
احتاج الأمر لأكثر من ٢٣ ساعة للانتقال بالسيارة، من بلدتنا الجنوبية في قضاء «بنت جبيل» إلى بيروت، حوالى ١٠٠ كلم استغرق قطعها كل هذا الوقت، معدل سرعة سيْر الإنسان على قدميه خلال التنزّه يتراوح بين ٤.٨ و٥ كلم في الساعة، ما يعني أن رحلة سيرًا على الأقدام بين بلدتنا وبيروت ما كانت لتحتاج إلى ٢٣ ساعة.
عاش الناس هذا الكابوس قبل عام ونصف العام تقريبًا؛ في صبيحة ٢٣ أيلول شنّت إسرائيل مئات الغارات على جنوبي لبنان، ما دفع بمئات آلاف الجنوبيين إلى الفرار بسياراتهم ومركباتهم باتجاه بيروت، في رحلة تهجير قاسية ومؤلمة واجهوا خلالها كل أنواع المشقات، لازمتْهم أزمات نفسية بسببها لأشهر طويلة.
بعد انتهاء الحرب الأخيرة وتوقيع اتفاقية الهدنة ظنّ معظم الجنوبيين أنهم لن يعيشوا هذه المأساة مرّة أخرى. بعد إطلاق الصواريخ الستة باتجاه إسرائيل في يوم الاثنين الثاني من آذار الحالي، حتى أكثر المدافعين عن «حزب الله» شراسة وبسالة، شكّكوا في أن يكون الحزب قد فعلها، ولم يصدقوا إلّا بعد صدور بيان عنه. السواد الأعظم من الجنوبيين مكثوا في منازلهم بعد اغتيال الخامنئي، لم يصدق السكان على اختلاف انتماءاتهم، وبمعزل عن موقفهم من الحزب، أن نعيم قاسم، أو صاحب القرار الفعلي في الحزب سيرمي الناس في أتون التهلِكة مرّة أخرى.
انطلقنا بالسيارة عند الخامسة صباحًا، بعد دقائق من تلقّينا تهديدًا عن طريق الهاتف من رقم لبناني بلغة عربية ولكنة عبرية تطالبنا بإخلاء المنزل فورًا.
خمس دقائق من الرعب والخوف والبحث المستعجل عن حاجياتنا الأساسية مرّت بلمح البصر. ركبنا سيارتين وابتعدنا عن المنزل في أسرع وقت ممكن، لا أذكر حتى أننا التفتنا إلى الوراء لنلقي نظرة أخيرة.
الظلام لا يزال مخيّمًا، فلا يمكنك تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود في هذا الفجر الرمضاني، دقائق قليلة ووجدنا أنفسنا على الخط العام محشورين في سيْل لا ينتهي من السيارات المصطفة في اتجاه واحد والمنطلقة نحو بيروت أو الجبل أو أي منطقة يكون الخطر فيها أقل.
أضواء مصابيح السيارات تخترق الظلمة الحالكة، العائلات تكدّست في السيارات، فيما ظهرت الحقائب والفرش والأغطية من الزجاج الخلفي وقد رُبطت فوق أسقف السيارات؛ الوجوه تخشى أن تنظر إلى الخلف، والجميع لا يعرف إن كان سيعود إلى هذه الأرض مرة أخرى.
شقَّت السيارات طريقها في اتجاه واحد، صمْت مُطبق مشوب بحزن وخوف من وحش المجهول الآتي، لا يكسره إلّا أصوات غارات جوّية بعيدة وأصوات إسعافات ذاهبة في الاتجاه المعاكس صوب القرى الأكثر عمقًا عند الحدود، ما يسبِّب بلبلة وخوف إضافي.
غالبية المشاركين في طوفان السيارات هذا سبق لهم أن عايشوا التجربة في طوفان ٢٣ أيلول، وكانوا يأملون بأن تكون الأمور أفضل هذه المرة وأن لا يبقوا لساعات طويلة جدًا على الطريق هذه المرة أيضًا. أمنيات كانت تتبدّد كلّما تقدّمت مواكب السيارات.
في المرحلة الأولى من الرحلة الشاقة، يتوجّس المرء من كل السيناريوهات والكوابيس التي قد تعترضه، أولها السلامة نفسها مع استمرار الغارات والتهديدات في كل مكان، ثم الخوف من تعطّل السيارة أو ارتفاع حرارة موتورها أو حدوث ثقب بأحد الإطارات أو أي أمر طارئ لن يكون في الإمكان التعامل معه؛ ثم، ومع الابتعاد أكثر فأكثر عن منزلك، يبدأ التفكير بوجهتك القادمة، سيصل هذا السيل من السيارات إلى بيروت بعد ساعات طويلة، وهناك ستبدأ الأسئلة المصيرية.
المفارقة هي أن انتهاء رحلة الشقاء الطويلة على الطرقات والوصول إلى العاصمة لا يعني أن المشكلة حُلّت، بل المشاكل الحقيقية بدأت الآن، البحث عن منزل وتأمين مبالغ عالية للتأمين ولدفع إيجاارات الأشهر المسبقة، في حرب لا أحد يعرف متى تنتهي، وفوق ذلك، مواجهة غضب باقي اللبنانيين الرافضين لفتح الجبهة بالأساس، وتحميلهم مسؤولية ما جرى باعتبارهم البيئة الحاضنة لـ«حزب الله» ورافعته في الانتخابات وجمهوره الذي يملأ الساحات كلما دُعي إلى ذلك. تعميم لا فرار منه في بلد معقّد بتركيبته وانقساماته مثل لبنان..jpg)
مع الاقتراب من الأوتوستراد الساحلي الذي يربط البلدات الجنوبية بصيدا وصولًا إلى بيروت، كان بعض الشبّان يوجّهون السيارات لسلوك طرق فرعية عبر الوديان اختصارًا للوقت، وافقهم البعض ونحن منهم، فيما فضّل الآخرون التزام الطريق العام خوفًا من وعورة الطرقات الجبلية وما قد تُلحقه من أضرار بالسيارات بالإضافة إلى المخاوف من تعرُّض الجبال للغارات أيضًا.
مكثنا ساعتين في وادٍ يصل طيرفلسيه بمنطقة أبو الأسود التي تُفضي إلى الأوتستراد السريع، الشمس الحارقة سطعت بشكل مفاجئ ما شكّل صعوبة في الرؤية، وصلنا إلى أبو الأسود حيث نزل المواطنون من سياراتهم لشراء المياه (نفدت بسرعة) والقهوة من بعض المقاهي المنتشرة هناك، كان الناس يتمشون قرب سياراتهم لإعادة تنشيط عضلاتهم المتعبة من الجلوس الطويل داخل السيارات، الغضب المشوب باليأس يبدو واضحًا على الوجوه، تسمع بشكل متواتر تعليقات رافضة لعملية إطلاق الصواريخ فجرًا، شعور متنامٍ بأنه تمّ التضحية بهم مرة أخرى، وتُركوا في المجهول دون أن يكترث لهم أحد..jpg)
للمرة الأولى منذ الخروج من بلدتنا، تمكّن السائقون من قيادة سياراتهم بسرعة ٣٠ كم/س تقريبًا، مع استخدام المسارَين الشرقي والغربي، فتنفّس السائقون الصعداء، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام بحر من السيارات مع الاقتراب من التقاطع الذي تلتقي فيه السيارات مع تلك القادمة من النبطية.
بدأنا نرى بوضوح سيارات معطلة على جانبي الطريق وفي منتصفه، سائقوها يقفون بيأس أمام غطاء المحرك الذي فتح فاه؛ آخرون يحاولون إصلاح الثقوب في الإطارات، البعض يبحث عن ماء لملء خزّان المياه لتبريد حرارة المولّد، فيما العيون تنظر بقلق إلى مؤشر الوقود الآخذ في الانخفاض. قلّة هم من ملأوا خزانات الوقود في اليوم السابق، وأكرر هنا، قليلون توقّعوا أن يباغتهم «حزب الله» بصلية صاروخية على إسرائيل في ذاك الفجر الرمضاني المشؤوم الذي سيُحفر طويلًا في ذاكرتهم.
سلَكنا الطريق البحري في اتجاه الغازية، ارتفعت حرارة الشمس بشكل مزعج، وازداد مع الوقت عدد السيارات المعطّلة، خرج السائقون من سياراتهم في اتجاه البساتين المجاورة بحثًا عن غالونات فارغة علّهم يظفرون بمحطة وقود لملئها بعد أن فرغت سياراتهم منه. كانت مهمة مستحيلة.
بكاء الأطفال كان يُسمع واضحًا من السيارات. حصلت بأعجوبة على غالون فارغ، ركنت السيارة عند طريق الغازية البحري، ومشيت لأكثر من ٤٠ دقيقة، مستفيدًا من إرشادات المارة لأصل أخيرًا إلى محطة وقود. كان المشهد هناك يذكّر بفترة أزمة البنزين، وقفت في صف طويل وأخيرًأ حصلت على ثماني ليترات، حملتها وعُدت بها إلى السيارة التي وجدت صعوبة في إيجادها، لا يمكنني حصر عدد الذين عرضوا عليّ شراء الغالون أو الذين سألوني عن مكان محطة الوقود.
في الغازية ترجّلت من السيارة لأخذ استراحة مستفيدًا من توقّف السير لفترة طويلة، كانت هناك سيدة تسأل عن موزة لتحضير طعام لابنتها ذات الأشهر العشرة، قالت إنها لم تجد أي صيدلية متوفّرة طوال الطريق لشراء علبة حليب، وفي الحقيقة كان لافتًا إغلاق معظم المؤسسات التجارية في تلك المنطقة، فلا يمكننا شراء شاحن للهاتف أو طعام أو مياه أو أدوية أو أي شيء يمكنه أن يخفف من عبء هذه الرحلة.
دخولنا إلى صيدا تزامن مع أذان المغرب، سيارات أخرى متعطّلة، أطفال يبكون جوعًا وتَعبًا ومللًا. وجوه مُتعبة ويائسة وسائقون خارت قواهم بفعل الضغط النفسي والجسدي بسبب القيادة لهذه الفترة الطويلة. ست ساعات استغرق الأمر بين مدخل صيدا وكورنيشها البحري المقابل للقلعة، الكثير من السيارات تعطلت وفرغت من الوقود، كثيرون افترشوا الأرض عند الكورنيش في ظل البرد القارس الذي حلّ فجأة بعد يوم مشمس، لا طعام لا وقود لا قوى أمنية لتنظيم السير لا أفق لا معرفة بالوجهة القادمة، غريزة البقاء تقودهم نحو بيروت، أما الأسئلة فلا يملكون أية إجابات عنها؛ وهم لا يفكرون إلّا بالوصول إلى وجهة مجهولة بعيدًا من خطر البقاء تحت القصف، ولا يدرون ماذا ينتظرهم ومَن يؤويهم. .jpg)
بعد خروجنا من صيدا تحسّن الوضع قليلًا، فُتحت كل المسالك في اتجاه العاصمة، وصلنا إلى بيروت مع مطلع الفجر. خرجنا من بيوتنا في الظلام، أشرقت الشمس وغابت ووصلنا مع استعدادها لتشرق مرة أخرى؛ ٢٣ ساعة أمضيناها في قطع مسافة ١٠٠ كلم وبلوغ وجهتنا وبدء رحلة معاناة طويلة من جديد.





