04・03・2026
من العدد ٣٢
حين تتحوّل «المقاومة» إلى عبء: تشيّع مخطوف وجنوب مُدمَّر


لم تعُد «المقاومة» في لبنان عنوان حماية ولا أفق خلاص، بل تحوّلت، بفعل مشروع الولاية، إلى عبء ثقيل على الطائفة الشيعيّة وعلى الجنوب تحديدًا. ما قُدِّم لسنوات كخيار وجودي وقدَر لا يُناقَش، انكشف اليوم كمسار صادرَ التشيّع، دمّر الدولة وحوّل الجنوب إلى ساحة مفتوحة للخراب. هذه الحقيقة لم تعد نظرية ولا خطابًا معارِضًا، بل باتت واقعًا سياسيًّا يفرض نفسه مع كل لحظة تحضر فيها الدولة وتغيب فيها الذريعة. من هنا، لم تكن زيارة رئيس الحكومة نوّاف سلام إلى الجنوب حدثًا بروتوكولايًّا، بل لحظة انكشاف: الدولة حضرت، فاهتزّ خطاب السلاح؛ المؤسسات تقدّمت، فتعرّت «المقاومة» بوصفها مشروعًا عاش على غياب الوطن لا على حمايته. في هذا السياق، لم يعد السؤال كيف نُقاوم، بل كيف خسر الشيعة دولتهم باسم «المقاومة»، وكيف تحوّل الجنوب، بفعل هذا الخيار، من مساحة حياة إلى رهينة مشروع لم يحمِ أهله بقدَر ما استنزفهم وترَكهم أمام خراب دائم.  

التشيّع بين التاريخ والاختطاف السياسي

لم يكن التشيّع، في جوهره التاريخي، عقيدة إلغاء ولا مشروع هيمنة ولا ثقافة سلاح. كان مدرسة عقليّة وأخلاقيّة، قائمة على الاجتهاد، والاحتجاج على الظلم، والانحياز إلى العدالة بوصفها قيمة إنسانيّة لا أداة تعبئة. في لبنان، شكّل الشيعة جزءًا أصيلًا من التجربة الوطنيّة، وانخرطوا في بناء الدولة، والحياة السياسيّة، والنقابيّة، والثقافيّة، من دون انغلاق أو عزلة.

غير أنّ هذا التشيّع جرى اختطافه. لا تطويره ولا تحديثه، بل مصادرته بالكامل، وتحويله إلى أداة في مشروع خارجي لَبس عباءة الدين ليُخفي منطق السيطرة والتبعيّة. باسم «المقاومة»، جرى تفريغ التشيّع من مضمونه الأخلاقي، وتحويله إلى أيديولوجيا طاعة، وسلاح، ووظيفة إقليميّة.

اليوم، ومع عودة الدولة إلى المشهد من بوّابة الجنوب، تتكشّف حقيقة هذا المشروع، وتُطرح الأسئلة التي جرى قمعها طويلًا: أي تشيّع هذا؟ وأي مقاومة؟ وأي مشروع سياسي يدمّر أهله باسم حمايتهم؟

الولاية العامة للفقيه: بدعة سلطوية لا امتداد فقهي

ما يُسمّى «الولاية العامة للفقيه» لا يمثّل تطوّرًا طبيعيًّا في الفقه الإمامي، بل انقلابًا عليه. فالفقه الشيعي لم يعرف الحاكم المقدّس، ولا الفقيه المعصوم، ولا المرجع الذي يُطاع سياسيًّا وعسكريًّا بلا مساءلة. الاجتهاد كان نسبيًّا، والسياسة مجالًا بشريًّا خاضعًا للنقاش والخطأ.

في مشروع الولاية، يُرفع الفقيه إلى مرتبة النائب الإلهي، وتُحوَّل الطاعة السياسيّة إلى واجب ديني، ويُجرَّم الاعتراض بوصفه خروجًا على العقيدة. هنا لا نكون أمام دين، بل أمام نظام طاعة مغلق، يُخضع الإنسان ويعطّل العقل ويصادر المجتمع.

من شيعة الوطن إلى شيعة الوظيفة

في لبنان، لم يتشكّل «حزب الله» كحزب سياسي طبيعي داخل الدولة، بل كذراع تنفيذية لمشروع إقليمي واضح الوظيفة. في هذا المشروع، لا يُنظر إلى الشيعة كمواطنين، بل كمخزون بشري قابل للاستخدام.

الجنوب لم يُدمَّر لأنه ضعيف، بل لأنه قابل للتوظيف.

وأبناؤه لم يُزجّوا في الحروب لأنهم اختاروا ذلك، بل لأن القرار لم يكن يومًا في أيديهم.

هكذا تحوّلت الطائفة من شريك في الوطن إلى أداة في مشروع لا يشبهها، ولا يخدمها، ولا يتردّد في التضحية بها حين تتطلّب المعادلة.

العنف والاغتيال: حين تُدار السياسة بالخوف

لم يكن العنف ظاهرة عرَضيّة في مسار هذا المشروع، بل كان أحد أعمدته. اغتيال المعارضين، إسكات الأصوات النقديّة، تصفية المثقفين الذين كسروا الخطاب، وترهيب كل محاولة للفصل بين الطائفة والمشروع.

حين يُغتال الرأي، تسقط السياسة. وحين يُستخدم السلاح لحسم الخلاف الداخلي، يتهاوى أي إدّعاء بالمقاومة. فالمقاومة التي تخشى الكلمة أكثر من العدوّ، ليست مقاومة، بل سلطة قمعيّة مغلّفة بالشعارات.

تديين الدَّم وتسليع الشهادة

في التشيّع التاريخي، كانت الشهادة موقفًا أخلاقيًّا فرديًّا. أمّا في مشروع الولاية، فقد جرى تحويلها إلى أداة تعبئة دائمة، تُستخدم لتبرير الفشل، وتغطية الخراب، وتسويق الموت بوصفه إنجازًا.

يُطلب من الفقير أن يموت، ومن المثقف أن يصمت، ومن الأم أن تزغرد، فيما القرار يُتّخذ في مكان آخر، ولصالح آخرين. هنا تصبح الحياة بلا قيمة، لا لأنها بلا معنى، بل لأنها بلا سيادة.

لا يستطيع مشروع الولاية أن يعيش داخل دولة فعليّة. فالدولة تعني قانونًا، ومؤسسات، ومحاسبة، وحدودًا واضحة. أما هذا المشروع، فيحتاج إلى فراغ دائم، وتعطيل مستمر، وفوضى مُدارة.

من هنا، لم يكن ضرب الدولة اللبنانية نتيجة جانبيّة، بل شرطًا أساسيًا للبقاء: تعطيل الحكومات، شلّ القضاء، ترهيب الإعلام، وتحويل السلاح إلى أداة فرض إرادة. في هذه المعادلة، الدولة هي العدوّ الحقيقي.

استفتاء الجنوبيين: سقوط «وحدة الساحات» وعودة الدولة

لقد اختار الجنوب، عبر استقباله الحاشد لرئيس الحكومة نواف سلام، أن يكون لبنانيًّا أولًا وأخيرًا. لم تكن تلك الحفاوة الشعبية مشهدًا عابرًا ولا تفصيلًا عاطفيًّا، بل شكّلت موقفًا سياسيًّا صريحًا يرقى إلى مستوى الاستفتاء الشعبي ضد كل ما فُرض على الجنوب باسم «وحدة الساحات» و«الإسناد». لقد قال الجنوبيون كلمتهم بوضوح: لم نعد وقودًا لحروب الآخرين، ولا ساحة مفتوحة لرسائل إقليميّة تُكتب بدمنا وتُمحى على طاولات التفاوض.

من صور والناقورة إلى بنت جبيل وعيترون، وصولًا إلى مرجعيون وحاصبيا، لم يكن الاستقبال بالورد والأرز والزغاريد ترحيبًا بمسؤول فحسب، بل إعلانًا جماعيًّا عن نهاية مرحلة كاملة. مرحلة جرى فيها اختزال الجنوب بدوره العسكري، ومصادرة حق أهله في الأمان، وتحويل قراهم إلى خطوط تماس دائمة بحجة أن «الساحة واحدة». هذه النظرية، التي وُظّفت لتبرير كل مغامرة عبثية، لم تجلب للجنوب سوى الدمار، النزوح، والفقر، فيما بقي القرار الحقيقي خارج حدوده وخارج مصلحته.

لسنوات طويلة، فُرض على الجنوب منطق «الاستثناء»: استثناء من الدولة، من الدستور، من حق تقرير المصير. صودر قرار السلم والحرب، وحُوّلت القرى الحدوديّة إلى منصّات إطلاق، وجرى تسويق ذلك على أنه «حماية» و«مقاومة». لكن التجربة، بكل مآسيها، أسقطت هذه السردية. فـ«وحدة الساحات» لم تكن وحدة دفاع، بل وحدة توريط، لم تحمِ الجنوب بقدر ما جعلته الهدف الأول والأضعف.

الهتافات التي صدحت باسم الشرعية في سرايا مرجعيون وأزقة بنت جبيل لم تكن صدفة. كانت تعبيرًا صريحًا عن وعي متقدّم لدى الجنوبيين بأن «الانتصارات» التي تُبنى فوق الأنقاض ليست انتصارات، وأن الساحة التي لا يملك أهلها قرارها ليست ساحة مقاومة بل ساحة استباحة. لقد سئم الجنوبيون العيش تحت معادلة دائمة مفادها: إمّا السلاح وإمّا الخراب، واختاروا بوضوح خيار الدولة.

زيارة نواف سلام: الاستفتاء الشعبي يتحوّل إلى مسار سياسي

في هذا السياق، جاءت زيارة نواف سلام الأخيرة إلى الجنوب لتترجم هذا المزاج الشعبي إلى مسار سياسي واضح. لم تكن زيارة بروتوكوليّة، بل إعلانًا عمليًّا عن نهاية زمن الساحات المفتوحة، والعودة إلى القاعدة الطبيعيّة: دولة واحدة، قرار واحد ومؤسسات مسؤولة أمام مواطنيها.

حين تحدّث سلام عن إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء، دعم الزراعة، وترميم البنى التحتية، كان يضع أسس بديل حقيقي عن «الرعاية البديلة» التي استخدمت الخدمات كسلاح ولاء. الدولة هنا لا تفاوض على حقوق الناس، ولا تشترط عليهم موقفًا سياسيًّا مقابل الحد الأدنى من العيش الكريم. وهذا بالضبط ما جعل الزيارة تتحوّل إلى استفتاء شعبي صامت لكنه حاسم: الجنوبيون يريدون دولة، لا «وحدة ساحات» تجرّهم من حرب إلى أخرى.

الجنوب اختار… والباقي إنكار

ما جرى في الجنوب ليس تفصيلًا عابرًا ولا حدثًا موسميًّا، بل تحوُّل عميق في الوعي السياسي. الجنوبيون، الذين دُفعوا طويلًا إلى الصفوف الأمامية للحروب، أعلنوا بوضوح أنهم لم يعودوا يقبلون أن يكونوا «ساحة» لأي مشروع، مهما تلحّف بشعارات كبرى. لقد سقطت الأسطورة لحظة قرر الناس أن وحدتهم الحقيقية هي مع دولتهم، لا مع بنادق لا تحميهم.

هذا الاستفتاء الشعبي لا يعني أن الطريق باتت سهلة، ولا أن مشروع الدولة انتصر نهائيًّا، لكنه كسر احتكار التمثيل، وأسقط ادّعاء التحدث باسم الجنوب وباسم الشيعة. فقد تبيّن أن ما سُمّي «خيار المقاومة» لم يكن خيار الناس، بل خيار فُرض عليهم، وأن كلفته كانت دائمًا أعلى عليهم وحدهم.

اليوم، الكرة في ملعب الدولة نفسها: إمّا أن تلتقط هذه اللحظة التاريخية وتحوّلها إلى مسار سيادي ثابت، أو تتركها تُهدر كما أُهدرت فرص سابقة. لكن ما تغيّر هذه المرة أن الجنوب قال كلمته علنًا: لا للساحات، لا للاستثناء، نعم للدولة.

وما بعد هذا الموقف، ليس خلافًا سياسيًّا عاديًّا، بل إنكار لإرادة ناس دفعوا ما يكفي من الدم والخراب. لقد اختار الجنوب… ومَن يرفض الاعتراف بهذا الخيار، يرفض الاعتراف بلبنان نفسه.

شيعة لبنان ليسوا شيعة الولاية.

ليسوا وقود حروب، ولا أتباع مشروع خارجي، ولا رعايا لمرشد فوق الدولة.

هم أبناء هذا الوطن، وشركاء في تنوّعه، ومسؤولون عن استعادة هويّتهم من خاطفيها.

التشيّع الذي نعرفه لا يحتاج إلى سلاح خارج الدولة، ولا إلى قداسة سياسيّة، ولا إلى دم دائم ليبرّر وجوده.

يحتاج فقط إلى دولة. وما عدا ذلك، ليس مقاومة… بل خراب مؤجَّل.

مقالات مشابهة
28・04・2026
سوق الشتّامين: ضجيج بلا موقف
علي منصور
ما نشهده اليوم في لبنان ليس مجرّد تدهور سياسي أو أمني، بل انحدار واضح في مستوى اللغة نفسها. لم يعد الخلاف يُعبَّر بالأفكار، بل بالشتيمة. فهناك وهْم واسع الانتشار بأن الشتائم يمكن أن تكون موقفًا، وأن رفع الصوت، واستخدام أقسى العبارات وأقذعها، كافٍ لإثبات الجرأة أو صدْق القول. لم يعد النقاش ساحة لتبادل الآراء، بل مساحة مفتوحة للشتّامين.يبرّر البعض هذا السلوك بأنه «ردّ فعل».,,
21・04・2026
عن ذكرى ١٣ نيسان في ظلِّ حروب المحاور... لبنان وأخطار العنف المفتوح
رنا شمص
ما يجعل لحظة اليوم أكثر خطورة من أي وقت مضى، هو انتقال لبنان من كونه ساحة صراع داخلي إلى كونه جزءًا من صراع إقليمي مفتوح. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل لم تعد بعيدة عن لبنان، بل باتت تجري على أرضه، من خلال دور متقدم يلعبه «حزب الله» ضمن استراتيجيّة اقليميّة أوسع.
20・04・2026
في مواجهة «الترند» و«غرف الصدى»: لماذا يصبح الكلام في السياسة ضرورة في زمن الحرب؟
نور حطيط
يظلُّ الكلام، حتى على مستوى الأفراد، ضرورةً - ولو في حدّه الأدنى - لمواجهة الرواية المهيمنة وكسر «غُرف الصدى»، تلك التي تحبس الناس في فقاعاتٍ، تتردّد داخلها الرواية نفسها، والسردية ذاتها، والأيديولوجيا عينها. وفي عصر «الترند» والنقر السريع، سرعان ما ترتفع هذه الفقاعات إلى الفضاء الافتراضي، مُشكِّلةً عشائر إلكترونية، تُرسّخ الاعتقاد بأنّ المختلف عدوّ ينبغي إقصاؤه، معنويًّا أو بالعنف...
أيضاً للكاتب/ة
21・04・2026
عن ذكرى ١٣ نيسان في ظلِّ حروب المحاور... لبنان وأخطار العنف المفتوح
رنا شمص
ما يجعل لحظة اليوم أكثر خطورة من أي وقت مضى، هو انتقال لبنان من كونه ساحة صراع داخلي إلى كونه جزءًا من صراع إقليمي مفتوح. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل لم تعد بعيدة عن لبنان، بل باتت تجري على أرضه، من خلال دور متقدم يلعبه «حزب الله» ضمن استراتيجيّة اقليميّة أوسع.
03・01・2026
كيف حاول «حزب الله» مصادرة الزيارة البابوية وتحويل القداسة إلى استعراض قوة؟
رنا شمص
لنقُل الأمور كما هي، بلا مواربة لغوية ولا تجميل سياسي: ما جرى على طريق مطار بيروت في بداية الشهر الماضي لم يكن «استقبالًا شعبيًّا» لرأس الكنيسة الكاثوليكية، بل محاولة مصادرة سياسية متعمّدة لحدَث ديني عالمي.
03・07・2025
تاريخ إحياء عاشوراء في لبنان
رنا شمص
كانت مجالِسُ العزاء أولَ ما ظهرَ من إحياءِ الشَّعائر الدِّينيَّة للشِّيعة، إذ تَـرُدُّ بعضُ الروايات الشَّعيرةَ إلى يوم الحادِثَةِ نفسها بعد وَاقعةِ كَربَلاء، عندما بدأَتها نساءُ آل الحُسَين حُزنًا على الضحايا قبل اقتِـيادِهنَّ إلى دمشق.