ إلى منطقتِه الدَّالَّةِ على طبقتِه. أهلُ «الضَّاحية» حريصونَ على مشاعر الحاج محمَّد كارل ماركس، لذلك يُحافظون على حدٍّ أدنى من إظهار التقسيمات الطَّبقيَّة هذه.

«الضَّاحية»، بهذا المعنى؛ بهذه الصُّورِ المُتداخلةِ التي تبني ذاتَها وتُدمِّرُها في آنٍ معًا؛ «الضَّاحية» كتجربةٍ شيعيَّةٍ فريدةٍ إلى حدٍّ كبيرٍ باتتْ ماضيًا لا يبدو أنَّه سيعود. إنَّها تُهدَمُ حيًّا إثرَ حيٍّ، ومبنًى تِلو آخر. ويُهدمُ فيها كُلُّ إمكانيَّةٍ لبعثِ الحياةِ من الرُّكام. تُهدَمُ مُباشرةً على الهواء! وبعدَ سِفِرِ الخروجِ هذا، ثمَّةَ سِفِرٌ سيُكتبُ بعدَ أسفارِ الشَّتاتِ والتِّيه. لعلَّ «الضَّاحية» ستكونُ فيه الأرضَ الموعودةَ لعددٍ من عائلاتِ القُرى الجنوبيَّة التي سوَّاها الوحشُ بالأرض. في أُفُقٍ مُتوارٍ خلفَ غيومٍ سوداءَ تبتلعُ رمزيَّتَه؛ في حربٍ طويلةٍ باردةٍ كليالي الشِّتاء؛ ثمَّةَ مُستقبلٌ يُكتبُ لـ«الضَّاحية» ولغيرِها من جُمهوريَّاتِ هذا البلد. وسواءٌ كانتِ «الضَّاحية» أرضًا موعودةً أو مُحرَّمةً، فإنَّ ما كانتْهُ من قبلُ يبدو أنَّها لن تكونَه بعدُ، لأنَّه يُهدَمُ... مُباشرةً على الهواء ومنَ الهواءِ وفي الأرض!

مقالات مشابهة
27・10・2026
توضيح وزارة البيئة حول أزمة النفايات في بعلبك
شهيرة زعيتر
كان لـ«الفان رقم ٤» لقاء بموظفة في وزارة البيئة وبالتحديد في مصلحة البيئة السكنيّة وهي مهندسة بيئية في الأربعينات من العمر طلبت عدم ذكر اسمها، وذلك لعدم حصولنا على كتاب خطّي من الإدارة، وقد خوّلت من قِبل الوزارة بالحديث عن الملف، تقول: «إن إدارة ملف النفايات الصلبة في لبنان ككل صعب، تحاول الوزارة التخفيف منه عبر الفرز من المصدر كلما أمكن ذلك، وبمعالجة أمر المطامر عبر التخفيف من الطمر ذات التكلفة
19・10・2026
بين مقاعد الدراسة وشاشات التعليم عن بُعد... كيف عمّقت الحرب الفجوة التعليمية بين أطفال لبنان؟
حسن سنديان
«كان وضعي النفسي مشتّتًا وممزّقًا. لم يكن ذهني منصبًّا على الدروس، بل كان معلّقًا ببيتنا في بيروت المهدَّد بالقصف في أي لحظة، وبعائلتي وأقاربنا وجيراننا الذين لم يتمكنوا من النزوح لعدم توفر مأوى لهم في المناطق الآمنة. عشنا تحت ضغط نفسي هائل وخوف دائم على من نحب».
13・10・2026
بيوت قليلة ونازحون كثر: الحرب ترفع الطلب على الإيجارات في جنوب لبنان
أحمد خواجة
وبالنتيجة، فإن معظم سكان الشريط الحدودي سابقًا، وبعد أن استحالت قراهم رمادًا، شرعوا فور توقف الحرب الموسّعة في البحث عن شقق ومنازل للإيجار في المناطق الجنوبية الواقعة خارج الشريط الأصفر، ما رفع الطلب على الإيجارات ورفع في الأسعار. مع الإشارة هنا إلى أن الدمار الذي لحق بالقرى الواقعة خارج الخط الأصفر، جعل آلاف العائلات فيها تخسر منازلها أيضًا، ما رفع الطلب على الإيجارات في هذه البلدات.
أيضاً للكاتب/ة
13・08・2026
آلياتُ استيعابِ الصَّدمة داخل مجتمع «حزب الله»: الحتمية التبريريَّة وإعادة ترتيب الأولويَّات!
نجيب العطار
بدأ توجُّه مُجتمع «حزب الله» نحو التَّبرير الحتميِّ للحرب بعدَ أن بدأت كلفة الحرب تزداد بشكلٍ كبيرٍ. وحين تكون النَّتائجُ واحدة بغضِّ النَّظر عن أسبابِها، حينَها يسقطُ المعنى أصلًا وراء السُّؤال: «هل كان قرار دخول الحرب صحيحًا؟». ويتحوَّلُ النِّقاشُ دائمًا نحو سؤال: «هل كان ممكنًا أصلًا ألَّا يحدث ما حدث؟»، أي أنَّ النقاش يتحوَّل من مناقشة القرار إلى مناقشة النتائج بمعزلٍ عن القرار الذي سبَّبها.
26・03・2026
شيعةُ «حزب الله» والهِجرةُ إلى التَّاريخ: سردية وبودكاست ووَعْدٌ بـ «نكبةٍ» جديدةٍ!
نجيب العطار
في خطٍّ موازٍ للهجرة الجماعية إلى التاريخ، التي نراها في مناسبات يغلب عليها البُعد الوجداني والعاطفي، نرى زيادةً في اهتمام مجتمع «حزب الله» بتاريخ الشِّيعة في لبنان، وهو اهتمامٌ كان موجودًا لكنَّه لم يكن ملحوظًا قبل الحرب الأخيرة.
26・03・2026
شيعةُ «حزب الله» والهِجرةُ إلى التَّاريخ: سردية وبودكاست ووَعْدٌ بـ «نكبةٍ» جديدةٍ!
نجيب العطار
في خطٍّ موازٍ للهجرة الجماعية إلى التاريخ، التي نراها في مناسبات يغلب عليها البُعد الوجداني والعاطفي، نرى زيادةً في اهتمام مجتمع «حزب الله» بتاريخ الشِّيعة في لبنان، وهو اهتمامٌ كان موجودًا لكنَّه لم يكن ملحوظًا قبل الحرب الأخيرة.